Posted in قصة_قصيرة

مصرع موظف حكومي

trd

مصرع موظف حكومي

ترجمة : إقبال عبيد

فى أمسية جميلة، لا تقل جمالاً عن الموظف الحكومي المسمى ايفان ديمتريتش كريبكوف  الجالس في الصف الثاني من المقاعد الأمامية؛ محدقاً بمنظاره لأوبريت أجراس كورنفيلي. راقب من أعماقه وأحس بنَشوة لا تضاهى.

Pierre Bonnard 1895 - Au Concert:

و لكن فجأة … (في القصص الفردية قلما تواجه هذا )… ” لكن فجأة”! إذن فالأدباء على حق: الحياة مليئة كثيرًا بالمفاجآت! ولكن فجأة تجعد وجهه، اختفت عيناه ، و قبض على نفسه  رافعا المنظار من على عينه  وانحنى  إلى أمام  “هاااتشووو”… أجل، لقد عطس كما تظنون؛ فليس من المعيب لأي كان أن يعطس في أي مكان. الفلاحون يعطسون وهكذا أيضًا الشرطة، المدراء، والمستشارين حتى عضو المجلس، كل إنسان يعطس. كريبيكوف لم يكن مرتبكاً كثيراً، مسح وجهه بمنديله كرجل لبق ثم نظر حوله لمعرفة إذا كان قد أزعج أحدهم بعطسه. عندها فقد سيطرته على ارتباكه، لأنه رأى أن الرجل العجوز النبيل الجالس أمامه في الصف الأول كان يمسح بعناية  رأسه الأصلع ورقبته بقفازه، مغمغما بشيء ما. على إثرها، تعرف كريبيكوف على برزيهالوف ، وهو الجنرال المدني الذي يعمل في إدارة النقل المدني.

“لقد لوثته برذاذ عطستي” هجس كريبيكوف في نفسه. إنه ليس مدير قسمي!…. على الرغم من ذلك، من غير اللائق  أن لا أعتذر! تنحنح كريبكوف وانحنى بجسده إلى أمام هامساً  في أذن الجنرال : “المعذرة ، معاليك، لم أقصد تلويثك بالعطسة.
“لا عليك، لا عليك”
بالله عليك، أعذرني.. أنا… أنا لم أقصد ذلك.
“أوه ، أرجوك ، أجلس، دعني أسمع!”

شعر كريبيكوف بالحرج، إبتسم ببلاهة و هو يجلس بمقعده مرة أخرى لمشاهدة المسرح… إلا أنه لم يعد يلتذ  بذات النشوة. إستاء حاله، وفي الاستراحة توجه مباشرة إلى برزيهالوف و سار بجانبه، تغلب على خجله ثم تمتم:
“لقد لوثتك معاليك… سامحني… أنظُر … أنا لم ..”
“أووه، هذا يكفي…لقد نسيت وأنت تأتي لتعيد ذات الأمر.” قالها الجنرال، ثم شد شفته السفلى مستاءا بعد نفاذ صبره.


نسي تماماً، لكن هناك نظرة خبث في عينه! هكذا فكر كريبيكوف وهو يرمق الجنرال بشك مريب. إذن لا يريد محادثتي الآن، لكن ينبغي علي توضيح أنني لم أنوي  …. وأن العطس قانون من قوانين الطبيعة … وإلا سيظن بأنني بصقت عليه… هو لا يفكّر بذلك الآن، لكن لاحقًا سيفعل.
حين وصوله للبيت، أخبر كريبيكوف زوجته نقضه لدماثة الخلق. صعقته الدهشة إذ لم تبال زوجته بجلل الحدث، بيد أنها كانت مفزوعة. لكن عندما علمت أن برزيهالوف في إدارة مختلفة، هدأت. “مع هذا، كان من الأفضل لو ذهبت واعتذرت، و إلا سيظن بأنك لا تحسن التصرف علانية”
“هذا هو. لقد إعتذرت بالفعل، لكن تقبلها بطريقة ما غريبة… لم يقل كلمة معقولة و لم يكفي الوقت للحديث كما ينبغي.”

 

فى اليوم التالي  ارتدى كريبيكوف زيه الجديدة، سرّح شعره  ومضى إلى برزيهالوف ليشرح له .. لمّا دخل غرفة إستعلامات الجنرال رأى عددا من مقدمي العرائض بينهم كان الجنرال نفسه، قد بدأ لتوه سماع عرائضهم. وبعد استطلاع بعض مقدمي العرائض رفع الجنرال عيناه اتجاه كريبيكوف.


” أمس في مسرح الاركيديا، معاليك، لو تذكر عطست  و .. و دون أن أقصد، تطاير … إعذر- “كفى هراء، ما الذي يمكنني أن أفعله لأجلك الآن؟” قالها الجنرال وهو يدير وجهه إلى مقدم عريضة آخر.
إنه يرفض حتى الحديث! تساءل كريبيكوف وبدأ وجهه بالشحوب.
لا شك أنه غاضب، إذن … لا، لا يمكن أن أرحل هكذا … يجب أن أوضح له
عندما انتهى الجنرال من مقابلة آخر معترض، إتجه إلى مكتبه الداخلي. سار كريبيكوف وراءه وتمتم

“معاليك! إن تجرأت و أزعجت سيادتكم، هذا فقط كما يقولون بدافع الشعور بالندم ،.. أنا لم أقصد .. فلو تكرمت و صدقتني.. ”
عبس الجنرال، لوح بيده ممتعضا: “لماذا تسخر مني أيها السيد!” قالها ثم أغلق الباب.

أين السخرية في الموضوع؟ تساءل كريبيكوف. هو  نفسه الجنرال،لا يفهم . إذا كان هذا ما يريد فلن أعتذر لهذا المتبجح، يأخذه الشيطان! سأكتب له رسالة، لكنني لن أذهب، حباً بالرب، لن أذهب!”
كان هذا ما يدور فى ذهن كريبيكوف وهو في طريقه عودتة إلى البيت. لم يكتب للجنرال، فكر ملياً وفكر، إلا أنه لم يتمكن من كتابة شيء.

في الصباح التالي، كان عليه أن يذهب ليشرح له شخصيًا مرّة أخرى.
“تجرأت وعكرت صفو معاليك بالأمس” تمتم؛ عندها رفع الجنرال نظره إليه. أكمل: ” .. ليس لأحاول أن أكون ساخراً، كما تفضلت. كنت لأعتذر عن العطاس و تلويثك، معاليك لا أحلم أبداُ أن أسخر منك. هل أجرؤ على السخرية منك؟ لو أخُذت على أننا نسخر سوف لن يبقى إحترام للآخرين، سوف لن ..
“أغرب!!”
صرخ الجنرال ، وفجأة إحتقن وجهه القرمزي و أخذ بالإرتعاش.
“ماذا ؟”
قالها كريبيكوف هامسا، وهو مأخوذ بالفزع
“أغرب!”
كرر الجنرال قوله مزمجرا وخبط الأرض بقدمه.


شعر كريبيكوف بشيء ينهم أحشاءه. لا يرى شيئا، لا يسمع شيئا،  ترنح نحو الباب، خرج للشارع وغادر هائما. دخل بيته بصورة إعتيادية، ودون أن يخلع بدلته استلقى على الأريكة و .. مات.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s