Posted in قصة_قصيرة

أحقا مات؟

ترجمة : خلف القرشي
قصة قصيرة للأديب الإيطالي:
Lugi Pirandello
لويجي بيرنديللو 


أضطر الركاب المغادرون روما، في القطار الليلي السريع، للتوقف حتى يبزغ الفجر، في محطة صغيرة في (فابريا نو)، ليواصلوا رحلتهم في قطار محلي صغير، ذي طراز قديم ليقلهم إلى (سيلومونا).

بحلول الفجر، في واحدة من عربات الدرجة الثانية، هواءها فاسد، تعج بالدخان، كان خمسة أشخاص قد أمضوا ليلتهم هناك. انضمت إليهم امرأة ضخمة، مستغرقة في حزن عميق، بدت وكأنها كتلة بلا ملامح ، ومن ورائها زوجها يلهث ويئن، رجل ضئيل الجسم، ذو وجه نحيف، له عينان صغيرتان ومشعتان، بدا خجولا ومضطربا.
ما إن أخذ مقعده، وشكر بلطف الراكب الذي ساعد زوجته، وأفسح لها مكانا، التفت إلى زوجته محاولا إصلاح وضع شالها، وبأدب جم سألها:
– هل أنت على ما يرام عزيزتي؟
لم تجبه، سحبت شالها ثانية نحو عينيها وكأنها تريد إخفاء وجهها.

تمتم الرجل بابتسامة حزينة: – تعب كلها الحياة.

شعر بأهمية توضيح الأمر لبقية المسافرين، فزوجته تستحق الشفقة لأن الحرب أخذت منها ولدها الوحيد. شاب يافع في العشرين من عمره، كرسا له حياتهما تماما، حتى أنهما غادرا منزلهما في (سيلومونا) ليلحقا به في روما إبان دراسته هناك. بعد ذلك سمحا له بالتطوع للحرب، بعد أن أكد لهما بأنه لن يرسل للجبهة على الأقل في الأشهر الستة الأولى من انضمامه، لكنهما وعلى غير توقع، تسلما منه برقية، مفادها أنه يتوجب عليه الذهاب إلى الجبهة في غضون ثلاثة أيام، ويطلب منهما أن يأتيا لوداعه.

كانت المرأة تتململ تحت شالها الكبير، وأحيانا تدمدم مثل حيوان بري، واثقة من شعورها بأن إيضاحات زوجها تلك لن تحظى بأي تعاطف، من قبل هؤلاء الأشخاص الذين هم في الأغلب في نفس محنتها.

قال أحدهم بعد أن استمع لزوجها باهتمام شديد :

– عليك أن تشكر الله، لأن ابنك لن يذهب للجبهة إلا الآن، سيدي. إن ابني قد ذهب إلى هناك منذ أول يوم اندلعت فيه الحرب، عاد إلينا مرتين جريحا، وعاد أدراجه ثانية إلى الجبهة!!!

أضاف أخر:

– وماذا بوسعي أن أقول، لي ولدان في الجبهة الآن ولأخي ثلاثة.

تجرأ الزوج، وقال:

– قد تكون على حق. بالنسبة لنا الوضع مختلف، إنه ابننا الوحيد.

– وما الفرق؟ قد تفسد ابنك الوحيد بالاهتمام المفرط به، لكن يستحيل أن تحبه أكثر لو كان لديك غيره. الحب الأبوي ليس خبزا يمكن تقسيمه إلى قطع توزع بالتساوي بين الأبناء. إن الأب يعطي لكل واحد من أبنائه كل حبه، من غير تفضيل، بغض النظر عما إذا كانوا واحدا أو عشرة. إنني عندما أعاني من أجل أبنائي الاثنين، فأنا لا أعاني نصف المعاناة لكل منهما،بل أعاني الضعف….

تنهد الزوج المحرج وقال:

– حقا، لكن لنفرض – ونتمنى أن لا يحدث هذا لك – أن أبا له ولدان في الجبهة وفقد أحدهما، سيبقى له ولد آخر يعينه ويواسيه، لكن من ليس له إلا ولد وحيد فـــ ……….

– نعم، يتبقى لديه أخر ليعينه ويواسيه،…. لكن ذلك الذي يبقى، يتوجب على والده أن يعاني من أجله أيضا أما في حالة الأب ذي الولد الواحد، فلو مات ذلك الولد، فبوسع الأب أن يموت أيضا، ويضع نهاية لمحنته. فيا ترى أي الحالتين أسوأ ؟ ألا تتفق معي أن حالتي أسوء من حالتك؟

قاطعهما مسافر ثالث، رجل بدين ذو وجه مشوب بحمرة، وعينين محمرتين، كان يلهث ويكاد يتفجر من عينيه المتورمتين’ عنف داخلي، لا يستطع جسده الواهن احتواءه، قائلا:

– هراء.

كرر الكلمة، محاولا تغطية فمه بيده، كما لو كان يريد إخفاء موضع سنيه الأماميتين المفقودتين، وأردف: –

– هل ننجب أبناءنا من أجل مصلحتنا؟

حملق فيه بقية المسافرين بضجر، وأجابه ذلك المسافر – الذي لديه ابن في الجبهة منذ أول يوم نشبت فيه الحرب- قائلا:

– أنت على حق، أطفالنا ليسوا لنا، إنهم للوطن.

وهنا ردٌ عليه الرجل البدين بقوة:

– هراء، وهل نفكر في الوطن عندما ننجبهم، أبناؤنا ولدوا لأنهم ….. حسنا …. لأنهم لا بد وأن يولدوا، وعندما يأتون إلى الحياة، فإنهم يأخذون حياتنا معهم… تلك هي الحقيقة. نحن لهم، لكنهم ليسوا لنا، وعندما يبلغون العشرين، فإنهم يكونون تماما، ما كنا عليه في تلك السن، نحن أيضا كان لكل منا أب وأم، ولكن كانت هناك أشياء أخرى كثيرة: ألأصدقاء، السجائر، الأوهام، العلاقات الجديدة….والوطن. من يا ترى منا عندما كنا في العشرين، كان يسمع لأبيه وأمه عندما يقولان له (لا). الآن وفي سننا هذه، حب الوطن ما زال كبيرا، بالطبع، ولكن أكبر منه، حبنا لأطفالنا، هل يوجد منا من يمانع أن يكون مكان ابنه في الجبهة لو استطاع إلى ذلك سبيلا؟

ساد صمت مطبق، بيد أن كل شخص أومأ برأسه موافقا.

واستطرد الرجل البدين:

– لماذا إذن لا نأخذ بعين الاعتبار مشاعر أطفالنا، عندما يبلغون العشرين؟ أليس من الطبيعي في هذه السن أنهم يعدون حبهم للوطن أعظم من حبهم لنا؟ إنني أتحدث عن الأولاد الصالحين. أليس من الطبيعي أن تكون المسألة على النحو التالي: أبناؤنا ينظرون إلينا على أننا أولاد كبار لم يعد بوسعنا الحراك وعليه لا بد أن نبقى في منازلنا، فطالما أن الوطن حاجة فطرية، مثله مثل الخبز فيجب على كل منا أن يأكل منه كي لا يموت جوعا، فلا بد أن يكون هناك من يدافعون عنه. لقد هبٌ أبناؤنا لذلك عندما بلغوا العشرين، لذا فهم لا يريدون منا دموعا، وإذا ماتوا فسوف يموتون سعداء مبتهجين، إنني أتحدث عن الأولاد الصالحين، وماذا يمكننا أن نرجو أكثر من ذلك لشاب مات سعيدا من غير أن يطوله الجانب القبيح من الحياة،السأم، التفاهة، خيبات الأمل. نعم ما الذي نرجوه له أكثر من ذلك؟ يجب أن يكف كل شخص عن البكاء، ويضحك بملء فيه، كما أفعل أنا، أو على الأقل يشكر الله كما أفعل أنا أيضا لأن ابني قبل أن يموت بعث إلي رسالة يقول فيها بأنه سيموت راضيا لأنه أنهى حياته بأفضل طريقة كان يرغبها، ولهذا السبب، وكما ترون فأنا لم أرتد أي لباس حداد من أجله.

أزاح معطفه الخفيف ليريهم أنه لا يرتدي تحته سترة حداد، كانت شفته المز رقة ترتجف فوق موضع سنيه المفقودتين. عيناه الشاخصتان مغرورقتان، أنهى حديثه بإطلاق ضحكة مدوية بدت كأنها تنهيدة.

ووافقه الآخرون بقولهم :

– حقا..، حقا.

جلست المرأة العجوز تستمع وهي متكومة في زاوية تحت شالها، تستمع، إنها منذ ثلاثة أشهر تحاول أن تجد في كلمات زوجها وأصدقائها شيئا ما فيه مواساة وعزاء عن حزنها العميق، شيئا ما يريها كيف يكون بوسع امرأة أن تذعن لفكرة إرسال ولدها ليس حتى إلى الموت ولكن إلى أي مكان فيه خطر محتمل على حياته. ومع ذلك لم تجد ولو كلمة واحدة من بين كل ما قيل تشفي علتها. وتعاظم حزنها لعدم رؤيتها أحدا كما ظنت يشاركها مشاعرها.

غير أن الوضع تغير الآن، فكلمات هذا الراكب، حيرتها وصدمتها، جعلتها تكتشف فجأة بأن الآخرين ليسوا هم الذين على خطأ، ولم يفهموها، بل هي نفسها التي لم تستطع أن ترقى بنفسها إلى مستوى هؤلاء الآباء والأمهات، الذين لديهم الرغبة ليكيفوا أنفسهم، من غير بكاء، ليس فقط على مغادرة أبنائهم بل حتى على موتهم.

أطلت برأسها، وسحبت نفسها، تحاول الاستماع باهتمام شديد إلى كل التفاصيل التي سيسردها الرجل البدين لمرافقيه عن الطريقة التي سقط بها ابنه بطلا من أجل مليكه ووطنه، سعيدا من غير ندم، بدا لها لحظتها وكأن قدمها زلت بها في عالم لم تحلم به قط، كانت مسرورة جدا لسماعها بقية الركاب، يهنئون ذلك الأب الشجاع الذي استطاع برباطة جأش الحديث عن سقوط ابنه ميتا في سبيل الوطن.

فجأة، كأنها لم تسمع شيئا من كل ما قيل، وكأنما أوقظت من منام، التفتت نحو الرجل البدين سائلة إياه:

– هل حقا مات ابنك؟

حملق فيها الجميع،التفت إليها الرجل العجوز بدوره مثبتا على وجهها نظرة عينيه الكبيرتين المتورمتين الشاخصتين، لوهلة حاول أن يجيبها، لكن الكلمات خذلته، نظر إليها محدقا، وكأنه فقط عند ذلك السؤال الغبي، اكتشف فجأة أن ابنه قد مات فعلا، وذهب إلى الأبد، نعم إلى الأبد، انكمش وجهه، وصار مشوها بشكل مفزع، في عجلة خطف منديلا من جيبه ووسط حيرة الجميع، انخرط في بكاء مرير —————[color=#CC0000]Pirandelloweb

Advertisements
Posted in شعر

الوردة الحمراء – روبرت برنز

5656

ترجمة : عبدالله عيسى

Robert Burns is Scotland’s greatest poet
روبرت بيرنز أعظم شعراء سكوتلند.
ترجمتي لإحدى قصائده:

My love is like a red, red rose 
:That’s newly sprung in June
My love is like the melody 
That’s sweetly played in tune

,How fair art thou, my bonnie lass
So deep in love am I
, And I will love thee still, my dear
.Till all the seas gang dry

,Till all the seas gang dry, my dear
;And the rocks melt with the sun
,I will love thee still, my dear
.While the sands of life shall run

.And fare thee weel, my only love
!And fare thee weel awhile
,And I will come again, my love
.Though it were ten thousand mile

كالوردة الحمراء تلك حبيبتي
لما تبدت في حزيران النضير
لحن بديعُ الحسن يعزف باللطافة
هكذا محبوبتي  عندي تصير

حسناء أنت ويا لحسنك جرني
للحب حتى صرت منه متيما
و لأعشقنك دائماً حتى وإن
جفت بحارٌ كم بها ماءٌ همى

حتى إذا جفت بحارٌ و الصخور
الصلب في شمس السماء غدت تذوب
يا ربتي مادام في الدنيا ترابٌ
للحياةِ، أكون عاشقك الدؤوب

كوني بخيرٍ يا وحيدة خافقي
فأنا المسافر عنك بالزمن الطويل
سأعود ثانيةً لأجلك عاشقاً
لو كان بعدي عن هواكم ألف ميل

Posted in غير مصنف

موتُ فراشةِ العثّ

موتُ فراشةِ العثّ
فيرجينيا وولف

9630c1deecff2a0aca8bb78ec9bf6a7f

ترجمة: علي المجنوني

 

لا ينبغي تسميةُ فراشاتِ العثِّ التي تطيرُ في النهار فراشاتِ عث؛ إنها لا تثير ذلك الإحساسَ الساحرَ لليالي الخريفِ المعتمةِ وزهرِ اللبلابِ الذي لا تخطئ فراشةُ العثِّ ذات الجناحِ الباطنيِّ الأصفرِ، نائمةً في ظلِّ الستارةِ، إيقاظَه فينا. إنها كائناتٌ هجينةٌ، فلا هي زاهيةٌ كالفراشاتِ ولا هي قاتمةٌ كجنسِها. بَيْد أن النموذجَ الماثلَ أمامنا، بأجنحتِه النحيلةِ بلون القشِّ، مُهدَّبا بشرّابةٍ من اللونِ نفسِه، بدا قانعا بالحياة. كان يوما لطيفا، منتصفَ أيلول، معتدلا، هادئا، إلا أن له نسمةً أحمى من نسمةِ أشهرِ الصيف. كان المحراثُ قد بدأ يخدشُ الحقلَ المواجهَ للنافذةِ، وحيثما مرّت شفرةُ المحراثِ، فإن الأرض قد سُوِّيت وتبرق نداوةً. دخلتْ تلك الحيويةُ متدفقةً من الحقولِ والسهبِ البعيد لدرجة أن إبقاءَ النظرِ مركزا على الكتابِ غدا صعبا. الغربانُ أيضا كانت تقيم أحدَ احتفالاتِها السنويةِ، وهي تحلّقُ فوق رؤوسِ الأشجارِ حتى بدا الأمر وكأن شبكةً عريضةً بآلافِ العُقَدِ السوداءِ قد رُميت في الجو، ثم نزلت ببطءٍ بعد لحظاتٍ قليلةٍ على الأشجارِ حتى بدا كلُّ غصنٍ بعُقدةٍ في نهايتِه. ثم تُنفضُ الشبكةُ مرةً أخرى في الهواءِ، في دائرةٍ أوسع هذه المرة، بأقصى ما يكون من صياحٍ وجلبةٍ، كما لو كان رميُها في الهواء واستواؤها ببطءٍ على قممِ الأشجارِ تجربةً في منتهى الإثارة.
الطاقةُ نفسها التي ألهمتِ الغربانَ والفلاحينَ والخيولَ، بل وحتى الجناحَيْن الهزيلَيْن العاريَيْن بزغبِهما، دفعتْ فراشةَ العثِّ إلى الرفرفةِ من جهةٍ إلى أخرى في حيّزِها من لوحِ النافذةِ الزجاجيِّ. لم يكن بوسع امرئٍ ما تفادي مشاهدتِها. بل إن هذا المرء كان واعيا لشعورٍ غريبٍ بالشفقةِ حيالَها. بدت احتمالاتُ المتعةِ ذلك الصباحِ هائلةً جدا ومتنوعةً جدا حتى غدا الاقتصارُ على دَوْرِ فراشةِ عثٍّ في الحياةِ، وفراشةِ عثٍّ نهاريةٍ فوقَ ذلك، قَدَرا قاسيا، وبدت شهيتُها في التمتعِ الكاملِ بالفرصِ الضئيلةِ التي تمتلكها بائسةً. طارت بنشاطٍ إلى ركنٍ من مقصورتِها، ثم طارت إلى الآخر بعد ثانية من الانتظار. ما الذي بقي لها سوى أن تطير إلى ركنٍ ثالثٍ ثم رابع؟ كان ذلك كل ما بوسعها القيام به، على رغم حجم السهوب وعرض السماء والدخان البعيد للمنازل والصوت العاطفي، بين الحين والآخر، لسفينة في البحر. قامت بما بوسعها القيام به. بدا الأمر حين مشاهدتها وكأن ليفا من الطاقة الهائلة للعالم، دقيقا جدا لكنه نقي، قد دُفع في جسدها الضعيف والصغير. وكلما عبرت اللوح الزجاجي كنت أتخيل أن خيطا مفعما بالحيوية يتبدى للعيان. كانت صغيرة أو لا شيء سوى الحياة.
مع ذلك، لأنها كانت صغيرة جدا وشكلا بسيطا من الطاقة التي كانت تتدفق عبر النافذة المشرّعة وتقود طريقها عبر كثير من الدهاليز الضيقة والمعقدة لدماغي وأدمغة سائر البشر، كان هنالك شيء مدهش عنها ومثير للشفقة أيضا. كان الأمر كما لو أن أحدا أخذ خرزةً صغيرةً من جوهر الحياة، وبعد تزيينها بألطف ما يمكن بالزغبِ والريشِ وضعها راقصة ومتأرجحة ليُريَنا الطبيعة الحقيقة للحياة. لا يمكن لامرئ أن يتجاوز غرابتها، وهي معروضة بهذه الهيئة. بل حريٌّ به نسيانُ كل شيء عن الحياة، وهو يراها محدبةً ومسيطَرا عليها ومزخرفةً ومُثقلةً بحيث عليها أن تتحرك بأقصى درجات الحذر والوقار. ومرة أخرى، دعته فكرةُ كيف كانت الحياة ستكون لو وُلدت فراشةُ العث في أي شكل آخر، إلى أن يتابع حركاتها البسيطة بنوع من الشفقة.
حطت بعد حين، وقد أرهقها رقصها فيما يبدو، على حافة النافذة تحت الشمس، ونسيتُها، بينما المشهد على انتهاء. بعد ذلك، وبينما كنت أرفع بصري، استرعت انتباهي. كانت تحاول استئناف رقصها، لكنها بدت إما من التصلّب أو من الخراقة بمكان بحيث لم تقدر سوى على الرفرفة إلى أسفلِ لوح النافذة، وعندما حاولت أن تطير عبر النافذة فشلت. منصرفةً إلى شؤون أخرى، قضيت وقتا في مشاهدة المحاولات غير المجدية هذه من دون تفكير، وأنا أنتظر بغير وعي أن تستأنف طيرانها، كما ينتظر أحدهم آلةً توقفت عن العمل هنيهاتٍ أن تعمل من جديد من دون النظر في سبب إخفاقها. بعد محاولة سابعة، ربما، انزلقتْ من الحافة الخشبية وسقطت على ظهرها، مرفرفةً بجناحيها، على حافة النافذة. حرضني عجزُ سلوكها. دار بخلدي أنها في ورطة، فهي لم تعد قادرة على رفع نفسها، كما أن سيقانها كانت تصارع عبثا. لكنني أدركت، وأنا أمدّ قلمَ رصاص بنيّةِ مساعدتها على تعديل هيئتها، أن الإخفاق والارتباك كانا لدنوّ الموت. وضعتُ قلم الرصاص مرة أخرى.
هزت السيقان من جديدٍ بعضها. بحثتُ عما يبدو العدو الذي كانت تصارعه. نظرتُ إلى الخارج. ما الذي حصل هناك؟ من المفترض أنه منتصف النهار، وأن العمل في الحقول قد توقف. أخذ السكونُ والهدوءُ مكانَ ما كان من حيوية. طارت الطيور بعيدا لطلب القوت في الجداول. الخيول واقفة في أماكنها. لكن الطاقة كانت هناك على حالها، محشودة بالخارج غير مبالية، غير شخصية، غير مصغية إلى أي شيء تحديدا. كانت معادية، بطريقة ما، لفراشة العث الصغيرة بلون القش. لم يكن هناك طائل من محاولة القيام بأي شيء. كل ما يمكن لامرئ فعله هو مشاهدة الجهود الاستثنائية التي تبذلها تلك السيقان الضئيلة في مواجهة موت آزف، كان بإمكانه، لو أراد، أن يغمر مدينة كاملة، ليس مدينة فحسب، بل جموعا من البشر. ما من خيار لأي شيء حيال الموت، كما أعرف. بيد أن السيقان ارتعشت ثانية بعد فترة من الإعياء. كان رائعا هذا الاحتجاج الأخير، وغاية في الاهتياج لدرجة أنها نجحت أخيرا في تعديل هيئتها. كان تعاطف الإنسان متّجها بأكمله إلى صفّ الحياة. أيضا، عندما لم يكن هنالك أحد يهتم أو يعرف، فقد أثار المرءَ بغرابةٍ هذا الجهدُ الضخمُ من جانب فراشة عث تافهة صغيرة في مواجهة قوة مفرطة في الحجم، للاحتفاظ بما لم يقدّره أو يرغب في الاحتفاظ به أحد سواها. مرة أخرى، بطريقة أو بأخرى، رأى المرءُ الحياةَ خرزة خالصة. رفعتُ قلم الرصاص من جديد، على رغم إدراكي لعدم جدوى فعلي. لكن حتى وأنا أقوم بذلك، برزت أمارات الموت جلية. ارتخى الجسد، وحالا أخذ في التصلب. انتهى الصراع. عرف الكائنُ الحقير الصغير الموتَ الآن. وبينما كنت أنظر إلى فراشة العث الصريعة، غمرني بالدهشة هذا الانتصارُ الجانبي التافه لقوة بالغة العِظم على غريم دنيء. فكما أن الحياة كانت غريبة قبل بضع دقائق، فإن الموت الآن غريب. استلقت فراشة العث الآن وقد عدلت هيئتها في غاية الاحتشام والهدوء دون تشكٍّ. أجل، بدا أنها تقول: الموت أقوى مني.
Posted in قصة_قصيرة،مقال

كيف أكتب القصص القصيرة

كيف أكتب القصص القصيرة

 و. سومرست موم

ترجمة: علي الصباح

 

transliting

لحسن حظي أني كنت أتمتع بقدر جيد من الاستقلالية عندما بدأت بكتابة القصص القصيرة, فكنت أكتبها كنوع من الاستراحة عن العمل الذي أظن أنني قضيت وقتا طويلا في الانهماك فيه. أغلب القصص كُتبت كمجموعة من الملاحظات التي دونتها حسبما تواردت إليّ, وكنتُ أرجئ ما بدى لي الأصعب إلى النهاية. تصعب كتابة القصة عندما لا تعرف تفاصيلها منذ البداية, لكن في بعض الجوانب عليك أن تثق بخيالك وتجربتك. أحيانا لا تبدو لك منعطفات القصة بشكل جلي فيجب عليك حينها أن تلجأ إلى هذه الطريقة أو تلك إلى أن تتضح معالمها.

 

أرجو من القارئ أن لا يقع في فخ الانطباع الذي تخلّفه الكثير من قصصي للوهلة الأولى, بأنها تجاربي الشخصية. هذه ليست إلا وسيلة لجعلها تبدو واقعية. وهي وسيلة لها عيوبها, فقد يُصدَم القارئ بجهل الراوي لبعض الأحداث التي يستعرضها; وحين يحكي قصة أخبره بها شخص آخر, قد يكون المتحدث ضابط شرطة أو قبطان على سبيل المثال, لن يتمكن من أن يُعبّر عن نفسه ببراعة ولا بقدر كبير من التفصيل. كل طريقة ولها مساوئها. والتي يجب إخفائها, أما ما لا يمكن إخفائه فيلزم تقبله. وفائدتها في مباشرتها. فهي تتيح للكاتب أن يروي ما يعرفه فقط. بلا إدعاء بكونه راويا عليما, يمكنه أن يعترف بصراحة حينما يكون السبب أو الحدث مجهولا له, وهذا غالبا ما يعطي قصته شيء من المعقولية التي قد تفتقد إليها دون ذلك. وتخلق صلة بين القارئ والكاتب. منذ موباسان وتشيكوڤ Maupassant and Chekhov, اللذان حاولا بشدة أن يكونا موضوعيين, وبالرغم من ذلك كانا يكتبان بشكل شخصي جدا لذلك يترائى لي أحيانا بأن الكاتب إذا لم يستطع بأي وسيلة أن يعزل نفسه عن عمله فقد يكون من الأفضل أن يضع فيه قدر الإمكان من ذاته. الخطورة أن يضع الكثير جدا من ذاته فيصير كالمتحدث الذي يصر على احتكار الكلام. مثل كل الوسائل, هذه الوسيلة يجب أن تستخدم بحذر.

 

في بداية شبابي كتبتُ عددا من القصص القصيرة, لكن لأمد طويل, اثنا عشر أو خمسة عشر سنة على الأقل, انهمكت في الدراما وتوقفت عن ذلك; وبشكل غير متوقع وفرت لي رحلة إلى البحار الجنوبية الكثير من المواضيع التي بدت مناسبة للقصص القصيرة, كنت في بداية الأربعينيات حين كتبت القصة التي أسميتها “مطر”. يجب على قارئ هذه المقالة أن يتحلى بشيء من الصبر إذا ما أمليت مسودات لبعض القصص التي كتبتها سابقا. كُتبت بتعابير مستخدمة بكثرة وغير دقيقة, وبلا طلاوة; لأن الطبيعة لم تمنحني تلك المنحة المبهجة بأن انتقي غريزيا المفردات المناسبة لأشير إلى الموضوع وأستخدم النعوت الغير عادية, لكن الملائمة, لوصفه. أثناء سفري من هونولو إلى پاگو پاگو كنت أدوِّن على عجل انطباعاتي عن الركاب, على أمل أن تكون ذات نفع في يوم ما. هذا ما كتبته عن السيدة تومسون:

 

سمينة, وتبدو جميلة بشكل خشن, ربما لا يتعدى عمرها سبعة وعشرون عاما. ترتدي فستانا أبيض وقبعة بيضاء كبيرة, حذاء طويل حيث تبرز ساقيها في جوارب قطنية.

 

كانت هناك مداهمة لحيّ البغاء في هونولولو قبيل إبحارنا وسرت شائعة في السفينة بأنها في هذه الرحلة هربا من الاعتقال.

 

تستمر ملاحظاتي:

 

السيد و. المبشر الديني. كان رجلا طويلا ونحيلا, بأطراف طويلة ومفاصل متصلة بشكل لين, خدّيه أجوفان وعظمتهما عالية, عيناه الواسعتان والداكنتان والجميلتان غائرتان عميقا في تجويفهما, شفتيه شرهتان بشدة, وشعره طويل نوعا ما. رائحته كالجيفة ومنظره كالنار الخامدة. يداه كبيرتان, وأصابعه طويلة ومنتظمة الشكل نوعا ما. كانت الشمس الاستوائية تحرق جلده الباهت بعمق. السيدة و. زوجته. كانت امرأة قصيرة وشعرها مصفف بعناية شديدة, على الطريقة الإنگليزية; عيون زرقاء غير بارزة وراء نظارة أنفية بإطار ذهبي, وجهها طويل كوجه نعجة, لكنها لا توحي بأي انطباع بالغباء, بل بالعكس تبدو شديدة اليقظة. حركاتها سريعة كطائر. صوتها هو أبرز ما فيها, عالٍ, رنان, وبلا التواءات; يلامس الأذن برتابة قوية, يهيّج الأعصاب كصخب مستمر صادر عن آلة حفر هوائية. كانت ترتدي فستانا أسود وعلى عنقها سلسلة ذهبية يتدلى منها صليب صغير. أخبرتني بأن و. مبشر ديني في جزر گيلبيرت ومنطقته تحتوي على عدد واسع من الجزر التي يحتاج يتنقل بينها في زورق كنو بشكل متكرر. خلال هذا الوقت تظل هي في المقر الرئيس وتدير الإرسالية.

غالبا ما تكون البحار هائجة ولا تخلو الرحلات من مخاطر. كان مبشرا طبيا. كانت تتحدث عن فساد السكان المحليين بصوت لا يكاد يُسمع, لكنها كانت تتحدث بقوة وباشمئزاز مُتَكَلَّف وهي تخبرني عن عادات زيجاتهم التي كان الفحش فيها يفوق الوصف. قالت, عند وصولهم كان من المستحيل إيجاد فتاة واحدة جيدة في أي قرية. هاجمت الرقص بعنف.

 

تحدثتُ لمرة واحدة مع المبشر وزوجته, ولم أتحدث مطلقا مع الآنسة تومسون. هنا مسودة القصة:

 

مومس, تحلّق من هونولولو بعد مداهمة للشرطة, وتصل إلى پاگو پاگو. وصل معها كذلك مبشر وزوجته. كذلك الراوي. الجميع مجبور على الانتظار هناك بسبب تفشي الحصبة. المبشر عرف حقيقة مهنتها وضيّق عليها. أجبرها على البؤس, العار, والتوبة, لا يجد في نفسه رحمة تجاهها. استحث المحافظ بأن يرجعها إلى هونولولو. عُثر عليه في أحد الصباحات ورقبته مقطوعة بيديه وهي بدت أكثر تألقا واتزانا. تنظر إلى الرجال وتصرخ باحتقار: خنازير قذرة.

 

قد يلاحظ القارئ بأن في المسودة الأصلية لـ “مطر” قُدِّم الراوي, لكن أثناء كتابة القصة حُذِف. “مطر” اُختُلِقَت من خلال مصادفتي لأشخاص من هنا وهناك, ممن سمعت منهم مباشرة أو حدثني آخرون عنهم, ظهر نمط بدا مناسبا لقصة قصيرة. هذا يأخذني إلى موضوع لطالما أقلق الكتاب وأحيانا تسبب للجمهور, المادة الخام للكتّاب, ببعض الانزعاج. يصرح بعض الكتاب عن عدم وجود مثال حي في مخيلتهم للشخصيات التي يبتكرونها. أعتقد أنهم مخطئون. لديهم هذا الرأي لأنهم لم يدققوا باهتمام كافٍ في الذكريات والانطباعات التي أسسوا من خلالها الشخص الذي تخيلوه بسذاجة. لو فعلوا ذلك لأدركوا بأنه, إلا إذا كان مستوحى من كتاب قد قرأوه وهي ممارسة ليست شائعة, قد تشكّل في أذهانهم من شخص أو أكثر يعرفونهم أو رأوهم في وقتٍ ما. الكتاب العظماء السابقين لا يخفون حقيقة اختيار شخصياتهم من بين أناس حقيقيين. نحن نعرف أن والتر سكوت Sir Walter Scott, رجل المبادئ العليا, صوّر أباه بشكل حاد أولا ثم, عندما غيّر تعاقب السنين مزاجه, صوّره بشكل حليم; في مخطوطة لرواية واحدة على الأقل لهنري بيل Henri Beyle, دوّن فيها على الهامش الأسماء الحقيقية لشخصياته; وهذا ما قاله تورگينيڤ Turgenev بنفسه: “بالنسبة للجزء الخاص بي, أعترف بأني لم أحاول قط أن أنشئ شخصية بدون امتلاك, ليس فقط فكرة, بل شخص حقيقي حي, تعتمل فيه العناصر المختلفة معا, لأعمل من خلاله. دائما ما أحتاج شيئا أساسيا يمكنني أن أسير عليه برسوخ.”

 

الأمر نفسه مع فلوبير Flaubert; كذلك معروف عن ديكينز Dickens استخدامه لأصدقاءه ولعلاقاته بشكل واسع; ولو قرأت يوميات جول رينان Journal of Jules Renard, الذي يُعَد أكثر كتاب تعليمي لأي شخص يود معرفة كيف يعمل الكتّاب, سترى مدى العناية التي يوليها لكل تفصيلة صغيرة عن العادات, طرق الحديث والمظهر الخارجي للأشخاص الذين يعرفهم. عندما شرع في كتابة روايته استعان بهذا المخزون من المعلومات المنتقاة بعناية. ستجد في يوميات تشيكوڤ ملاحظات يبدو جليا أنها كُتبت لتستخدم في وقت ما من المستقبل, وفي مذكرات أصدقائه ستجد إحالات متكررة للأشخاص الأصليين لشخصيات معينة. يظهر أن هذه الممارسة شائعة جدا. يجب علي أن أقول بأنها كانت ضرورية وحتمية. وملائمتها بدهية. سيسهل عليك جدا تصور شخصية يمكن تمييزها على أنها إنسانية ولها صفات ذاتية خاصة بها عندما يكون لديك مثال حي. الخيال لا يخلق شيئا من العدم. يحتاج إلى بواعث حسية. الملكة الإبداعية للكاتب التي يحركها شيء غير عادي في شخص ما (قد يكون غير عادي للكاتب فقط) تشوه فكرته فيما لو حاول أن يصف شخصا خلاف الذي يراه. الشخصيات يرتبط بعضها ببعض ولو حاولت أن تذكر معلومات كاذبة, بأن تجعل الرجل القصير طويلا على سبيل المثال (مع أن القامة ليس لها تأثير على الشخصية), أو بجعله غضوبا بينما هو يمتلك الصفات المصاحبة للمزاج الرصين, ستدمر بهذا الفعل الانسجام الظاهري plausible harmony (استعير هذا التعبير الجميل من بالتاسار گراثيار Baltasar Gracian) التي تتألف منه القصة. القضية برمتها تصير يسيرة ما لم تكن متعلقة بمشاعر الإنسان المعني. يجب على الكاتب أن يضع بعين الاعتبار خيلاء الجنس البشري وشماتته اللتان تعدان من أبرز مظاهر فشله المقيت. أصدقاء الرجل قد يجدون لذة حين يدركون وجوده في كتاب ما, خاصة إذا لم يكن فيه إطراء, رغم أن الكاتب ربما لم يعرفه أبدا من قبل. غالبا شخص ما سوف ينتبه إلى خصلة يعرفها في نفسه أو وصف لمكان يعيش به وسيتقافز به غروره إلى الانتهاء بأن هذه الشخصية تصوره. وهكذا في قصتي “المحطة الخارجية” كان المندوب السامي شخصا اقترحه عليّ القنصل البريطاني الذي قابلته مرة في مدريد وكُتبت بعد عشر سنوات من وفاته, لكني سمعت أن المندوب السامي في منطقة ساراواك, التي وصفتها في القصة, شعر بالإهانة لأنه ظن أني أعنيه. الشخصان لا يشتركان ولو بصفة واحدة. لا أتوقع من أي كاتب أن يحاول أن يرسم شخصية مطابقة للواقع.

 

لا شيء أكثر طيشا من أن تُضمّن عملا أدبيا شخصا مرسوما من الواقع سطرا بسطر. كل تصرفاته ستبدو خاطئة, وبشكل غريب, هو لا يجعل الشخصيات الأخرى في القصة تبدو مخطئة, بل ينعكس ذلك على شخصيته فقط. لا يكون مقنعا أبدا. لهذا السبب نجد أن الكثير من الكتّاب الذين انجذبوا إلى الشخصية الفردية والقوية في نهاية كتاب لورد نورثكليف Lord Northcliffe لم ينجحوا أبدا في تقديم شخصية ذات مصداقية. المثال الذي يختاره الكاتب تتم رؤيته من خلال مزاجه ولو أنه كان كاتبا لأي شيء أصلي, فما يكتبه يحتاج أن يكون له علاقة بسيطة بالحقائق. قد يرى الطويل قصيرا أو الكريم بخيلا; لكن, أكرر, إذا ما رآه طويلا يجب أن يبقى كذلك. يأخذ فقط ما يلزمه من الإنسان الحي. يستخدمه كوتد يعلق عليه تخيلاته. وليبلغ غايته (الانسجام الظاهري الذي نادرا ما تقدمه الطبيعة) عليه أن يكسيه بصفات لا تتحلى بها الشخصية الحقيقية. يجعله متماسكا ومتينا. الشخصية المختلقة, نتاج خياله المستقى من الحقائق, هي الفن, والحياة هي المادة الخام, كما نعلم, هي مجرد مادة.

 

الأمر الغريب أنه حين تلقى التهم على المؤلف بأنه نسخ هذا الشخص أو ذاك من الحياة, ينصب التركيز فقط على أقل الصفات الجديرة بالثناء الخاصة بالضحية. إذا ما وصفت شخصية رجل بأنه بار بوالدته لكنه يضرب زوجته, الجميع سيصيح: أوه, إنه براون, كم هو لا أخلاقي أن يتم ذكر ضربه لزوجته; ولن يخطر ببال أحد ولو لوهلة عن جونس وروبينسون اللذان يبران والدتهما بشكل معروف جدا. أود أن ألفت الانتباه من هذا إلى الخلاصة التي ننتهي إليها بشكل مدهش, نحن نعرف أصدقائنا من خلال عيوبهم وليس من مناقبهم. ذكرت بأنني لم أتحدث أبدا إلى الآنسة تومسون في قصة “مطر”. هذه الشخصية لا توجد في العالم بشكل واضح. باستثناء عدد ضئيل من الكتّاب, ممارستي بلا شك شائعة للغالبية, لذلك قد أكون مخولا بأن أعطي مثالا آخر عليها. تلقيت دعوة على العشاء لأقابل شخصين, زوج وزوجته, وروي لي عنهما ما سوف يقرأه القارئ بعد قليل. أعتقد أني لم أعرف أسمائهما قط.

 

من المؤكد أنني لن أتعرف عليهما فيما لو التقيت بهما في الشارع. هنا الملاحظات التي دونتها في ذلك الوقت:

 

رجل شجاع, يبدو مغرورا في عمر يقارب الخمسين, يرتدي نظارة أنفية وشعره أشيب, بشرة متوردة وعينان زرقاوان, وشارب رمادي أنيق. يتحدث بثقة. يقطن في مدينة نائية وبشكل ما معجب بمنصبه. يزدري الرجال الذين يسمحون للمناخ وللبيئة المحيطة أن تؤثرا في أنفسهم. سافر كثيرا خلال زياراته القصير إلى الشرق وعرف جاڤا, في الفلبين, الساحل الصيني وشبه الجزيرة الماليزية. هو بريطاني جدا, وشديد الوطنية; يهتم كثيرا للتمارين الرياضية. يكثر من شرب الكحول ودائما ما يأخذ زجاجة ويسكي معه إلى الفراش. عالجته زوجته تماما وهو الآن لا يشرب سوى الماء. هي امرأة متواضعة, ملامحها حادة, نحيلة, جلدها شاحب, وصدرها مستوٍ. ذوقها في الملابس سيء للغاية. تملك كل تحيزات المرأة الإنگليزية. عدة أجيال من عائلتها اعتادت على ارتداء ثياب من الدرجة الثانية. ستظن بأنها عديمة اللون وغير ذات أهمية لولا أنك تعلم أنها نجحت في علاج زوجها من إدمان الكحول بشكل تام.

 

من هذه المواد ابتكرت قصة بعنوان “قبل الحفلة”. لا أعتقد أن أي شخص محايد يمكنه أنه يظن أن هذين الشخصين اشتكيا بدعوى أنه تم استخدامهما. قد يكون صحيحا أنني لم أكن لأفكر بالقصة لو لم ألتقي بهم, لكن أي شخص قرأها سيدرك مدى ضآلة الحدث (أخذ الزجاجة إلى الفراش) وكيف تطورت الشخصيتين الرئيسيتين أثناء الكتابة من مخطط وجيز تأسسا منه.

 

“النقاد يشبهون ذبابة الخيل التي تمنع الفرس من الحراثة.” يقول تشيكوڤ. “قرأت انتقادات لقصصي طوال عشرين سنة, ولا أذكر ولو فائدة واحدة أو كلمة واحدة من نصيحة كانت ذات نفع. باستثناء مرة كتب فيها سكابچيڤيسكي Skabichevsky شيئا ترك فيّ أثرا. قال بأني سألقى حتفي في حفرة, ثملا”. كان يكتب لمدة أربعة وعشرون سنة وطوال هذه المدة كانت كتاباته تُهاجَم. لا أدري ما إذا كان النقاد اليوم لهم أمزجة أقل توحشا; كلما أصدرت مجموعة قصصية يجب علي أن أقبل بشكل عام الأحكام التي ستطلق عليها. لكن أحد النعوت حيرني استخدامه لوصف قصصي; وصفوها بتكرار مقلق بأنها “كفؤة”. يمكنني أن أنظر إلى هذا الوصف باعتباره إطراء, لأن أداء الأشياء بكفاءة يستحق الثناء أكثر من أداءها بلا كفاءة, لكن العبارة استخدمت بصورة انتقاصية, وبدافع التوق لأن أتعلم وأتحسن, سألت نفسي مالذي يمكن أن يكون في أذهان النقاد الذين أطلقوا هذه العبارة. بالطبع لا أحد فينا مرضي عنه من قبل الجميع وبالضرورة ستكون كتاباته, التي هي ظهور حميمي لذاته, منفرة للأشخاص الذين بطبيعتهم يعادونه. هذا يجب أن يبقيه رابط الجأش. لكن حين تكون أعمال المؤلف تحمل بشكل متكرر صفات غير جاذبة لعدد كبير من الناس يجب عليه حينئذ أن يلقي لهذا الأمر انتباهه. هناك بشكل واضح شيء ما يجده عدد من الناس غير محبب في قصصي وهذا ما يحاولون التعبير عنه حين يسلطون عليه لسانهم بمدحهم الخافت حول مدى كفاءته. لدي فرضية بأنها بسبب وضوح صياغته. أجازف بهذا الاقتراح (ربما امتدح نفسي بشكل غير ملائم) لأن هذا النقد بالتحديد لم يأتي من فرنسا أبدا حيث  حققت قصصي قبولا مع النقاد والعامة بشكل أكبر بكثير عما هي عليه في إنگلترا.

 

الفرنسيون بحسهم الكلاسيكي وأذهانهم المنظمة يطلبون صيغة متقنة ويستاءون من عمل تُركت نهايته غامضة, كأن تُعرض المواضيع ولا تُحل ويمكن توقع الذروة لكنها لا تحدث. من جانب آخر, هذه الدقة كانت منفرة للإنگليزيين. فأعظم رواياتنا عديمة الشكل وهذا, حتى لا يزعجون قرائهم, أعطاهم حسًا بالأمان. هذه هي الحياة التي نعرفها, هكذا فكروا, بتعسفها ولا منطقيتها; يمكننا أن نلقي بعيدا عن أذهاننا الفكرة المزعجة بأن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة. إذا كنتُ مصيبا في هذا الظن فلا يمكنني القيام بشيء تجاهه ويجب أن أعهد بنفسي لأكون كفؤا لبقية حياتي. تحيزاتي في الفنون تكون إلى جانب القانون والنظام. أحب القصة المناسبة. لم أزاول كتابة القصص بجدية إلا بعد أن كونت خبرة جيدة ككاتب دراما, وهذه الخبرة علمتني بأن أنحي جانبا كل ما لا يخدم القيمة الدرامية لقصتي. علمتني بأن أنشيء حدثا تلو الآخر بطريقة تؤدي إلى الذروة التي في ذهني. لستُ غافلا عن عيوب هذه الطريقة. قد تعطي تأثيرا ضيقا يكون في بعض الأحيان مزعجا. تشعر أحيانا بأن الحياة لا تترابط في أجزائها المختلفة بكل هذا الاتقان. في الحياة القصص تنمو, تبدأ من لامكان وتخمد بلا وجهة محددة. لعل هذا ما عناه تشيكوڤ عندما قال بأن القصص يجب أن لا تحتوي على بداية ولا نهاية. من المؤكد أنها أحيانا قد تُعطي شعورا بالاختناق حين ترى أشخاصا يتصرفون بشكل مطابق جدا للشخصيات وللأحداث التي تقع في شكل ملائم تماما. الراوي في هذا النوع لا يهدف فقط إلى أن يعرض مشاعره عن الحياة, لكن يعرضها بتجميل شكلي. يعيد ترتيب الحياة لتتناسب وأهدافه. يتبع تصميما في ذهنه, يترك هذا ويغير ذاك; يشوه الحقائق لمصلحته, بما يتوافق وخطته; وعندما يبلغ موضوعه ينتج عملا فنيا. لا يسعى إلى إثبات شيء. يرسم صورة ويضعها أمامك. يمكنك أن تأخذها أو تتركها.

Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

الوتر الرباعي – فيرجينيا وولف

 


cc3ab6dc1ff28a6d11d5bceccf97e3cdالوتر الرباعي
ترجمة : نجوى النابلسي

حسناًً ، ها قد وصلنا. وإذا أجلت بصرك حول المكان فسترى تلك الأنفاق وعربات الترام والحافلات الصغيرة، وأتجرأ على القول أن السيارات الخاصة أيضاً لم تكن بقليل، كذلك عربات محمّلة بأكاليل الغار، شغلوا بها، ينسجون الخيوط من أحد أطراف لندن إلى طرفها الآخر.
ومع ذلك بدأت تتشكل لدي بعض الشكوك ____
إن كان ذلك صحيح فعلاً ، كما يقولون، أن شارع ” ريجنت” مشيد وأن ” ترينتي” قد تعاقد وأن الطقس ليس بارداً لمثل هذا الوقت من العام ، وأنه حتى بمثل هذا القدر من الأجر لا يمكن الحصول على شقة، وأن أسوء ما في الأنفلونزا آثارها التالية، وإذا تذكرتُ أني نسيت أن أكتب عن الإرتشاح في المخزن وتركت قفازي في القطار، وإذا كانت روابط الدم تناديني، أنحني إلى الأمام لأتقبل بمودة اليد التي ربما امتدت بتردد__
” سبع سنوات منذ التقينا!”
” المرة الأخيرة في فينيس.”
” وأين تعيشين الآن؟”
حسناً، المساء المتأخر أفضل ما لائمني، ومع ذلك، لو أنه لم يتطلب كثيراً__”
” لكني عرفتك فوراً!”
” وإنْ. الحرب تركت شرخاً__”
لو أن العقل أصيب بطلقات سهام صغيرة كهذه، – فإن المجتمع البشري يخضعها- ولو لم يدفع أحدهم بالطباعة إلى الأمام أسرع من الآخر، وإذا قاموا بتوليد هذه الحرارة، وبالإضافة إلى ذلك أضاءوا النور الكهربائي، إذا قيل أن أحد الأشياء، في حالات كثيرة، يترك خلفه حاجة للتطوير والتعديل، والتنشيط علاوة على التأسف، والمتع والترهات والرغبات__ أعني إن كان كل ذلك حقائق ، والقبعات ووشاح الفرو، وبذات الرجال المحترمين المشقوقة الذيل، وأزرار ربطات العنق اللؤلئية التي ظهرت على السطح__ فأي فرصة هناك؟
من أي شيء؟ يصبح من الأصعب كل دقيقة أن تقول لماذا، رغم كل شيء، أجلس هنا مقتنعة أني أستطيع الآن أن أقول لماذا، أو حتى أن أتذكر آخر مرة، حدث هذا.
” هل شاهدت الموكب؟”
” بدا الملك بارداً.”
” لا ، لا ، لا. ولكن ما كان ذلك؟”
” لقد اشترت منزلاً في ” مالمسباري” .”
” كم هي محظوظة إن وجدت واحداً!”
على العكس، بدا لي شبه متأكدة، أياً كانت، أنها ملعونة، لأن الأمر كان مسألة شقق وقبعات وزبد بحر، أو هكذا بدا الأمر لمائة من الأشخاص المتأنقين الجالسين هنا، معزولين، مبطنين بالفرو ومتخمين.
ليس لأني قادرة على التباهي، فأنا أيضاً أجلس هامدة على مقعد مذهب، أقلب الأرض فوق ذاكرة مدفونة، كما نفعل جميعاً، لأن هناك إشارات، إن لم أكن مخطئة، بأننا جميعاً نسترجع ذكرى شيء ما، ونبحث بتكتم عن شيء ما. لماذا القلق؟ لماذا أكون قلقة إلى هذا الحد حول جلوس أصحاب العباءات والقفازات_ سواء كانت مزررة أم مفكوكة الأزرار؟ راقب إذاً ذاك الوجه العجوز منعكساً على الكنفا المعتمة، قبل دقيقة مضت كان لطيفاً ومتورداً، والآن صار صامتاً وحزيناً وكأنه في الظل. هل كان ذلك صوت الكمنجا الثانية تدندن في مدخل المكان؟
ها قد أتوا، أربع أشكال سوداء، يحملون الأدوات الموسيقية، أخذوا مجالسهم مقابل المربعات البيضاء تحت مسقط الضوء، أراحوا رؤوس أقواسهم على قوائم الأدوات ثم رفعوها بحركة متزامنة، وازنوها بخفة ثم عدّ العازف الأول ناظراً إلى العازف المقابل: له واحد، اثنان، ثلاثة__
متألقة، مزهرة، مثقلة بحملها، برزت فجأة! شجرة الكمثرى على قمة الجبل. تفجرت الينابيع، هبطت الأمطار. لكن مياه ” الرون” تجري بسرعة وعمق، سباق تحت القناطر، تكنس مخلفات الماء عن الأرض غاسلة الظلال فوق السمكة الفضية ، دُفعت السمكة المرقطة إلى الأسفل بالماء السريع، انزلقت الآن ضمن دوامة حيث _ من الصعب قول هذا- مزيج من السمك جميعهم في حوض، تثب، تنتثر، تكشط زعانفها الحادة، وشيء مثل غليان التيار الذي يحركه الزبد الأصفر جعلها تدور وتدور وتدور وتدور__
حرة الآن، تندفع إلى الأسفل أو بطريقة ما ترتفع في الهواء في حركات لولبية خلابة، ملتفة مثل نخالة ناعمة نتجت من تحت طائرة،أعلى وأعلى… كم هي محببة الطيبة في هؤلاء الذين يخطون بخفة، ويجتازون العالم مبتسمين ! كذلك العجائز المرحات لزوجات الأسماك، رابضات تحت القناطر، آه منظر النساء العجائز، كم يضحكن مهتزات ويمرحن ويترنحن عندما يمشين، من جانب إلى آخر.. هام هاه!
” طبعاً هذه من أولى موزارت ، _”
” لكن اللحن ، مثل كل ألحانه، يشعر المرء باليأس _ أقصد بالأمل.”
” ماذا أعني؟ إنها الموسيقى الأسوأ ! أريد أن أرقص، أن أضحك وآكل كعك القرنفل والكعك المزعفر وأشرب النبيذ الناعم الحاد. أو أسمع قصة فاحشة، الآن _ أستطيع إضافة البهار إليها_ كلما كبر المرء كلما ازداد حباً للبذاءة. ها… إنني أضحك. على ماذا؟ أنت لم تقل شيئاً ولا الرجل المحترم قبالتنا.. ولكن افترض.. افترض.. صه!
يحملنا النهر الكثيب فوقه. وعندما يطل القمر من خلال أغصان الصفصاف المتدلية أرى وجهك، أسمع صوتك، والعصافير تغني ونحن نجتاز أرض صفصاف عمال السلال. أي لحن تصفر؟ حزن ، حزن، مرح، مرح، مغزولين معا ًمثل أعواد القصب قي ضوء القمر، مغزولين معاً، ممتزجين لا يمكن فصلهما، مكبلين بالألم ومبذرين في الحزن – انهيار !
بغوص المركب، يرتفع، ترتفع الأشكال، لكن الورقة الآن ضعيفة، أصبحت فتيلاً لعمود دخان معتم يسحب بنقلات ملتهبة الألم المضاعف من قلبي. أشارت إلي، أطلقت حزني، أذابت ثلوج الحنو، أغرقت بالحب عوالم بلا شمس وبلا انقطاع، ألغت التزاماتها، لكنها برشاقة ورقة شقت طريقها في الداخل والخارج إلى أن اتحد المنشقون ضمن هذا النموذج وهذا الكمال، حلقت، تنهدت، غرقت كي ترتاح وتحزن وتسعد.
لماذا الحزن إذاً؟ ماذا تسأل؟ مازلتِ غير راضية؟ أقول: كل المسائل تم تسويتها. نعم، تمدد لترتاح تحت غطاء من أوراق الورد، المتساقطة. سقوط. آه، لكنهم توقفوا. ورقة ورد واحدة. تسقط من ارتفاع شاهق مثل مظلة صغيرة سقطت من بالون غير مرئي، دارت ثم طافت متموجة، لن تصل إلينا.
” لا ، لا لم ألحظ شيئاً . هذه أسوأ أنواع الموسيقى __ هذه الأحلام السخيفة. هل تقول أن عازف الكمان الثاني كان متأخراً؟”
” ها هي الآنسة مونرو تتحسس طريقها خارجاً __ شقراء أكثر كل عام، مسكينة _ على هذه الأرض المنزلقة”
” سيفنكس” العجوز العمياء ذات الشعر الرمادي.. تقف هناك على الرصيف، تومئ بعبوس شديد للحافلة الحمراء.
” كم هو رائع ! ما أروع عزفهم.. كم.. كم.. كم!
” ليس اللسان إلا مصفقة. السذاجة ذاتها. الريش في القبعة التي قربي مشع ومرح مثل خشخاشة طفل. والورقة على سطح الشجرة تلمع خضراء عبر الشق في الستارة. غريب جداً، مثير جداً.
” كم___ كم__كم!” صه!
هذان هما العاشقان فوق المرج.
“إن أخذتِ بيدي سيدتي__”
” سيدي، سأثق بك من كل قلبي، فضلاً عن ذلك، تركنا أجسادنا في قاعة المأدبة. هذه التي فوق المرج هي ظلال أرواحنا”
” إذاً فهذا عناق أرواحنا” أومأت أشجار الليمون برأسها موافقة. اندفعت البجعة من الجرف وطافت حالمة ضمن مجرى متوسط.
” ولكن ولكي نعود. تبعني هابطة الممر، وبينما كنا نلتف حول الزاوية، داس فوق بريم تنورتي، ما الذي أستطيع أن أفعله سوى الصراخ , آه ! هل أتوقف لأشير إليه؟ حينها سحب سيفه وشق طريقه وكأنه يطعن شيء ما حتى الموت وصرخ” مجنون! مجنون! ، بينما كنت أبكي، خرج الأمير بقبعته الخمرية وممشاته الفروية ، والذي كان يكتب في كتاب مغلف كبير في النافذة البارزة، انتزع سيفاً معلقاً على الجدار_ هدية من ملك أسبانيا، كما تعلم_ حينها هربت ، طارحة عليّ هذه العباءة لأخفي التلف الذي أصاب تنورتي_ لأخفي… ولكن اسمع ! الأبواق!”
رد الرجل المحترم على السيدة بسرعة كبيرة وركضت هي إلى الطابق الأعلى متبادلة مجاملات سريعة وذكية، وقد بلغت ذروة البناء الآن، تنشج بانفعال. لكن الكلمات كانت غير واضحة رغم أن المعنى واضح تماماً_ حب، ضحك، غزل، ملاحقة، النعيم السماوي، جميعها اندفعت خارجة راكبة الموجة المبتهجة للتحبب الرخيص_ إلى أن أصبح صوت الأبواق الفضية، تدريجياً وعلى المدى البعيد المسموع، أكثر وأكثر وضوحاً، وكأن القهرمانات كانوا يرحبون بالفجر أو يعلنون منذرين بالشؤم هروب العاشقين…
الحديقة الخضراء، بركة ضوء القمر، شجر الليمون، والعشاق والأسماك كلها ذابت في سماء الحجر الكريم، التي ارتفعت عبرها، وبينما كانت أصوات الأبواق تذوب بأصوات الترامبيت مدعومة بأصوات الكلاريون، أقواس بيضاء مغروسة بقوة فوق الدعامات الرخامية…المتسولون وأصوات الأبواق، الإوز والضجيج الصاخب، إنشاء المعامل، مؤسسات سريعة، مسيرة الأعداد الكبيرة، التشوش ، تلف الشكل الهيولي للأرض . لكن هذه المدينة التي سافرنا إليها ليس فيها أحجار ولا رخام، تتدلى بثبات، تقف دون اهتزاز، لم يحيينا ولم يرحب بنا أي وجه أو أي علم، ارحل إذاً لتدفن أملك، وأرمي في الصحراء سعادتي، تقدم عاري. الدعامات مكشوفة، غير مثيرة لشك أحد، غير لاغية لأي ظل، متألقة، قاسية. سقطت إلى الوراء، لا أطلب المزيد. راغبةً فقط بالرحيل، وجدت الطريق، رمزّت الأبنية، ألقيت التحية على المرأة التفاحة، قلت للفتاة التي فتحت الأبواب: ليلة مرصعة بالنجوم.
” تصبحين على خير، تصبحين على خير. هل تذهبين في هذا الاتجاه؟”
” وا حسرتاه، أنا أسلك ذاك!”

Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

سر المرأة المتوفاة قصة قصيرة لموباسان ترجمة خلف سرحان

storyid
A Dead Woman’s Secret

 

Guy de Maupassant

 

سر المتوفاة !

 

قصة قصيرة للأديب الفرنسي:- جي. دي. موبسان.

 

ترجمها عن الإنجليزية :- خلف سرحان القرشي.

 

 

 
 
 
كما ينبغي لامرأة عاشت طيلة حياتها طاهرة بريئة، قُبِضت روح العجوز قبضا يسيرا، وتوفيت بهدوء دونما ألم. هاهي الآن ترقد بسلام في سريرها ممددة على ظهرها، مغمضة عينيها، قسمات وجهها ساكنة، خصلات شعرها الأبيض الطويل مرتبة بعناية كأنها أتمت تسريحه قبيل دقائق من موتها.
ملامحها الشاحبة ساكنة تماما الآن، كلها إذعان وتسليم؛ الأمر الذي يجعل أي إنسان قادرا على أن يستشعر أي روح شفافة حلت في ذلك الجسد، وأي جسد مطمئن قادته تلك الروح، وكذلك أي خاتمة حسنة نالتها هذه الوالدة!

 

ابنها القاضي المعهود باستقامته الدائمة، يجثو الآن بجانب سريرها، وكذلك ابنتها (مارجريت) الملقبة بــ (الأخت أيولالي).

 

إنهما يبكيان بمرارة، كأن قلبيهما على وشك الانفطار حزنا وكمدا. منذ طفولتهما سلحتهما بمجموعة من المبادئ الأخلاقية والقيم الصارمة. ربّتهما على التمسك بالدين بلا هوادة وعلى الالتزام بالواجبات دون مساومة. فهاهو (الشاب) قد أصبح قاضيا يشار له بالبنان، وعرف عنه تمسكه بالقانون سلاحا به يضرب ذوي النفوس الرديئة بلا شفقة. أما (الفتاة) – بتأثير من قيم الفضيلة التي تشبعت بها في هذه العائلة الصارمة – فقد وهبت حياتها عروسا للكنيسة، واستعاضت بها عن الرجال، لدرجة أنها تمقت الارتباط بأي منهم.

 

إنهما بالكاد يعرفان والدهما، كل ما يعرفانه عنه أنه السبب الذي جعل من أمهما المرأة الأكثر شقاء، ولكن دون تفاصيل.

 

كانت الراهبة تُقبِّل على نحو مطرد يد المرأة العجوز، تلك اليد العاجية البيضاء، مثلها مثل صليب كبير ممدد على السرير الذي ترقد عليه الآن، وعلى الجانب الآخر من الجثة الممددة كانت اليد الأخرى تبدو ثابتة كأنها ممسكة بملاءة السرير بقبضتها المستمدة قوتها من الموت. إن تلك الملاءة يجب أن تحفظ من التجعد مثلها مثل ذكرى هذه اللحظات الأخيرة التي تسبق المثوى الأبدي.

 

بضع نقرات خفيفة على الباب، جعلت الاثنين يحركان رأسيهما لينظرا باتجاهه. إنه الكاهن الذي اضطر لترك طعام العشاء، جاء محمّر الوجه، متقطع الأنفاس من جراء مقاطعة لم يتهيأ لها ذهنيا، حيث كان قد أعد لنفسه كوبا من مخلوط القهوة القوية مع شيء من (البراندي)؛ من أجل أن يقاوم الإعياء الذي أصابه في الليالي الأخيرة، بالإضافة إلى المهمة الجديدة التي بدأت للتو.

 

بدا حزينا، ذلك الحزن المتكلف لكاهن يُعَدُّ الموتُ بالنسبة له مصدر رزق. أدى حركة الصليب واقترب بإيماءته المحترفة قائلا: ” حسنا، أبنيِّ المسكينين، لقد أتيت لتتجاوزا هذه اللحظات الحزينة. لكن الفتاة رفعت رأسها فجأة وقالت: ” شكرا أيها الوالد، لكني وأخي نؤثر أن نظل وحيدين معها. هذه أخر فرصة لنا لنراها، ونرغب أن نبقى معا ثلاثتنا كما اعتدنا ذلك عندما كنا صغارا مع أمنا المسكينة، أمنا الــ ………”. حالت دموعها بينها وبين إتمام كلامها. وبهدوء أكثر، ركع الكاهن وهو يفكر في فراشه: “كما تريدان ابنيّ العزيزين”. مرة ثانية، وبهدوء أكثر أدى الكاهن بضع صلوات، نهض، خرج بهدوء وهو يتمتم :”كانت قديسة!”.

 

ظل الثلاثة معا؛ المرأة المتوفاة وابنها وابنتها. تكات الساعة المختفية في الظل، يمكن سماعها بوضوح تام. من خلال النافذة المفتوحة تهب رائحة منعشة لطيفة للعشب والغابات. ويتسلل شيء من ضوء القمر الخفيف. لا صوت يمكن أن يسمع على البسيطة الآن سوى نقيق بعض الضفادع بين حين وآخر وأيضا سقسقة بعض الحشرات المتأخرة في الهجوع. صفاء تام يحيط بهذه المرأة العجوز، يبدو كأنها تزفره من أعماقها لتشبع به الطبيعة من حولها.

 

صاح القاضي الذي ما يزال جاثيا ورأسه مدفون في فراش السرير، بكى في صوت تبدل إثر ما غمره من أسى وحزن وحاول أن يخبئه في الملاءات والبطاطين: “ماما، ماما، ماما”. أما أخته فقد أخذت تضرب بجبهتها في السرير بشكل محموم كأنها في نوبة صرع، وظلت تئن وهي ترتجف “يا إلهي ….ماما! يا إلهي…ماما”

 

ما لبثت عاصفة الحزن تلك إلا أن هدأت تدريجيا. بدأ الأخ وأخته ينتحبان بصوت خافت، كما يحدث عندما يهدأ البحر بعد موج عاصف.

 

بعد مضي وقت طويل نسبيا رفعا رأسيهما ونظرا إلى ميتتهما، واسترجعا شيئا من الذكريات؛ ذكريات الأمس العزيز ، ذكريات الزمن القديم التي هبت الآن، وصعدت إلى ذهنيهما بكل تفاصيلها الصغيرة المنسية، تلك التفاصيل العميقة المألوفة، التي تعيد شيئا من الحياة إلى حياة الفقيد. تلك الذكريات البعيدة التي كانت بالأمس عزيزة غالية، وهاهي اليوم مؤلمة حارقة. استعادا مع كل ذكرى من تلك الذكريات؛ الظروف، الكلمات، الابتسامات وترنيمات الأم التي لن تكلم بعد اليوم إنسيا. ألقيا نظرة ثانية على جسدها المسجى، وجدَاها سعيدة هادئة. تذكرا كثيرا مما كانت تقوله لهما، تذكرا تلك الحركة المميزة ليدها الصغيرة التي كثيرا ما كانت تستعملها، عندما تريد التأكيد على شيء ما، كأنها تريد الإمساك بالوقت . إنهما يحبانها الآن أكثر من ذي قبل. لقد أدركا الآن عمق حزنهما وكم سيكونان وحيدين من دونها!

 

كانت بالنسبة لهما السند والمرشد، كانت كل شبابهما، وأجمل جزء في حياتهما وقد اختفى الآن والى الأبد. كانت أمهما الرابطة الموصلة بينهما وبين أسلافهما وفقدّاها للتو. أصبحا الآن كائنين معزولين ومقطوعين يصعب عليهما بعد الآن التفكير في ماضيهما.

 

قالت الراهبة لأخيها: ” أتتذكر كيف اعتادت ماما أن تقرأ رسائلها القديمة؟ كل رسائلها هناك في ذلك الدرج. دعنا الليلة نقرأها بدورنا، ونحن بجوارها، لنعيش شيئا من حياتها عبر الرسائل. سيكون الأمر أشبه بطريق نعبره، لنتعرف على أمها، وعلى أجدادنا الذين لم نعرفهم، وتوجد رسائلهم هنا، وعنهم طالما حدثتنا. ألا تتذكر؟”

 

وأخذا من الدرج بضع رزم صغيرة من الورق الأصفر، حُزِمت بعناية، ورتبت واحدة بجانب الأخرى. ألقيا بهذه الآثار على السرير، واختارا واحدة منها كتبت عليها كلمة (أب). فتحاها وشرعا يقرآن فيها. كانت من تلك الرسائل ذات النمط القديم التي قد يجدها الشخص في بعض أدراج الطاولات القديمة لبعض العائلات، تلك الرسائل التي تفوح منها رائحة قرن آخر، وتعبق بشذى الماضي العتيق. بدأت الأولى منها بعبارة “عزيزتي” والثانية بـ “ابنتي الصغيرة الجميلة”، وثمة أخرى بدأت بـ ” عزيزتي الابنة:”.

 

فجأة بدأت الراهبة تقرأ بصوت عال، تقرأ على المرأة العجوز الميتة كل تاريخها، كل ذكرياتها الحنون قراءة جهرية. كان القاضي واضعا مرفقه على السرير يستمع وعيناه مثبتتان، لا يكاد يرفعهما عن أمه، تلك الجثة التي بدت سعيدة رغم أنه لا حراك بها. فجأة توقفت الأخت (أيللولي) عن القراءة قائلة: “هذه الرسائل يجب أن تدفن معها في قبرها. يجب أن يوضع لها كفن خاص بها، يرافق جثتها في لحدها”.

 

تناولت رزمة أخرى لم تكن تحمل اسما. أخذت تقرأ بصوت ثابت:-

 

” عشيقتي الوحيدة: أحبك أقوى ما يكون الحب. منذ أمس أعاني من عذابات بعدِك اللعينة. ذكرياتنا تستحوذ علي. أشعر بشفتيك اللذيذتين تطبقان على شفتي وعينيك في عينَّي وصدرك ملاصق لصدري. آه، كم أحبك، لقد جعلتِنِي مجنونا. هاهما ذراعاي مفتوحتان، أتأوه مدفوعا بالرغبة لاحتوائك. روحي وجسدي يناديان بأعلى صوت. إنهما يريدانك. ما زلت أحتفظ بطعم قبلاتك الحالي في فمي…..”.

 

اعتدل القاضي في جلسته، توقفت الراهبة عن القراءة، اختطف منها الرسالة. نظر في المكان الذي تُوَقَعُ فيه الرسالة عادة، لم يكن ثمة أي توقيع، فقط تحت تلك الكلمات عبارة “المغرم بك…. هنري”! والدهما كان اسمه (رينييه). الرسالة بالتأكيد ليست منه. فتَّش الابن بسرعة في رزمة الرسائل تلك، وتناول واحدة وقرأ فيها: “لم يعد بوسعي العيش دون مداعباتك لي”!

 

فجأة انتصب القاضي، مثلما يفعل تماما عندما يكون في مكتبه بالمحكمة، ألقى نظرة جامدة على المرأة الميتة، بينما كانت أخته الراهبة كانت منتصبة مثل التمثال، الدموع ترتجف في عينيها، ترقب أخاها تنتظر ما سوف يفعله. عَبَرَ القاضي الغرفة ببطء واتجه نحو النافذة، ومنها ظل يحدق في الخارج في ذلك الليل البهيم، وعندما أرجع البصر نحو أخته وجد عينيها قد جفت الآن، ما زالت واقفة بالقرب من السرير، مطرقة رأسها. تقدم قليلا وبسرعة التقط الرسائل، وألقى بها كيفما اتفق في الدرج، وأغلق الستائر المحيطة بالسرير. أشرق نور الصباح… شحُبَ ضوء الشموع التي على الطاولة… ترك الابن مقعده، دون أن ينظر ثانية إلى أمه … أصدر من أعماقه حكما يقضي بقطع أي صلة تربطهما بها… قال ببطء: ” لنخرج الآن يا أختي!”

 

——————————————————————–

 

نبذة موجزة عن كاتب القصة:

 

جي دو موباسان

 

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة))

 

جي دو موباسان (Guy de Maupassant) (1850- 1893)

 

كاتب وروائي فرنسي وأحد آباء القصة القصيرة الحديثة. وكان عضوا في ندوة (إميل زولا).

 

ولد موباسان بقصر (ميرونمسنل بنورمانديا) عام 1850 م وكان له أب من سلالة أرستقراطية تدهورت إلى حد الإفلاس وكان أبوه اباحيا يخالط سامي النساء ودانيهن. أما أمه من سلالة من العامة سمت إلى الخلق الفني وكانت ترثى دوما ذكرى أخيها الشاعر وتطمح في أن ينشأ ابنها كرجل سوي.

 

درس موباسان القانون، والتحق بالجيش الفرنسي ثم عمل كاتبا في البحرية. وقابل (جوستاف فلوبير) عن طريق صلات أسرته ليصبح فيما بعد تلميذه المخلص، وقد قدم (فلوبير) لتلميذه نظرية للنجاح الأدبي تتكون من ثلاثة أجزاء : لاحظ، لاحظ، ثم لاحظ.

 

من أشهر قصصه : “كرة الشحم”، “بيير وجان” ومن أهم قصصه القصيرة: ” العقد”، “الآنسة فيفي”.

 

و قد كان يقول : ” إن هناك من الحقائق ما يساوي الناس عداً.فكل منا يكون لنفسه صورة خادعة عن العالم. وهو خداع شعري أو عاطفي أو بهيج أو مقبض أو قذر أو كئيب حسبما تكون طبيعته.. كخداع الجمال وهو تقليد إنساني.. وخداع الدمامة وهو فكرة متغيرة.. وخداع النذالة الذي يستهوي الكثيرين. وكبار الفنانين هم أولئك الذين يستطيعون حمل الإنسانية على قبول انخداعاتهم الخاصة”

 

كان (موباسان) الرسام الأكبر للعبوس البشري ودوما ما كان يصاب بصداع وكان يتلوى ساعات من الألم حتى أصيب بالجنون سنة 1891 ومات في إحدى المصحات عام 1893م .

 

(العقد) واحدة من أشهر قصصه، إن لم تكن من أشهر القصص عالميا، وقد اجتمعت آراء كثير من النقاد في العالم علي أن هذه القصة هي الأنموذج الكامل للقصة القصيرة ذات النهاية المفاجئة، التي تتوافر فيها العناصر الأساسية للقصة القصيرة : الشخوص، والمكان والزمان، والمسوغات المنطقية للأحداث، والنهاية، كما تتوافر فيها عناصر أخرى مثل : التشويق، والمصادفة المعقولة، والتصوير الدرامي، والتدرج لبلوغ النهاية.