Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

رسالة من راعي الخنازير

للكاتب الانجليزي: جون وين

ترجمة :

حسن  الجوخ

 ليس من اللائق الآن أن يُدلل بـ (إيكي), فهو في سبيله أن يصبح صبيا, يستغني تماما عن الحمالات المطاطية التي تقترن عادة بفترة الطفولة.

الآن يدعى (إريك), وما كان هذا إلا أحد التغيرات التي تحدث بمرور الأيام, لم يكن تغيرا مزعجا, بالطبع لم تكن أمه تعني هذا النوع من التغيير حينما وعدته (لن يحدث أي تغيير).

كان كل شيء يسير كالمعتاد سوى غياب أبيه الذي حل محله (دونالد), كان (إريك) يعرف (دونالد), وشعر ـ في البداية ـ بارتياح لوجوده, برغم أن (إريك) كان يبدو قلقا حينما يأوي إلى فراشه ليلا, يفكر في الأمر بلا هدف, مجيء (دونالد) إلى منزلهم يعني ذهاب أبيه, لماذا يجب أن يكون ذلك?!, فالمنزل واسع, وليس له إخوة, حتى لو كان له, لما اعترض على مشاركتهم حجرة نومه مادام ذلك يوفر غرفة لأبيه.. لماذا يحدث ما يحدث?!

.. كانت هناك بالفعل غرفة شاغرة بالمنزل, لماذا يفعل الكبار كل شيء بمثل هذا السخف والجنون?!.. دائما يقولون له: (لا تكن سخيفا, وهم السخف نفسه, وبشكل غير مجد على الإطلاق, لا يضحكون, لا يغنون, فقط سخفاء وحزانى, يصعب فهم إيحاءاتهم, فإذا أعطوك شيئا يستحيل أن تعرف كيف تتقبله, فقد أحضر لي والدي قطارا منذ أسابيع قليلة, وعلّمني كيف أوصّل القضبان, وكان هذا يعني أنه سيبقى معنا, فأي شخص عاقل يشتري قطارا أو يركبه لابد أن يفهم أن ذلك إشارة للرحيل, حتى لو كان في صورة هدية.

كان (دونالد) يحسن بالفعل معاملة القطار ـ (إريك) نفسه يعترف بذلك ـ, فقد اشترى جسرا للقطار وعددا من العربات.. ربما كان ذلك يعني أن (دونالد) ـ هو الآخر ـ على وشك الرحيل, ولكن هذا الأمر لم يكن ممكنا بنفس الدرجة, فقد اعتادت الأم أن تكون قريبة من (دونالد) طوال الوقت, كانت تحتضنه من خاصرته, تود أن يظلا جزءا لا يتجزأ.

هو الآن لم يعد (إيكي), بل (إريك).. صار كبيرا.. ربما كان الخطأ خطأه, كل شيء بدا أمامه غريبا, لم يمارس حياته بما يتناسب وبناطيله الرمادية.. كان فعلا يخشى أشياء كثيرة ولا يسأل, متوهما ألا تكون إجاباتها بسيطة.. هل هو الخجل?.. ربما.

مثلا “راعي الخنازير” تُركت قضيته معلقة في ذهن الصبي إلى حد بعيد, ولم يشك واحد من الكبار أن راعي الخنازير يخشاه الصبي, ربما كان (إريك) نفسه سلبيا, لو أنه بدلا من أن يتجنب راعي الخنازير بكل ذلك الحرص خرج ونظر نظرة شجاعة, تاركا الباب الخلفي مفتوحا بحيث يمكنه الإسراع إلى الداخل حيث دفء الأمان لانتهت المشكلة في وقتها.

على كل ربما كان من الأفضل ألا يرى (إريك) راعي الخنازير إلا حينما يكبر.. وهاهوذا قد تجاوز السادسة, إلا أن راعي الخنازير كان حتى تلك اللحظة أحد الأمور المحيرة ـ في نظره ـ فكثيرا ما حدث نفسه: لم يطلب منه أحد أن يحترس من راعي الخنازير!.. لم يحذره أحد منه.. لابد أنه غير مؤذ, لأنه حين يقترب من شيء يؤذي مثل المرور في الشارع الرئيسي يجد الناس يسدون له النصيحة: (يجب أن تنظر جيدا إلى كلا الجانبين), إلا أن هؤلاء الناس أنفسهم عندما يصلون إلى راعي الخنازير فلا أحد يذكره بخير أو شر, تقول له أمه أحيانا: (أفسح دعني أر راعي الخنازير, سيصل حالا, ولم أنته بعد من أي شيء, حينئذ يثلج العمود الفقري في ظهر (إريك), ويظل ساكنا ينتظر, لأنه غالبا ما تكون كلماتها التالية: (إريك) خذ هذه القشور وأي شيء يجب التخلص منه إلى صندوق القمامة).

صندوق القمامة على بعد خمسين ياردة من الباب الخلفي الذي يشترك معهم فيه سكان آخرون من المنزلين المجاورين.. لا أحد منهم يخاف راعي الخنازير!.. ماذا كان موقفهم منه?.. لا يعرف بالضبط.. أكانوا يشعرون بالأسى نحو راعي الخنازير?, لأنه يأكل مواد بالية ومبللة من صندوق القمامة مثل أوراق الشاي وقشر البيض وما شابه ذلك.. ربما كان يطهو تلك المواد عندما يعود إلى بيته, ويجعلها مستساغة, بالتأكيد إن ما يأكله لا يبدو لطيفا, فحين ترفع غطاء الصندوق ترى كل شيء ملقى في قذارة, وأحيانا تصدر روائح كريهة جدا.. أراعي الخنازير فقير إلى هذا الحد?!.. أكان حزينا لحاله أم أنه كان راضيا?.. ماذا يشبه راعي الخنازير?.. قد يكون له عينان صغيرتان وأنف مفلطح, هل له أربعة أرجل?.. هل له يدان وقدمان كأي إنسان?.. فكر (إريك) في المسألة بهدوء, وهو مستلق على ظهره فوق سريره.. دلو راعي الخنازير له يد إذن فهو يحمله بيده كما يفعل أي إنسان, إذن فهو لا يسير على أربع, وإذا كان يسير على أربع يمكنه أن يحمل الدلو بفمه, ولكن هذا لايبدو قابلا للتصديق, لأنه إذا كان يسير على أربع فلا فرق بينه وبين الخنزير.. وإذا كان ذلك كذلك فيجب أن يسمى (الرجل الخنزير) بدلا من (راعي الخنازير).. بالتأكيد أن وصف الرجل يتضمن شيئا من ذلك, فقد كان طويلا, يرتدي زيا.. هل يستطيع التكلم?.. ربما بطريقة الخنازير, كيف يتسنى له أن يحدد للناس نوعية المخلفات التي يريد أن يضعوها في دلو?.. قطعا كان ذلك خطأ والدي, كان يمكنه أن يخبرني بكل ما يخص راعي الخنازير, ولكنه مع الأسف رحل.

بعدما تعب (إريك) من التفكير خلد إلى النوم.. وفي المنام رأى أباه وراعي الخنازير مسافرين معا في قطار, راحا بعيدا, صرخ (إريك) في يأس: (أبي حينما تعود لا تحضر معك راعي الخنازير, لا تحضره معك). حينئذ أسرعت أمه إلى حجرة نومه, راحت تقبله, وتفوح بالعطر كوردة, كانت نائمة وأيقظها صراخه, هدهدته, وجعلته يستغرق في النوم فترة أطول دون كوابيس.. ولكن في اليوم التالي عاودته تساؤلات.

لابد أن يذهب إلى المدرسة في الصباح, ويقضي المشاوير بعد الظهر.. آه تجمعت أمام (إريك) أشياء كثيرة في صورة راعي الخنازير.. وناوشه القلق بضع ليال حتى وصلت المسألة فجأة إلى حد الأزمة.

سُمح لـ (إريك) ـ مرة واحدة ـ بأن يُحضر قطاره إلى حجرة العشاء بعد تناول الشاي, لأن في هذه الحجرة مدفأة جعلت الحجرة أكثر دفئا من التي تعود اللعب فيها.. كانت حجرة العشاء دافئة مضيئة, والسجادة المفرودة أمام المدفأة ناعمة سميكة, ومناسبة تماما لمد قضبان القطار.. و(دونالد) قد عاد إلى المنزل, وجلس على مقعد الأب يقرأ في الجريدة ويدخن سيجارة غير عابىء بشيء, والأم في المطبخ تنظف الأواني, وكلا البابين مفتوحان بحيث يمكن لـ (دونالد) والأم أن يتبادلا الحديث, فقط طرقة قصيرة تفصل بينهما, شيء واحد في هذا كله راق (إريك) وأسعده أنه راح يوصل أجزاء القضبان, وينظر إلى القاطرة سعيدا, وهي تقف في عظمة منتظرة العربات لتجرها وتدور بها بسرعة فائقة.. ولكن أثناء نومه يكون بعيدا كل البعد عن أية سعادة.

في تلك اللحظة نادته أمه: (إريك.. مِن فضلك خذ هذه القمامة إلى راعي الخنازير حالا, فيداي مشغولتان في عجينة الكعك, سأدعك تنظف حوض العجين عندما تعود).. ظل ساكنا للحظة, وعموده الفقري يثلج, تمنى لو لم يسمعها, لكن (دونالد) صوب إليه نظراته وقال: (اذهب يا رجل يا عجوز.. إنك طبعا لا تمانع), قال (إريك): سأفعل حين يأتي راعي الخنازير) ثم حادث نفسه في صمت: بالتأكيد سأتخلص من ذلك الشيء الغائر في أعماقي, الخوف من مواجهة راعي الخنازير.. علق (دونالد) بعد برهة الصمت دون أن يعرف بالطبع مادار في خاطر (إريك): (حسنا), وعاد ينظر في جريدته.. آه.. لماذا قال (دونالد) حسنا?!, أيريده حقا أن يواجه راعي الخنازير?! بهدوء غريب سأل (إريك) نفسه: (ولماذا لا ترفض قدماي التحرك).. دخل المطبخ, قالت أمه مشيرة إلى حامل من الورق المقوى ذي لون بني ممتلىء بقشور البطاطس وناتج الكحت: (ها هوذا, خذه), أخذه (إريك), فتح الباب الخلفي, وأسرع الخطى نحو دلو القمامة.. وجد ضوءا, يستطيع أن يرفع الغطاء, يلقي بالمخلفات, ويعود بسرعة في وقت لا يستغرق في العد من (1) إلى (10), عد بصوت عال: 1ـ 2ـ 3ـ 4ـ 5ـ 6.. توقف فجأة, فدلو القمامة غير موجود في مكانه, دقق النظر برغم أن الضوء لم يكن خافتا, فتأكد أن الدلو غير موجود, وأن راعي الخنازير نفسه اختفى.

استأنف العد: 7ـ 8ـ 9ـ 10 , كانت خطواته خفيفة, عاد بسرعة إلى المنزل, حيث الدفء والضوء وقطاره الذي ينتظره.. قال: (راعي الخنازير ذهب يا أمي) عبست الأم, ويداها تتحركان في حوض العجين, قالت: (نعم!, لقد سمعته من لحظة قصيرة).. قال (إريك) بأدب: (ذهب يا أمي, ذهب), ووضع الحامل الورقي مطرحه في المطبخ بهدوء.. ولكن الأم واصلت كلامها مخاطبة (إريك): (إذا تحريت البحث فسوف تلحق به, أريد أن تكون هذه المخلفات بعيدة عن المنزل والطريق العام, الحق به حالا.), وقف (إريك) ساهما أمام باب المطبخ, قالت الأم بخشونة وجدية: (هيا الحق به!), هذه الأم الصغيرة تعرف بالضبط متى تكون حازمة, أكملت كلامها بنفس الخشونة والجدية: (على أي حال لا يمكن أن يكون بَعُد كثيرا..).

وقبل أن تنهي الأم كلامها كان (إريك) خارج الباب يجري.. هذا الأسلوب يعرفه جيدا, نفس الأسلوب الذي يتبعه حينما يذهب إلى ماء شديد البرودة, حتى لو كانت هذه هي النهاية.. حتى لو جذبه راعي الخنازير, وجره إلى كوخه, وهذا أسوأ ما يُحتمل.. جرى بسرعة في ظلام مزقته بقع الضوء.. كان المنظر الخلفي لراعي الخنازير طِبق ما تخيله إلى حد بعيد, يمشي مشية بطيئة متأرجحا, كتفاه ممتلئتان, قبعة بالية مضغوطة فوق رأسه تخفي أذنيه, والدلو في يده.. كان بليدا في سيره كما لو كان مرهقا, ربما كان ذلك مجرد دهاء, لأنه كان يسرع الخطى عندما يرى صبيا أو سيدة تحمل مخلفات.

توقف (إريك) وفتح فمه مناديا راعي الخنازير, لكنه حينما حاول ـ أول مرة ـ لم تصدر إلا ذبذبات صوتية قصيرة مهزوزة مثل هبات ريح خفيفة, وقلبه راح يدق مثل طرقعات بمب الأطفال في الأعياد, وكان من الصعب أن يسمع أي شيء إلا بالكاد.. (يا سيد, يا راعي الخنازير), هذه المرة صدرت الكلمات واضحة مسموعة إلى حد ما.. الشبح العجوز المتأرجح توقف, استدار ونظر إليه, لم يستطع (إريك) أن يحدد بالضبط من أين توقف.. كان من الصعب عليه أن يعرف, وقد غاص كل شيء.. حتى خوفه في موجة كبيرة عفية من حب الاستطلاع.. راح (إريك) يتقدم نحو راعي الخنازير, ومع كل خطو يراه أكثر وضوحا.. وحين وصل وجده رجلا عاديا عجوزا.

ـ “مساء الخير يا بني, هل أحضرت قمامة للخنازير الكبيرة ?”.

أومأ “إريك” برأسه صامتا, وأبرز ما معه.. حادث (إريك) نفسه في صمت: أية خنازير كبيرة?, ماذا يقصد هذا الرجل?).. حط راعي الخنازير دلوه على الأرض, نعم له يدان عاديتان.. رفع الرجل غطاء الصندوق, فقدم (إريك) الحامل الورقي, أثناء ذلك لمست يد (إريك) يد راعي الخنازير فتفجر ينبوع من السعادة في نفس (إريك).. دحرج راعي الخنازير ناتج الكحت إلى دلوه, وناول (إريك) الحامل الورقي قائلا:

ـ “شكرا يا بني”

سأل (إريك) الرجل العجوز: (لمن هذه القمامة?), وبدا صوته كما لو كان له نبرات خاصة.. نهض راعي الخنازير مرتبكا, ثم ضحك بطريقة تشبه الغرغرة, أر, أد, أر, قال: (ليست لي, إذا كان هذا ما تقصده), أر, أر, أر.. غطى راعي الخنازير دلوه, وواصل كلامه: (إنها للخنازير الكبيرة التي تُربى للتسمين, هذا ما يحبونه, فقط ألا تكون قشور فاكهة, قشور الفواكه تسبب لها المغص, أحيانا أضع ملحوظة بشأن ما يجب أن يوضع في الدلو.. قال (إريك) ـ في نفسه ـ: (الآن فهمت لماذا يسمى (راعي الخنازير), طبعا لما لديه من خنازير يرعاها بهذه المهارة الفائقة.

ـ (تصبح على خير, شكرا.)

هكذا قال (إريك) لراعي الخنازير, وركض عائدا, يتناهى إلى أذنيه صوت راعي الخنازير, الرجل العجوز والعادي جدا يرد: (تصبح على خير يا بني).

حادث (إريك) نفسه: كيف فعلتها?!, تقدمت إلى الأمام غير قلق أو وجل مثلما أذهب إلى ماء شديد البرودة.. إنني بالفعل فعلتها.

كان (إريك) يبطىء من سيره كلما اقترب من البوابة.. راح يحادث نفسه بصوت مسموع: (لو كان لديك تساؤل, وأردت أن تعرف إجابته, وشعرت أنك لا تستطيع أن تسأله فإن السلوك الوحيد الذي يجب أن تسلكه بلا تردد هو أن تسأل, وعليك أن تنطلق بخطى مستقيمة نحو هدفك, مثلما ذهبت إلى راعي الخنازير).

لمع ضوء من خلال الباب الخارجي.. فتحه ودخل.. كانت أمه واقفة بجوار المنضدة, تكاد يداها تفرغان من عجينة الكعك.. أمرته أن يكحت الحوض والملعقة, ولكن كان هناك ما هو أكثر أهمية من كحت الحوض والملعقة يجب أن يحدث أولا.. اطمأن (إريك) أن الحامل الورقي في مكانه, وخطا نحو أمه متسائلا: (أمي لماذا لا يكون أبي معنا.. حتى في وجود (دونالد)?!, أقصد لماذا لا يقيم معنا هنا مثل (دونالد)?

ـ (نعم!, نعم يا عزيزي)?!

هكذا قالت الأم, وصمتت

وسرعان ما جاء صوت (دونالد):

ـ (ألم تسمعي ماذا قال (إريك) يا عزيزتي?).

ـ (بلى سمعت, (إريك) يسأل..)

أغلقت الصنبور, وجففت يديها ـ غير ملتفتة إلى (إريك) ـ مستأنفة كلامها:

(.. لماذا لا يمكننا إبقاء (جاك) معنا).

خيم صمت متحفز على المكان لحظة.. ثم قال (دونالد) بهدوء شديد وبصوت خافت لم يصل إلا إلى أذني (إريك):

ـ هذا سؤال صعب جدا يا (إريك).

قالت الأم محاولة تغيير مجرى الحديث:

ـ (حان الآن كحت حوض العجين يا (إريك), هيا يا كسول).

ولما وقف (إريك) ساهما شاردا حملته, وقبلته, حكت خدها بخده.. ثم قالت بصوت مرح حنون:

ـ (يا (إيكي), يا صغيري, يا مسكين)

وعندما أنزلته راح ينظف حوض العجين, واثقا من شيء واحد محدد, هو أن الكبار مجانين وسخفاء, وأنه يكرههم جميعا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s