Posted in مقال

السويدي هاري مارتنسون… من التشرّد الى الشهرة

صاحب جائزة نوبل: السويدي هاري مارتنسون… من التشرّد الى الشهرة
بيان الكتبنشر في الشروق يوم 18 – 06 – 2005
ينتمي الكاتب السويدي هاري مارتنسون الى الشعراء أصلا وليس الى الروائيين ولكنه مع روايتين من صنف «الشوك يزهر» الصادرة عام 1935 و»الرحيل» الصادرة عام 1936، يمكن القول انه روائي من طراز متميز. امتازت كتاباته بالحديث عن عالم من الفقراء، ملون بكل ألوان طيوف الفقر والحرمان في عالم تتنازعه الحروب ويموت فيه الناس لأتفه الاسباب. ولد الكاتب السويدي هاري ادموند مارتنسون في 6 جوان عام 1904 في مدينة صغيرة بجنوب السويد. عاش طفولة بائسة بعد وفاة أبيه حيث اضطرت أمه الى الرحيل الى الولايات المتحدة بحثا عن الثروة. فتركت أبناءها خلفها وكأنها نسيتهم تماما.

كان هاري مقيما في ملجأ للعواجيز. وعرف في سن مبكرة العمل الشاق. وعانى من المتاعب مع السلطات. وحاول أن يعثر دوما على أمه التي هجرته وهو صغير السن. فسافر كثيرا وعرف العالم المتسع أمامه. والتشرد والضياع. وعند عودته الى السويد في عام 1929 كان قد تأهل كي يكون كاتبا وتزوج من امرأة تكبره سنا. لكنهما انفصلا بالطلاق في عام 1940 لاسباب ايديولوجية. وفي عام 1949 اختير عضوا بأكاديمية ستكهولم. ومات في 11 فيفري 19788 بعدما حصل على نوبل للآداب عام 1974.
يرى عدد كبير من النقاد أن أعمال مارتنسون تنقسم الى قسمين. الاول خاص بالنثر، والثاني خاص بالشعر. وهو في المقام الاول شاعر. ففي بداياته الادبية عام 1929، وفي كتابه «سفينة الشبح» ثم في «خمسة شباب» بدا أن نثره مكتوب كأنه الشعر…
وفي الفترة بين عامي 1932 و1933 كتب مارتنسون كتابين من النثر تحت عنوان «رحلات بلا هدف» و»وداعا للضجيج» وهو يرى ان السفر، مثلما مارسه بقوة البحار، هو الخروج بالرأس عبر حدود الجغرافيا، ومن أجل الانغماس في الاجساد، «نحن بعيدون عن المغامرات العاطفية وعن «بحار الجنوب» وكتب رحلات مارتنسون تسبح في أماكن مفقودة حيث لا يوجد شيء يمكن رؤيته. وفي أغلب الوقت فإننا لا نطأ فوق الارض» وذلك مثلما كتب الناقد بوكيه. فلم يكن الشاعر يبحث عن الاماكن، بل عن البشر. ولذا كان شاعرا له وجهة نظره في العالم.
كثيرا ما كانت هناك منافسة بين الشاعر، والكاتب النثري في داخل مارتنسون. وكان الشاعر يكسب دوما. ففي عام 1934 نشر ديوانه «طبيعة» وفيه حاول أن يقبض بيديه على الطبيعة.
وفي عام 1936 سجل سيرته الذاتية تحت عنوان «رحيل» والتي تعتبر من أجمل ما كتب في السير الذاتية. حيث تحدث عن رحيل أمه. والآلام التي تراكمت على ابنها الصغير تبعا لتلك الفعلة. ويتضمن الكتاب مشاهد مؤثرة منها دخول هاري الى ملجأ العواجيز لاول مرة. ثم يتحدث عن مرحلة النضج وممارسته للعديد من الاعمال. وانتهائه بالوصول الى البحر، كي يركب احدى السفن التي ستقله الى الولايات المتحدة من أجل البحث عن أمه.
وتتابعت كتب مارتنسون النثرية. ومنها «أفكار» عام 1937 و»وادي الصيف» عام 1938. ثم «سهولة وصعوبة» عام 1939. وفيها امتزجت الفلسفة بوصف الطبيعة. ثم تتابعت أعماله النثرية الاخرى ومنها «الجاكوار الضائع» عام 1941.
و»الواقع حتى الموت» وفي عام 1943 حضر مؤتمر الادباء في موسكو، وفيه ألقى كلمته التي اعتبر فيها ان الكاتب هو «مهندس الروح».
وقد نضجت قريحة الشاعر أثناء الحرب العالمية الثانية. وبدت في أشعاره وقدرته على التوغل في أعماق البشر، من خلال الحكمة، والسيطرة على ملذات الذات، من خلال ديوانه «اليزيه» المنشور عام 1945.
نشر مارتنسون روايته «طريق كلوكريك» في عام 1948، وفيها سيرة ذاتية أخرى حول سنوات التشرد. فالبطل بول يجوب مدن السويد وهو كتاب غني بالتجربة الانسانية، ففي مثل هذه الرحلات المتشردة يمكن للمرء أن يقابل كافة أجناس البشر، من أعماق المجتمع. ومثل هذه التجربة تعلم الانسان كيف يكون حرا، غير قلق على مكان نومه. ولا على طعامه الضائع.
وفي عام 1956 نشر ديوانه «انيارا» وهو أقرب الى الشعر المستقبلي، حيث تخيل صاروخا يضيع في الفضاء، ثم يتحث عن علاقة الانسان بالآلة، ويحذر من الدمار الذي ستلحقه القنابل الذرية بكوكب الارض.
وقد تتابعت دواوين مارتنسون ومنها «أعشاب التول» عام 1971 وهو آخر دواوينه.
تمثل رواية الشوك يزهر قصة طفولة هاري مارتنسون مطلع القرن العشرين في سويد فقيرة مختلفة عن الفردوس الاجتماعي الذي انتشرت صورته في السنوات الاخيرة حيث أولاف توماسون يعود الى تسمانيا بعد احدى عشرة سنة أمضاها في الترحال عاملا في جز صوف الاغنام، وكان يريد العودة نهائيا للاستقرار في وطنه وافتتح مؤسسة تجارية قريبة من بعض المناجم وازدهرت أعماله وأنجب عدة أبناء من هانا زوجته الجميلة الطامحة لحياة أكثر ثراء.
غير أن الامور تراجعت فجأة وضرب الفقر بعصاه أفراد الاسرة فعاد الأب للهجرة ليموت بيعدا واختارت هانا الرحيل الى كاليفورنيا بحثا عن الثروة تاركة أطفالها خلفها ومن بينهم مارتان الصغير الذي هو ذاته هاري مارتنسون، حيث يعيش يتيما وقد فقد حنان الأم ورعاية الأب وعطفه، فكان يخرج راكضا بحثا عن أمه معتقدا أنها في مكان قريب، لكن دون جدوى وقد قيض له آنذاك أن ترعاه أخته الكبرى التي فقدها ذات يوم بعدما سلم الى البلدية ليتحول من مارتان أولاف توماسون، الى مارتان ربيب البلدية.
ربيب البلدية مؤسسة للمعونة الاجتماعية في السويد، فقد كانت البلدية تتولى أمر الذين لم يكونوا يستطيعون إعالة أنفسهم كالايتام والعجائز، ولكنهم يضمنون نوعا ما، للذين كانوا يقبلون إيواءهم بأدنى النفقات. وكان هذا الالتزام يعقد لمدة سنة بين المزارع وبين الكنيسة، وهكذا يجد الطفل أو العجوز نفسه مرغما على العيش مع أسرة جديدة ومنزل جديد كل سنة، وقد كانت البلدية فيما يتعلق بالاطفال تحرص على أن يتابعوا تعليمهم وأن يتلقوا تربية جيدة.
مارتان ربيب البلدية كان واحدا من هؤلاء الاطفال وقد تنقل من مزرعة الى أخرى، ولكنه أمضى في مزرعتي تولين ونوردا أطول فترة ممكنة لانه لم يطق في المزارع الاخرى البقاء أكثر من أشهر قليلة يركض بعدها على الطرقات بحثا عن أمه المهاجرة الى كاليفورنيا.
في تلك المزارع كان مارتان شاهدا على حياة الفقر في السويد مطلع القرن العشرين، صحيح أنه كان ينال كفايته من الطعام وأيضا ينال قسطا من التعليم لكنه كان يضطر للعمل في المزارع حتى الارهاق مقابل تلك الضيافة وهي نوع من الاحسان تجاه المجتمع حيث أن الكنيسة تفرض هذا النمط من الاهتمام بالاطفال والعجائز.
كان مارتان قد بلغ العاشرة من عمره عندما كان يعمل خلف المنزل في تشذيب الارض وقد فاجأه عجل صغير، فطرده مارتان إلا أن العجل عاود العبث بما أنجزه مارتان فشعر الصبي بغضب شديد وضرب العجل برفشه مما أفضى الى موته، كان هذا أول رعب في حياة مارتان الذي سارع الى سحب العجل بعيدا ومن ثم حفر له حفرة عملاقة طمره فيها، وكان ذلك أول عمل يقوم به خارج حدود التربية والتعليم وعندما سئل مساء ذات اليوم اذا ما كان قد شاهد عجلا صغيرا قال انه لم يره، وقد تطوعت صبية أكبر منه قليلا تعيش بنفس الطريقة «ربيبة بلدية» بالقول لقد شاهدت بعض الغجر يعبرون في الانحاء فاعتقد الجميع أن الغجر قد سرقوا العجل.
تعلم مارتان كثيرا من الحياة في المزارع وحفظ كثيرا من الاسرار في الحقول ، وقد رافق عدة أشخاص في سنه جميعهم من الذين يعيشون بذات الطريقة لكن الصبي الذي بلغ منتصف الحادية عشرة من العمر تعلق بفتاة تدعى الآنسة تيرا في وقت كانت الشائعات تتناقل نبأ اكتساح وباء التيفوئيد للمنطقة، وكان من نصيب الآنسة تيرا أن يصيبها المرض الذي خطف شبابها ومن ثم خطف معه قلب مارتان الصبي اليافع الذي لم يعرف شيئا من ضروب السعادة، متنقلا من مزرعة الى أخرى ومن حياة الى حياة، لكن حبه الاول وتفتحه الاول وزهرته الاولى خطفها الموت وكان بينه وبين السعادة خصومة أزلية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s