Posted in مقال،شعر

آلان باديو.. أن تبتكر الحب والحياة

ترجمة : وئام مختار

“في عالم تشيع فيه النزعة الاستهلاكية، حيث يعدنا التواعد عن طريق الإنترنت برومانسية خالية من المخاطر، ويُرى الحُب كشكل مختلف من الرغبة والمُتعة. يؤمن آلان باديو أن الحُب مهدّد“

بهذه الجُملة الجذّابة، تبدأ كلمة ظهر غلاف كتاب “في مدح الحب” لآلان باديو المُترجم إلى العربيّة أخيرًا، والصادر عن “دار التنوير”، ترجمة غادة الحلواني.

 قرأت ظهر الغلاف، وقررت أن أعرف أكثر عن الحُب من خلال هذا الفيلسوف الفرنسي الشهير، وسألت نفسي: هل لا يزال هناك من يتحدّث عن هذه المشاعِر لذاتها؟

الان باديو

وُلد الفيلسوف الفرنسي آلان باديو في الرباط بالمغرب، سنة 1937. من أهم مؤلفاته “معنى ساركوزي”، و”الوجود والحدث”، و”الأخلاق: مقالة حول مفهوم الشر”، يعتبره الكثيرون أحد آخر عظماء جيل ثورة 1968 بباريس، وبالرغم من الحضور القويّ له في الساحة الفلسفيّة الفرنسيّة منذ الستينيّات، إلا أن اسمه تأخر في الظهور عالميًا حتى نهاية التسعينيّات، حين صدرت الترجمة الإنجليزيّة لكتابه «بيان من أجل الفلسفة» (1989)، ثم تلاحقت الترجمات بسرعة كبيرة، بعدما أدرك الجميع أنّهم أمام عقلٍ فكريّ فريد يتوازى لديه عمق الفلسفة ونظريّاتها المتشابكة، مع سلاسة الأفكار والأطروحات.

يبدأ هذا الكتاب الصغير –حوالي 125 صفحة– بمقدمة من أربعين صفحة عن فلسفة باديو، وهي مدخل مُبسّط لفهم فلسفة الرجل، كتبها فابيان تاربي، يتجوّل فيها في منهج باديو الفلسفي سريعًا، نظريته عن الوجود ونظرته إلى الأخلاق، مرورًا بتطوّر فكره عن السعادة والحقيقة وغيرها من المعاني الفلسفيّة.

يُمكنك المرور على المقدّمة مرور الكرام إذا لم تكُن مهتمًا بالفلسفة، فالحوار بين باديو ونيكولا ترونج –متن الكتاب– بلغة بسيطة ومفهومة،  ترجمة مُتميّزة من غادة الحلواني، نجحت في إيصال المعنى دون تعقِيدات، ودون الحاجَة إلى كثير من الهوامِش.

 بدأه باديو بعبارةٍ لرامبو تقول

“إن الحُب، كما نعلم، يجب أن يُبتكر من جديد“، ثم يمضي ليطرح أفكاره عن الحُب في زمن الاستهلاك، عبر ستّة فصول يكون فيها الحُب تحت التهديد، ثم علاقة الفلاسفة به، ثم بناء الحُب، وحقيقته، وتشابُكه مع السياسة والفن.

يرى باديو في المُقدّمة، أن الفيلسوف يجب أن يكون “عالمًا بارعًا وشاعرًا هاويًا وناشطًا سياسيًا، بل وعليه أن يقبل حقيقة أن حقل الفكر ليس محصنًا أبدًا أمام انقضاضات الحُب”.

ثُم يندفع إلى التأكيد، أن الحُب اليوم مُهدد بفكرة نزع المعاناة، التي تروّج لها المواقع الإلكترونية في زمن ما بعد الحداثة، ويورد مثالًا لموقع meetic ميتيك، الذي يستخدم شعارات تنزع عنه عامل الصدفة، حيث يكون كاملًا لكن دون نشوة، ولا يُمكننا الغرق في حبائله.

لا يُمكن نزع المخاطرة عن الحُب في نظر باديو، الذي يشّبه المحاولات العصريّة ل”تأمين” عمليّة اختيار الشريك، بالزيجات المرتبّة ترتيبًا مُسبقًا تحت مظلّة العائلة وبموافقة أفرادها، حيث يحمل هذا الزواج احتمال “صفر مخاطرة” مثله مثل دعاية الجيش الأمريكيّ بشأن “القنابل الذكيّة”، حيث المخاطر ستلحق بالآخر لأنّه لا ينتمي إلى الحداثة، ومثل الحروب المحصنة ضد الموت، بعبارة “صفر قتلى”.

يشتبك باديو بعدها مع الفلاسفة الذين تحدّثوا عن الحُب، كيركجارد، وسيمون دو بوفوار، جاك لاكان وأفلاطون، مُعترفاً أن علاقة الفلاسفة به مسألة مُعقّدة، ويعود في هذا إلى كتاب “الفلاسفة والحُب من سقراط إلى سيمون دو بوفوار” تأليف أودي لانسلين وماري ليمونييه. وينتهي إلى أنه يراه كمشروع وجودي: بناء العالم من وجهة نظر تبتعد عن مركزية الدافع البسيط للبقاء على قيد الحياة والمصلحة المباشرة.

ثم يذهب إلى مفهومه الخاص عن الحُب: هو”إعادة ابتكار للحياة”، يقول” إن الُحب ليس ببساطة عن لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية: إنه بناء؛ حياة تُصنع، لم تعد من منظور واحد منذ تلك اللحظة، بل من منظور اثنين. وهذا ما سمّيته “مشهد من اثنين”. لم يهتم باديو بالبدايات قدر اهتمامه بقضيّتي الاستمرارية والصيرورة.

يتطرّق باديو أيضًا إلى الرغبة الجنسيّة، والنظريات القائلة بأنها أساس الحُب، أو أنّه مجرّد غطاء لهذه الرغبة، وكيف أن الحُب يُقوَّض باستخدام دعاية تستخدم بث شعور الأمان لتَصل إلى الأذهان: ” اسمع، لو لديك رغبة جنسية، اشبعها. إنك لا تحتاج أن تقع أسير فكرة أنك يجب أن تحب شخصًا ما، انس كُل هذا واشبع رغبتك فقط”.

يرى باديو أن الحُب يحفر في طريقه هذهِ الرغبة، وهذهِ الرغبة هي ما تميّزه عن الصداقة، وما تربطه بكُليّة وجود الآخر، فالاستسلام للحُب، يعني أيضًا أن تُعلن عن ذلك جسديًا وليس فقط بالكلمات.

يُناقش بعد ذلك حقيقة الحُب، شارحًا لماذا تجذب قصص الغرام الكاملة الكبيرة انتباه الجماهير، ولماذا تلقى كُل هذه الأفلام والكُتب والقصائد اهتمام الجماهير الغفيرة، مهما كان عددها ومهما تكررت الأحداث، والسبب في رأي باديو،”أيًا كان الحُب فهو يعطينا دليلاً جديدًا على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المُنعزل”

وينتقل من هنا إلى التشابه بين السياسة والحُب، مع وجوب فصلهما، ففي السياسة لا يوجد ما يُسمى “سياسة الحُب”، هذا تعبير قد يؤدي إلى نوع ما من الأخلاق، لكن لن يؤدي إلى أي نوع من السياسة، ويُضيف أنه في السياسة يوجد أشخاص لا نحبّهم، ولا يستطيع أي أحد أن يتوقّع منا غير ذلك، ويتعمّق في علاقة الحُب بالشيوعية، ويذهب قليلاً إلى المسيحيّة ” دين الحُب” وعلاقتها بالتأسيس اللاهوتي للكلمة.

يشير باديو أخيرًا في لمحة ذكيّة إلى أنّ الأدب لا يضم إلا القليل من الأعمال التي تؤكد استمراريّة الحُب عبر الزمن، إذ أنّ معظم الأعمال الأدبيّة العظيمة تدور حول استحالة الحُب، وتراجيديّته، ونهايته، وتنتهي القصص الكبيرة باللقاء، وليس بالديمومة، بعكس المسرح، الذي يشدّد دومًا على الحُب كأداة للتمرّد الطبقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ: فهو في المسرح “تراجيديا”.
ويختتم باديو الكتاب بنسف الصورة النمطيّة  لبلده فرنسا: أي بلد التنوير والحريّات والثورات المُتكررة؛ ويؤكّد أنّ ثمة تاريخين مُتضافرين لفرنسا، يتوازى فيهما التمرد الثوريّ العظيم مع الرجعيّة.

“إننا في الحُب نثق في الاختلاف عوضًا عن الشك فيه، أما الرجعيّة فترتاب دومًا في الاختلاف باسم الهُويّة“.

وفي الخاتمة يقول:

“أحبّك” تعني: أنت ينبوع وجودي في هذا العالم. في مياه هذا الينبوع، أرى فَرَحنا. وأرى فَرَحك أولاً. أرى كما في قصيدة مالارميه: في الموجة التي تكوّنها نشوتك العارية“.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s