Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

سر المرأة المتوفاة قصة قصيرة لموباسان ترجمة خلف سرحان

storyid
A Dead Woman’s Secret

 

Guy de Maupassant

 

سر المتوفاة !

 

قصة قصيرة للأديب الفرنسي:- جي. دي. موبسان.

 

ترجمها عن الإنجليزية :- خلف سرحان القرشي.

 

 

 
 
 
كما ينبغي لامرأة عاشت طيلة حياتها طاهرة بريئة، قُبِضت روح العجوز قبضا يسيرا، وتوفيت بهدوء دونما ألم. هاهي الآن ترقد بسلام في سريرها ممددة على ظهرها، مغمضة عينيها، قسمات وجهها ساكنة، خصلات شعرها الأبيض الطويل مرتبة بعناية كأنها أتمت تسريحه قبيل دقائق من موتها.
ملامحها الشاحبة ساكنة تماما الآن، كلها إذعان وتسليم؛ الأمر الذي يجعل أي إنسان قادرا على أن يستشعر أي روح شفافة حلت في ذلك الجسد، وأي جسد مطمئن قادته تلك الروح، وكذلك أي خاتمة حسنة نالتها هذه الوالدة!

 

ابنها القاضي المعهود باستقامته الدائمة، يجثو الآن بجانب سريرها، وكذلك ابنتها (مارجريت) الملقبة بــ (الأخت أيولالي).

 

إنهما يبكيان بمرارة، كأن قلبيهما على وشك الانفطار حزنا وكمدا. منذ طفولتهما سلحتهما بمجموعة من المبادئ الأخلاقية والقيم الصارمة. ربّتهما على التمسك بالدين بلا هوادة وعلى الالتزام بالواجبات دون مساومة. فهاهو (الشاب) قد أصبح قاضيا يشار له بالبنان، وعرف عنه تمسكه بالقانون سلاحا به يضرب ذوي النفوس الرديئة بلا شفقة. أما (الفتاة) – بتأثير من قيم الفضيلة التي تشبعت بها في هذه العائلة الصارمة – فقد وهبت حياتها عروسا للكنيسة، واستعاضت بها عن الرجال، لدرجة أنها تمقت الارتباط بأي منهم.

 

إنهما بالكاد يعرفان والدهما، كل ما يعرفانه عنه أنه السبب الذي جعل من أمهما المرأة الأكثر شقاء، ولكن دون تفاصيل.

 

كانت الراهبة تُقبِّل على نحو مطرد يد المرأة العجوز، تلك اليد العاجية البيضاء، مثلها مثل صليب كبير ممدد على السرير الذي ترقد عليه الآن، وعلى الجانب الآخر من الجثة الممددة كانت اليد الأخرى تبدو ثابتة كأنها ممسكة بملاءة السرير بقبضتها المستمدة قوتها من الموت. إن تلك الملاءة يجب أن تحفظ من التجعد مثلها مثل ذكرى هذه اللحظات الأخيرة التي تسبق المثوى الأبدي.

 

بضع نقرات خفيفة على الباب، جعلت الاثنين يحركان رأسيهما لينظرا باتجاهه. إنه الكاهن الذي اضطر لترك طعام العشاء، جاء محمّر الوجه، متقطع الأنفاس من جراء مقاطعة لم يتهيأ لها ذهنيا، حيث كان قد أعد لنفسه كوبا من مخلوط القهوة القوية مع شيء من (البراندي)؛ من أجل أن يقاوم الإعياء الذي أصابه في الليالي الأخيرة، بالإضافة إلى المهمة الجديدة التي بدأت للتو.

 

بدا حزينا، ذلك الحزن المتكلف لكاهن يُعَدُّ الموتُ بالنسبة له مصدر رزق. أدى حركة الصليب واقترب بإيماءته المحترفة قائلا: ” حسنا، أبنيِّ المسكينين، لقد أتيت لتتجاوزا هذه اللحظات الحزينة. لكن الفتاة رفعت رأسها فجأة وقالت: ” شكرا أيها الوالد، لكني وأخي نؤثر أن نظل وحيدين معها. هذه أخر فرصة لنا لنراها، ونرغب أن نبقى معا ثلاثتنا كما اعتدنا ذلك عندما كنا صغارا مع أمنا المسكينة، أمنا الــ ………”. حالت دموعها بينها وبين إتمام كلامها. وبهدوء أكثر، ركع الكاهن وهو يفكر في فراشه: “كما تريدان ابنيّ العزيزين”. مرة ثانية، وبهدوء أكثر أدى الكاهن بضع صلوات، نهض، خرج بهدوء وهو يتمتم :”كانت قديسة!”.

 

ظل الثلاثة معا؛ المرأة المتوفاة وابنها وابنتها. تكات الساعة المختفية في الظل، يمكن سماعها بوضوح تام. من خلال النافذة المفتوحة تهب رائحة منعشة لطيفة للعشب والغابات. ويتسلل شيء من ضوء القمر الخفيف. لا صوت يمكن أن يسمع على البسيطة الآن سوى نقيق بعض الضفادع بين حين وآخر وأيضا سقسقة بعض الحشرات المتأخرة في الهجوع. صفاء تام يحيط بهذه المرأة العجوز، يبدو كأنها تزفره من أعماقها لتشبع به الطبيعة من حولها.

 

صاح القاضي الذي ما يزال جاثيا ورأسه مدفون في فراش السرير، بكى في صوت تبدل إثر ما غمره من أسى وحزن وحاول أن يخبئه في الملاءات والبطاطين: “ماما، ماما، ماما”. أما أخته فقد أخذت تضرب بجبهتها في السرير بشكل محموم كأنها في نوبة صرع، وظلت تئن وهي ترتجف “يا إلهي ….ماما! يا إلهي…ماما”

 

ما لبثت عاصفة الحزن تلك إلا أن هدأت تدريجيا. بدأ الأخ وأخته ينتحبان بصوت خافت، كما يحدث عندما يهدأ البحر بعد موج عاصف.

 

بعد مضي وقت طويل نسبيا رفعا رأسيهما ونظرا إلى ميتتهما، واسترجعا شيئا من الذكريات؛ ذكريات الأمس العزيز ، ذكريات الزمن القديم التي هبت الآن، وصعدت إلى ذهنيهما بكل تفاصيلها الصغيرة المنسية، تلك التفاصيل العميقة المألوفة، التي تعيد شيئا من الحياة إلى حياة الفقيد. تلك الذكريات البعيدة التي كانت بالأمس عزيزة غالية، وهاهي اليوم مؤلمة حارقة. استعادا مع كل ذكرى من تلك الذكريات؛ الظروف، الكلمات، الابتسامات وترنيمات الأم التي لن تكلم بعد اليوم إنسيا. ألقيا نظرة ثانية على جسدها المسجى، وجدَاها سعيدة هادئة. تذكرا كثيرا مما كانت تقوله لهما، تذكرا تلك الحركة المميزة ليدها الصغيرة التي كثيرا ما كانت تستعملها، عندما تريد التأكيد على شيء ما، كأنها تريد الإمساك بالوقت . إنهما يحبانها الآن أكثر من ذي قبل. لقد أدركا الآن عمق حزنهما وكم سيكونان وحيدين من دونها!

 

كانت بالنسبة لهما السند والمرشد، كانت كل شبابهما، وأجمل جزء في حياتهما وقد اختفى الآن والى الأبد. كانت أمهما الرابطة الموصلة بينهما وبين أسلافهما وفقدّاها للتو. أصبحا الآن كائنين معزولين ومقطوعين يصعب عليهما بعد الآن التفكير في ماضيهما.

 

قالت الراهبة لأخيها: ” أتتذكر كيف اعتادت ماما أن تقرأ رسائلها القديمة؟ كل رسائلها هناك في ذلك الدرج. دعنا الليلة نقرأها بدورنا، ونحن بجوارها، لنعيش شيئا من حياتها عبر الرسائل. سيكون الأمر أشبه بطريق نعبره، لنتعرف على أمها، وعلى أجدادنا الذين لم نعرفهم، وتوجد رسائلهم هنا، وعنهم طالما حدثتنا. ألا تتذكر؟”

 

وأخذا من الدرج بضع رزم صغيرة من الورق الأصفر، حُزِمت بعناية، ورتبت واحدة بجانب الأخرى. ألقيا بهذه الآثار على السرير، واختارا واحدة منها كتبت عليها كلمة (أب). فتحاها وشرعا يقرآن فيها. كانت من تلك الرسائل ذات النمط القديم التي قد يجدها الشخص في بعض أدراج الطاولات القديمة لبعض العائلات، تلك الرسائل التي تفوح منها رائحة قرن آخر، وتعبق بشذى الماضي العتيق. بدأت الأولى منها بعبارة “عزيزتي” والثانية بـ “ابنتي الصغيرة الجميلة”، وثمة أخرى بدأت بـ ” عزيزتي الابنة:”.

 

فجأة بدأت الراهبة تقرأ بصوت عال، تقرأ على المرأة العجوز الميتة كل تاريخها، كل ذكرياتها الحنون قراءة جهرية. كان القاضي واضعا مرفقه على السرير يستمع وعيناه مثبتتان، لا يكاد يرفعهما عن أمه، تلك الجثة التي بدت سعيدة رغم أنه لا حراك بها. فجأة توقفت الأخت (أيللولي) عن القراءة قائلة: “هذه الرسائل يجب أن تدفن معها في قبرها. يجب أن يوضع لها كفن خاص بها، يرافق جثتها في لحدها”.

 

تناولت رزمة أخرى لم تكن تحمل اسما. أخذت تقرأ بصوت ثابت:-

 

” عشيقتي الوحيدة: أحبك أقوى ما يكون الحب. منذ أمس أعاني من عذابات بعدِك اللعينة. ذكرياتنا تستحوذ علي. أشعر بشفتيك اللذيذتين تطبقان على شفتي وعينيك في عينَّي وصدرك ملاصق لصدري. آه، كم أحبك، لقد جعلتِنِي مجنونا. هاهما ذراعاي مفتوحتان، أتأوه مدفوعا بالرغبة لاحتوائك. روحي وجسدي يناديان بأعلى صوت. إنهما يريدانك. ما زلت أحتفظ بطعم قبلاتك الحالي في فمي…..”.

 

اعتدل القاضي في جلسته، توقفت الراهبة عن القراءة، اختطف منها الرسالة. نظر في المكان الذي تُوَقَعُ فيه الرسالة عادة، لم يكن ثمة أي توقيع، فقط تحت تلك الكلمات عبارة “المغرم بك…. هنري”! والدهما كان اسمه (رينييه). الرسالة بالتأكيد ليست منه. فتَّش الابن بسرعة في رزمة الرسائل تلك، وتناول واحدة وقرأ فيها: “لم يعد بوسعي العيش دون مداعباتك لي”!

 

فجأة انتصب القاضي، مثلما يفعل تماما عندما يكون في مكتبه بالمحكمة، ألقى نظرة جامدة على المرأة الميتة، بينما كانت أخته الراهبة كانت منتصبة مثل التمثال، الدموع ترتجف في عينيها، ترقب أخاها تنتظر ما سوف يفعله. عَبَرَ القاضي الغرفة ببطء واتجه نحو النافذة، ومنها ظل يحدق في الخارج في ذلك الليل البهيم، وعندما أرجع البصر نحو أخته وجد عينيها قد جفت الآن، ما زالت واقفة بالقرب من السرير، مطرقة رأسها. تقدم قليلا وبسرعة التقط الرسائل، وألقى بها كيفما اتفق في الدرج، وأغلق الستائر المحيطة بالسرير. أشرق نور الصباح… شحُبَ ضوء الشموع التي على الطاولة… ترك الابن مقعده، دون أن ينظر ثانية إلى أمه … أصدر من أعماقه حكما يقضي بقطع أي صلة تربطهما بها… قال ببطء: ” لنخرج الآن يا أختي!”

 

——————————————————————–

 

نبذة موجزة عن كاتب القصة:

 

جي دو موباسان

 

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة))

 

جي دو موباسان (Guy de Maupassant) (1850- 1893)

 

كاتب وروائي فرنسي وأحد آباء القصة القصيرة الحديثة. وكان عضوا في ندوة (إميل زولا).

 

ولد موباسان بقصر (ميرونمسنل بنورمانديا) عام 1850 م وكان له أب من سلالة أرستقراطية تدهورت إلى حد الإفلاس وكان أبوه اباحيا يخالط سامي النساء ودانيهن. أما أمه من سلالة من العامة سمت إلى الخلق الفني وكانت ترثى دوما ذكرى أخيها الشاعر وتطمح في أن ينشأ ابنها كرجل سوي.

 

درس موباسان القانون، والتحق بالجيش الفرنسي ثم عمل كاتبا في البحرية. وقابل (جوستاف فلوبير) عن طريق صلات أسرته ليصبح فيما بعد تلميذه المخلص، وقد قدم (فلوبير) لتلميذه نظرية للنجاح الأدبي تتكون من ثلاثة أجزاء : لاحظ، لاحظ، ثم لاحظ.

 

من أشهر قصصه : “كرة الشحم”، “بيير وجان” ومن أهم قصصه القصيرة: ” العقد”، “الآنسة فيفي”.

 

و قد كان يقول : ” إن هناك من الحقائق ما يساوي الناس عداً.فكل منا يكون لنفسه صورة خادعة عن العالم. وهو خداع شعري أو عاطفي أو بهيج أو مقبض أو قذر أو كئيب حسبما تكون طبيعته.. كخداع الجمال وهو تقليد إنساني.. وخداع الدمامة وهو فكرة متغيرة.. وخداع النذالة الذي يستهوي الكثيرين. وكبار الفنانين هم أولئك الذين يستطيعون حمل الإنسانية على قبول انخداعاتهم الخاصة”

 

كان (موباسان) الرسام الأكبر للعبوس البشري ودوما ما كان يصاب بصداع وكان يتلوى ساعات من الألم حتى أصيب بالجنون سنة 1891 ومات في إحدى المصحات عام 1893م .

 

(العقد) واحدة من أشهر قصصه، إن لم تكن من أشهر القصص عالميا، وقد اجتمعت آراء كثير من النقاد في العالم علي أن هذه القصة هي الأنموذج الكامل للقصة القصيرة ذات النهاية المفاجئة، التي تتوافر فيها العناصر الأساسية للقصة القصيرة : الشخوص، والمكان والزمان، والمسوغات المنطقية للأحداث، والنهاية، كما تتوافر فيها عناصر أخرى مثل : التشويق، والمصادفة المعقولة، والتصوير الدرامي، والتدرج لبلوغ النهاية.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s