Posted in مقال،إنطباعات

هل تعرف الأدب العَبَثي؟ رواية “مالون يموت” تشرح لك!

هل تعرف الأدب العَبَثي؟ رواية "مالون يموت" تشرح لك! 4

 

يبدأ الكاتب القصة بهذه العبارات: “سيدركني الموت قريباً بصرف النظر عن أي شيء”، لترى نفسك أمام شخصية غريبة عليك وعلى نفسها، تحاول أن تقص القصص منتظرة الموت.. قصصاً ليست جميلة أو قبيحة ولا يوجد فيها أي انفعال، قصص بلا حياة مثل راويها.

هنا أنت تقرأ للكاتب الأيرلندي صاحب الضحكة العدمية صموئيل بيكيت الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1969، الكاتب العبثي الذي رمى كل أنواع السرد المتعارف عليها ليكتب بأسلوبه الخاص ويسمعنا الأصوات الداخلية في أعماق الإنسان.

يعتبر بيكيت من أكثر الكتاب تأثيراً في القرن العشرين، وكان مصدر إلهام للكثير من الكتاب، اشتهر بعمله المسرحي الذي صنع ضجة كبيرة “في انتظار غودو”، وهو عمل يتحدث عن رجلين مشردين ينتظران شخصاً ما أو شيئاً اسمه غودو. ما يميز هذه المسرحية أن لغة بيكيت كانت بسيطة والحوارات عميقة، لن نتحدث عن هذه المسرحية لكنها لا تزال حتى الآن واحدة من الرموز الأكثر سحراً وجمالاً، ومن المحتمل أن هذا العمل جذب العديد من القراء لروايات صموئيل بيكيت، بالإضافة إلى عدد لا بأس به أصابته خيبة أمل كبيرة بسبب تدميره للشكل الأدبي المعتاد.

malone dies

“مالون يموت” هي رواية بيكيت الثانية، وإذا كانت هذه المرة الأولى التي تقرأ فيها لبيكيت ربما سوف تشعر بالملل كثيراً وترمي هذا الكتاب بعيداً عنك، أو ربما تستمتع بقصصه غير المترابطة مع بعضها والتي لا تحتوي أي أحداث مهمة، لذا حاول أن تبدأ بعمله المسرحي انتظار غودو.

في هذه الرواية لا تنتظر من الكاتب أن تصل في النهاية إلى شيء ولا تتوقع منه شيئاً أيضاً، هذا هو الأدب العبثي وهو أدب صعب، لذا لا تحاول أن تجهد عقلك لفهم ماذا يحدث بل استمتع بالكلمات التي يقولها وتخيل نفسك تجلس أمام تلك الشخصية لتحاول سماع القصص وتفهم ماذا يحدث على أرض الواقع، حاول أن تكون هذا الإنسان الذي وجد نفسه في غرفة لا يعرف كيف أو متى أو ربما لا يتذكر أي شيء.

هذا الشخص الذي يحاول أن يسرد لنا عن نفسه وعن ماضيه ويحاول أن يقص بعض القصص من أجل أن يسلي نفسه وهو ينتظر الموت، يحكي ثلاث قصص؛ قصة عن رجل وقصة عن امرأة وقصة عن شيء ما ربما يكون هذا الشيء حجر، وهي قصص عادية جداً، قصص لا تشعرك بشيء لكن كلماتها قوية ورصينة، وربما ستشعر بالممل لأنه كما ذكرنا أن قصصه لن تعطينا أي انطباع أو أي نوع من أنواع الانفعال.

مالون يموت

عندما تستمع لمالون وهو الشخص الذي يحكي القصص منتظراً الموت تصل إلى مرحلة تجد فيها أن القصة التي يرويها لا مغزى لها، يضعك أمام متاهة غريبة يتحدث قليلاً عن نفسه، لينتقل إلى قصة سامبو الذي لا يعرف من أين أتى هذا الشخص، ومن ثم يترك هذه القصة وينتقل إلى القصة الثانية التي قرر أن يقصها لنا أو ربما يريد أن يقص لنا القصة الثالثة التي تتحدث عن الحجر، جميع القصص التي يرويها يختلقها من عقله ويشعرك أن تلك القصص لا معنى لها حتى هو نفسه لا معنى له.

يجب على القارئ أن يعرف قبل أن يبدأ أنه يقرأ أدب العبث، حيث يخرج فيها هنا بيكيت عن المألوف في الكتابة، فلن تجد الحبكة ولن تجد السرد الروائي المعتاد، بل ينتقل بك من قصة إلى أخرى ومن ثم يتحدث عن نفسه ليعود إلى قصة أخرى. سوف ترى ثلاث شخصيات لا تعرف إن كانوا نفس الشخص أم هم شخصيات مختلفة، ومن ثم سوف تتفاجأ في نهاية القصة لأنك لم تفهم ما هي النهاية أو تحاول أن تقنع نفسك أنك فهمت النهاية.

الخلاصة أنك هنا أمام كابوس حقيقي! أنت أمام رجل يختلق القصص والحكاية لكيلا يشعر بالملل وهو في انتظار الموت. وأثناء رواية القصص الأسماء تتغير، الأرقام تطمس، ربما يتكلم عن نفس الشخص أو أنهم أشخاص مختلفين، أو هو يتحدث عن نفسه. وفي النهاية يصبح في قصصه أكثر عنفاً، مزدحماً، يشعر بالهلوسة، فتخيل معي عن ماذا سيحدثك هذا الشخص وحاول أن تستمع إلى قصص مالون التي لا تملك أي حياة.

1964, New York, New York, USA --- Samuel Beckett on the set of his movie, , looking at a fish through a magnifying glass. --- Image by © Steve Schapiro/Corbis

اقتباسات

# لقد ولدت جاداً كما يولد البعض مصاباً بالسفلس، وبجدية كافحت لأن أكون جاداً أكثر. أن أعيش وأبدع. أعرف ما أعنيه، ولكن عند كل محاولة جديدة أفقد عقلي، أهرب إلى ظلالي كما يهرب المرء إلى معبد، أو إلى معمله حيث لا يستطيع أن يعيش ويقاسي رؤية الآخرين يعيشون.

# أرى الحياة دون أن أعرف ما هي. حاولت أن أعيش دون أن أعرف ما أفعله أو أحاول أن أفعله. وعشت على الرغم من ذلك، دون أن أعرف.

أنا مدفون في العالم، أعرف أنني سأجد مكاني يوماً ما هناك، فالعالم القديم يعزلني منتصراً، أنا سعيد بذلك، عرفت أنني سأكون سعيداً يوماً ما. لكني لست حكيماً، فالحكمة تتطلب أن أنطلق الآن. في هذه اللحظة من السعادة، لكن ما الذي أفعله بدل ذلك؟ أعود ثانية إلى الضوء والحقول، وأتشوق إلي الحب وإلى سماء تموج بسحب صغيرة بيضاء خفيفة كشرائح الثلج، إلى حياة لم أستطع أن أعيشها، بسبب أخطائي طبعاً، وكبريائي وتفاهتي. لا أعتقد ذلك. الوحوش في المرعى، والشمس تدفئ الصخور وتلمعها، أترك سعادتي وأعود إلى جنس البشر الذين يجيئون ويروحون بأوزارهم.

أستطيع أن أميز بين الأصوات الخارجية. أوراق الشجر، تأوه الجذوع، الأغصان، حتى الأعشاب، كل شجرة لها صيحتها الخاصة، ولا تتشابه شجرتان همسهما.

الكلمات والصور تعربد مسرعة في رأسي وتندمج فتختلط مع أنفاسي، وحين أخرج أنفاسي تملأ الغرفة بضجيجها، مع أن صدري لا يتحرك إلا كطفل نائم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s