Posted in غير مصنف

مدن كالفينو بين الواقع والخيال – مقال دلال نصرالله

مدن كالفينو بين الواقع والخيال – مقال دلال نصرالله

مدن كالفينو..  بين الواقع والخيال

كيف لطبقات مدينة، وشوارعها، وناطحات سحابها أن تأسر خيالنا وذكرياتنا وذواتنا؟ كيف للعمران أن يؤثر على السكان؟ سنجد الإجابة في “مدن لامرئية” التي يأخذنا فيها الأديب الإيطالي إيتالو كالفينو في رحلة لاستكشافها عبر حوار متخيل بين الملك قبلخان والرحالة ماركو بولو .. وفيها يصف الأخير مدناً متخيلة، حالمة، بعضها مثالي، وبعضها الآخر غريب جداً.

يصعب علي تصنيف الكتاب، فهو ليس برواية بالمعنى المعروف للرواية، وهو ليس كتابا في أدب الرحلات بشكل بحت، وفيه شيء من علم النفس، والفلسفة، وعلم الاجتماع ! ولو كان الأمر بيدي لوضعت كتب كالفينو كلها على رف خاص به في كل المكتبات، ولألزمت طلبة علم الاجتماع بدراسته بغية إيجاد قاسم مشترك بين علم الاجتماع والأدب. يسلط هذا الكتاب الضوء على مدن يتواصل أفرادها مع بعضهم البعض، ويؤثر أحدهم على الآخر في تفاعل يستخدم الرموز: كالكلمات، والإيماءات، وبعض الجمادات. كما يسلط الضوء على جماعات من سماتها عدم الاستقرار في الحال أو المكان، وعلى جماعات يتكرر فيها الزمان وتتكرر فيها السعادة، ويسلط الضوء كذلك على جماعات أفرادها متعارضو الآراء والتوجهات، وعلى مجتمعات ذات توجهات يوتوبية آلت بهم إلى الجحيم.

تطبيق عملي:-

مدن وعيون: لن ترى المدينة كما هي إن صعدت ناطحة سحاب قيد الإنشاء، وكلما بُني طابق وصعدته، ستلاحظ علوا في خيالك العمودي وهذا أمر جيد يُشعرك بالسيطرة على المكان. وعلى هذا الشعور تعتمد خرائط غوغل.

مدن وذكريات: مخطئ من ظن أنه سيفهم مدينة ويتملكها عبر صورة التقطها من خلال هاتفه النقال، فالمدينة – كما يقول كالفينو – “لا تحكي عن ماضيها بل تحتويه كخطوط اليد” ،، وسيفوز حتما من يقرأ هذه الخطوط.

مدن لا مرئية: وهي مدن تشبه جسم الإنسان، فأنت إن شَرّحت شخصا ورأيت أوردته وشرايينه وأعضاءه الداخلية وهي متصلة ببعضها، يجب أن تتخيل بعدها رحلة قطرة الدم بينها. وهذا ما يحدث في تلك المدن اللامرئية. يجب أن تتدفق أيها الإنسان فيها كلها.

مدن تجارية: رغم أن في لعبة الشطرنج خطط/ استيراتيجيات وكر وفر ومكر، إلا أن هناك نهاية دائما. وهكذا تصعد المدن وتتهاوى ، لكنها ما تلبث أن تستعيد عافيتها .. وتعيد نفسها. في هذه المدن التجارية لا يعرف الناس إلا الاسم الأول لبعضهم البعض ولا يتكلمون إلا عن المال، تماما كما يحدث عند لعب الشطرنج فاللاعبون لا يتحدثون إلا عن اللعبة .. إنها مدن تتمدد كالإسفنج.

مدن ورغبة: وهي مدن نشأتها تشبه الحكاية التالية: “يحكى أن رجالا من دول مختلفة كان كل منهم يرى ذات الحلم في نومه. كانوا يرون أنفسهم في مدينة مجهولة، ويلحق كل منهم ذات المرأة العارية، لكنهم لم يروا منها إلا ظهرها وشعرها الطويل. استيقظوا من نومهم وبحث كل منهم عن هذه المدينة فلم يجدها. لكن وجد أحدهم الآخر . فقرروا بناء مدينة تشبه تلك التي في حلمهم، لكنهم خططوا شوارعها ،تفاصيلها بما يختلف عن الحلم أملا في القبض على هذه المرأة.”

إذن، هي مدن كالأحلام أصلها رغبات  .. هي كهذه المدن التي يمنع فيها التدخين ،يحرم فيها الفرح والموسيقى والتعبير عن الرأى .. إنها مدن كالجحيم.

فهل نصنع نحن المدينة، أم أن المدينة تصنعنا؟ من الواضح أنه تفاعل متبادل، ولن تستطيع البيئة فعل ذلك دون وجود مؤثرات لا يمكن أن نهرب منها: كالأصوات والروائح وغيرها الكثير من المؤثرات التي تشكل المدن التي تحيط بنا. فإما أن نتأقلم معها وننام نوما هانئا، أو أن نفشل في التأقلم وننتحر. لذا علينا أن ننتبه لهذا العالم الذي نصنعه ولا نلقي له بالا.

*دلال نصرالله 2016

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s