Posted in غير مصنف

البرتو مانغويل يبحث في الاسباب التي تدفع الى حب الكتاب

alberto-manguel-2-3-4-5-6-7-8-9-10
احترف الكاتب الارجنتيني البرتو مانغويل الكتابة عن القراءة. فبعد ثلاثيته (تاريخ القراءة) و(المكتبة في الليل) و(يوميات القراءة)، أصدر اخيرا كتابا من القطع الصغير عنوانه (مع بورخيس)، وفيه يروي سيرة امتهانه القراءة للكاتب والشاعر الكبير الكفيف. تُرجمت كتب مانغويل الى أكثر من 24 لغة، وصدرت بالعرببة عن (دار الساقي) و(دار المدى) بطبعات متعددة. ومؤخرا صدرت الطبعة الاولى من (مع بورخيس) بالعربية عن دار الساقي بترجمة أحمد م. الأحمد.
في كتابه (تاريخ القراءة) يبحث مانغويل في الاسباب التي تدفع الى حب الكتاب على مدى العصور، مستلهماً تجربة كبار الكتاب والمفكرين اضافة الى تجربته الشخصية. اعتبر النقاد هذا الكتاب رسالة في حب القراءة. وبعضهم اوجزه بكلمتين: شغف القراءة ومتعتها. فهو يعرض رواية مذهلة للسفر عبر العصور والأمكنة. كل مرحلة شكلت لمانغويل فرصة للانعطاف، للزيارات، للتأمل العميق وللنكات الممتعة. يتساءل مانغويل: مَن السيد؟ الكاتب أم القارئ؟ ويخلص الى أن تاريخ القراءة هو تاريخ فردي لكل قارئ مع الكتب. اما تاريخ الكاتب فيبدأ من قرائه وان أتوا متأخرين وليس بالضروة من الكتاب الأول. ترجم الكتاب لأكثر من 35 لغة ونال في فرنسا جائزة مديسيس للكتاب عام 1988.
أما (المكتبة في الليل) فهو كتاب معرفي حول المكتبة، لا يخلو من ومضات كوميدية. يوصي مانغويل بضرورة الاهتمام بالمكتبة سواء كانت مؤلفة من بضعة كتب ام من آلاف الكتب، سواء كانت عقلية (كما لدى بورخيس) ام مؤسساتية (بدوام ونظام عمل).
يتناول الكتاب شكل المكتبة وترتيبها وهويتها بحيث تشجّع على القراءة وتسهّل الوصول الى الكتب، كاشفاً عن شغف مزمن بالمكتبة، حيث كان يحلم ان يصبح أمين مكتبة. حلم تأخر تحقيقه حتى بلغ السادسة والخمسين. بالنسبة لمانغويل تذهب المكتبة مذهب الوطن، هي دواء للروح وطريقة للخلود. بل ان فعل القراءة هو أحد أشكال المقاومة للزمن.
كتاب (يوميات القراءة) اقرب الى دفتر مذكرات حميمي يدوّن فيه الكاتب الارجنتيني انطباعاته عن الحياة اليومية وقراءاته لاثني عشر مؤلفاً من الأدب الكلاسيكي. في ما يشبه التحدي أعاد مانغويل قراءة كتاب مميز كل شهر على مدى سنة اثناء زيارته لمدينته بوينس ايرس: كاساريس، ويلز، كبلنغ، شاتوبريان، دويل، غوته، كينيث غراهام، سرفانتس الخ. وهي مؤلفات ظلّ صداها يتردد مع حوادث معاصرة وتضيء على علاقته الشخصية بالعالم الراهن. يقول مانغويل (القراءة هي حالة تواطؤ بين الكاتب والقارئ. بل اكثر من ذلك: تدعونا القراءة الى نقاش مظلل بالمتعة، قبل أن تحولنا جذريا، دافعة بنا الى تجاوز انفسنا).
الكتاب الصادر مؤخراً بالعربية عن دار الساقي بعنوان (مع بورخيس) يروي فيه مانغويل ظروف لقائه في عام 1964 باحد أعظم كتاب عصره: خورخي لويس بورخيس. كان في السادسة عشرة، شابا يافعاً، طالبا في الثانوية، وموظفا في مكتبة بغماليون (الأدبية) في بوينس آيرس. كل مساء اخذ يقصد بورخيس الذي كان حينها مديراً للمكتبة الوطنية القريبة، ويختار الكتب والقراء الذين يتلونها له. كان نظره قد شح فاعتاد الاستعانة بأشخاص يقرأون له المؤلفات بالرغم من انه يحفظ بعضها عن ظهر قلب. ألبرتو مانغويل كان أحد هؤلاء القارئين قبل أن يصبح بدوره أحد الوجوه البارزة في الأدب العالمي.
في كتابه (مع بورخيس) يعود مانغويل بضع خطوات الى الوراء مستعيداً صورة (معلمه) وذكرياته معه اثناء القراءة له. (لم أكن مدركاً بأنني كنت أقرأ لأحد العباقرة لأربع مرات في الأسبوع.. حتى ذلك الحين، كان الجميع يحثني لأصبح مهندساً أو محامياً، قبل أن يأتي أحدهم ليعلمني اللغة التي أحتاجها).
لقّن بورخيس قارئه الوثوق بالحدس، بالمصادفات، وبالمتعة. والأهم من ذلك، علمه بأن جوهر الحقيقة يكمن في الأدب، وليس في مظاهر العالم الزائفة. (أهّلني لأن أدرك بأنه ليس ثمة رؤية أحادية للأشياء: الجيد في جانب والسيئ في آخر، كما يحاولون ان يفهمونا اليوم، وانما تأمل وحيرة. وأنه ليس الزاماً على الكاتب ان يختار معسكره.
 بخلاف ذلك عليه ان يثبت أن الكثير من الحقائق يمكن أن تتعايش معا. نحن مدينون له باكتشاف هذا، وبهذا المعنى، بورخيس هو بداية ونهاية كل شيء، مفتاح أساسي لفك تشفير العالم اليوم).عن نقاشاته مع بورخيس يقول مانغويل انها اقتصرت تقريباً على الادب (كانت أقرب الى مونولج.. كنتُ الجدار الذي يرمي عليه كرة أفكاره. يغوص في أعماق النصوص، يقابلها، يختلق مراجع وهمية، يستكشف المعاني الخفية أو المتناقضة فيها.
أثبت لي ان الكتاب لا وجود له إلا من خلال قرائه.. بالنسبة له، كانت السياسة أكثر الأشياء رثاثة في العالم فيما الأدب هو العلاج الامضى للدكتاتوريات.. لم يكن ليبوح بشيء الا مواربة ومن خلال النقاشات الأدبية، لأن حياته، بل روحه نفسها كانت في مكتبته).
مناقشات تتناول الكتب، اكتشاف الكتّاب الذين لم يكن مانغويل قد قرأ لهم. والافكار التي لم تكن في باله ابدا، او أنه كان يقاربها بطريقة متذبذبة، نصف بدهية، اخذت تلمع وتشع بروعتها في صوت بورخيس. لم يدون مانغويل ملاحظات في تلك الأمسيات (كنت أشعر بالامتلاء فحسب).
يتناوب في كتاب (مع بورخيس) صوتان: جزء روائي يكتنز ذكريات عامة وتأملات حول القراءة. وجزء (موارب) يترك للذاكرة التقاط تفاصيل المشهد: كيف كان يدخل على بورخيس، كيف يجلس ليقرأ، كيف يرتدي بورخيس عباءة عوليس العصرية متجاوزاً عماه.. (أعماله، تأسيس أسطورته، صداقاته الأدبية). لا تفوت مانغويل الاشارة الى عبقرية لغة بورخيس الادبية، بما تمثله من مرحلة رئيسية في تطور الكتابة. عبقرية ولدت من عمله مترجما وقارئا، ومن ادخاله أساليب نحوية خارجية أغنت لغته الأم.
مانغويل يرد مجد الأدب العالمي الى بورخيس لاسيما في بوينس آيرس، (مركز العالم الميتافيزيقي)، سواء في الأعمال التي تبرر الكتابة نفسها أم في الحياة الحقيقية في حي عائلته. بالرغم من ان شعوراً لازم مانغويل بكونه الأداة التي استخدمها بورخيس للتعويض عن عماه وبأنه كان (أحدا) في متناول يد بورخيس، الا ان المتعة اللامتناهية في المشاركة بتطوير شيء على قدر من السمو أنساه هذا الدور.
 (رغما عنه، غيّر بورخيس إلى الأبد مفهوم الأدب، وبالتالي، مفهوم تاريخ الأدب. قضيته الوحيدة كانت الأدب. ما من كاتب في هذا القرن اسهم بهذا القدر في تغيير علاقتنا بالأدب) يقول مانغويل.
المصدر : جريدة الفجر
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s