Posted in غير مصنف

غونتر غراس و هوس الألقاب 

ترجمة : يوسف أبو لوز

تأخذني الكتابة عن الإبداع إلى الكتابة عن الكتابة، فهي أس الإبداع، والإبداع الأدبي هو العنوان الأبرز للكتابة.
الإبداع مفهوم واسع، فهناك إبداع في العلوم، وإبداع في الإدارة، وإبداع في القيادة، وإبداع في الاقتصاد، وإبداع في الزراعة، وإبداع في التصنيع، غير أن الكتابة هي المفردة الجاذبة لروح كلمة «إبداع»، وهكذا، عندما يقال «فلان مبدع» يذهب بك المعنى إلى أن هذا «الفلان» هو شاعر بارع على نحو خاص، أو أنه روائي متميز، أو كاتب قصة محترف، وبتكثيف آخر، هو كاتب، وهاجسه الكتابة.

لقد استهلكت كلمة «مبدع» كما استهلكت كلمة «أديب»، واليوم من السهل إطلاق كلمة أديب على شاعر يقرأ للمرة الأولى في أمسية شعرية، أو من السهل إطلاق كلمة أديب على شاعر أو روائي أو قاص يصدر أول كتبه، وقد أسهمت بعض الصحافات الثقافية في هذا الاستسهال في الوطن العربي، والأمر نفسه ينطبق على كلمة «مبدع»، فالشاعر، مبدع، منذ الإصدار الأول له، والروائي «مبدع» منذ روايته الأولى، وهكذا، على هذا النحو الاستسهالي المجاني من دون الأخذ في الاعتبار التجربة الإبداعية هذه وعمرها، ومرجعياتها، وحجم التعب عليها، ومدى جديتها، ثم حجم قراءة هذه التجربة نقدياً، وبأدوات نقدية منهجية علمية.

لذلك، وهروباً من التباسات كلمتي: أديب، ومبدع، ينأى البعض عن هاتين الكلمتين باتجاه الكتابة، أو الأصح، الكتابة عن الكتابة.

ليست كل كتابة أدباً، وليست كل كتابة إبداعاً، والأرجح أن الكتابة هي الطفولة، والكتابة هي الإقامة في الكتابة.

الكتابة خيار، ومصير، وسلوك، والكتابة هي الشعور بالامتلاء، بل الشعور بالقوة والثقة، بل الشعور بالشجاعة، والطمأنينة. وحتى الغرور. الكتابة، طريق إلى الاستقلالية، والكتابة، مدى مفتوح للحرية.

كان الروائي والشاعر الألماني «غونتر غراس» مستقلاً وحراً، قبل أن توصله الكتابة إلى نوبل، وبعدها أوصلته الكتابة إلى نوبل. الكتابة هي حريته واستقلاليته، وأسلوبه في العيش وفي الحياة. غابرييل غارسيا ماركيز كاتب حر ومستقل، ودربه إلى نوبل هو الآخر كان درب الكتابة.

خذ النماذج الأدبية الكبرى في العالم: ميلان كونديرا، نجيب محفوظ، أراغون، البياتي، أدغار آلن بو، محمود درويش، رامبو، أنسي الحاج، سان جون بيرس، أدونيس، ناظم حكمت، أمل دنقل.. والقائمة طويلة.. هي قائمة الاستقلالية والحرية، أو هي قائمة الكتابة.

بقيت هذه النماذج في ذاتها الخلاّقة، والكثير من كتّاب العالم الكبار اختاروا العزلة، وابتعدوا، بكبرياء نبيلة عن بهرجة وغش الإعلام، وأيضاً، الكثير من الكتّاب الكبار عاشوا في ما يشبه «قلاع أنفسهم»، والأجمل في هؤلاء أنهم كانوا يجفلون، بل يتطيرون من نقاد الأدب هؤلاء المولعين بإطلاق الأوصاف الكبيرة، مثل الشاعر الكبير، والروائية الكبيرة، والأديب العظيم، والمبدعة العظيمة، وإلى آخر هذه الخلطات الجاهزة. الكتابة، بهذا المعنى، أي معنى النأي والعزلة والاستقلالية والحرية، هي نوع من الخلاص والتطهر والتحضر. الكتابة بهذا المعنى تمدّن بشري نظيف، وشكل من أشكال الرقي، بل، الكتابة سفر في الأمكنة وفي البشر وفي الحضارات بعيداً من التقوقع في ذات نرجسية متضخمة جوفاء.

أخيراً، وليس أخيراً بالطبع.. الكتابة التي تحقق هذه الطهرانية والرقة والعفاف هي الفكر، واستعمال القلب والعقل معاً في معادلة إنسانية حضارية تحيل إلى الإشباع والجرأة والنبل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s