Posted in مقال

رهاب الدين

حول جوانب من اللاعقلانية اللادينية، يفيدنا البروفيسور توماس نيجل، أستاذ الفلسفة العريق في جامعة نيويورك، بأن “رهاب الدين” يشكّل إطارا منغلقا لبعض عقول زملائه المفكرين العلمانيين. و هذا الشيء كان له عواقب وخيمة مستترة واسعة الإنتشار في الحياة الفكرية الحديثة. يضيف نيجل قائلا عن هذا الرهاب:

” أتحدث من واقع خبرتي، فأنا أيضا وقعت بمرحلة تحت تأثير هذا الخوف: أريد بشدة الإلحاد أن يكون حقيقة لا ريب فيها، و ينتابني إحساس بعدم الإرتياح كلّلما تذكّرت أن بعض ألمع المفكّرين و أفضلهم علما من معارفي هم مؤمنون دينيون. الأمر ليس أني فقط لا أؤمن بالله، و بطبيعة الحال، مطمئن بهذا الإعتقاد؛ بل أنا آمل بكل جوارحي بعدم وجود الله! لا أريد أن يكون هناك خالقا لهذا الكون؛ لا أريد للكون أن يكون هكذا. أظن أن معضلة الخوف من السلطة العلوية في الكون مسؤولة عن الكثير من النزعات الإختزالية و العلموية المتفشية بيننا في زماننا المعاصر هذا. هذه النزعات تخلق قابلية داعمة للإستخدام السخيف المبالغ فيه لنظرية البيولوجيا التطورية في تفسير كل مناحي الحياة البشرية، بما فيها عقل الإنسان….

الرغبة القهرية بنفي الألوهية عن كل شيء مساوية في عدم منطقيّتها لتأثير الإعتقادات الدينية البالية على نظرتنا للكون.

Thomas Nagel

 

ترجمة : محمد باقر

Advertisements
Posted in مقال

عالم الأمس’ ذكريات ستيفان زفايغ الأوروبي الخائب تمسرح في باريس

في كتاب “عالم الأمس” للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ يتحدث ستيفان زفايغ (1881 /1941) عما عاشه وما شاهده منذ طفولته السعيدة وشبابه التائق إلى مستقبل أجمل في بلد كان القلب النابض لأوروبا الوسطى مدينته فيينا، إلى أن عصفت به رياح التطرف ممثلة في تنامي القوميات وصعود الفاشية والنازية، وكان من أثرهما اندلاع حربين مدمرتين آلت الأولى إلى تفكك الامبراطورية النمساوية المجرية، وانتهت الثانية إلى جعل النمسا محمية نازية، فنابت عن السلم مجزرة مروّعة، وحلّ الميز العرقي محل التعدد والاختلاف، وعبادة الشخصية محلّ حرية الفكر، وهتلر وغوبلز وهيملر مكان ريلكه وبتهوفن وبراهمس.

يروي ذلك ليس من باب الحنين إلى ماض تولّى، بل بهدف ترك أثر لمن يأتي بعده، لعله يتعظ بما جرى ويعيد إلى أوروبا أنوارها. أوروبا التي قال عنها عام 1941 في مقدمة كتابه “الوطن الحق الذي اصطفاه قلبي، أوروبا، ضاع مني منذ أن استبدت به للمرة الثانية حمّى الانتحار، ومزّقته حرب أهلية. ضدّ إرادتي، كنت شاهدا على أفظع هزيمة للعقل، وأكبر انتصار همجيّ للعنف. لم يوجد قطّ – ولا أقولها بفخر، بل بشعور بالخجل- جيل كجيلنا هَوى من تلك القوة الفكرية إلى هذا الانحطاط الأخلاقي”.

في هذا الكتاب يتنقل زفايغ بين الخاص والعام، فيذكر مسيرته الدراسية التي بدأها بالفلسفة قبل أن يفضل عليها الفنون، ويعدد أسفاره عبر أوروبا وأميركا والهند، حيث التقى كل مرة بفنانين وكتاب وموسيقيين استنجد بهم عند اندلاع الحرب الأولى وحثهم على التضامن ضدّها والتنديد بها.

ومع ذلك انتهت بسقوط الإمبراطورية ودخول مرحلة من البؤس المعيشي والثقافي، لم تحل دون بروزه بكتابات جلبت له اهتمام القراء والنقاد بداية من 1923، ليعيش مما تدره عليه من عائدات عيشة مرفّهة، حتى وصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا، وقرار النازيين بمصادرة مؤلفاته، ومطاردة اليهود عامة، مما اضطره إلى مغادرة فيينا نهائيا باتجاه لندن عام 1934، لكي يواصل النضال كما قال “لأجل حريته الداخلية والخارجية”، ومنها إلى أميركا ثم إلى البرازيل، حيث انتحر عام 1942، تاركا هذا الكتاب كوصية.

ستيفان زفايغ: من عرف الضوء والظلام، العظمة والانحطاط هو وحده من عاش حقا

يقول في خاتمة كتابه “ظِلّ الحرب لم يفارقني، فقد غلّف بالحداد كل فكرة من أفكاري، إن بليل أو نهار. لعلّ ظلها المظلم يتبدّى أيضا في صفحات هذا الكتاب. ولكن كل ظل، هو في النهاية سليل النور، ومن عرف الضوء والظلام، الحر ب والسلم، العظمة والانحطاط هو وحده من عاش حقا”.

فكيف يمكن إعداد نص كهذا للمسرح؟ في ديكور خلاصته ستار وكرسيّ وإكسسوار لا يتعدى كتابا وقبّعة، يعتلي الركح شخص وحيد لا ليقلد الكاتب، بل ليروي على لسانه نصف قرن عاشه مثقف رأى مدينته وقارته وحياته تتفتت بفعل التعصب الأعمى، ذلك أن المخرج باتريك بينو اختار التركيز على كلمات زفايغ وأداء جيروم كيرشر، الممثل الوحيد الذي يظهر على الخشبة ليسرد على امتداد ساعة أهم ما جاء في “عالم الأمس”، حسب النص الذي استخلصه الكاتب لوران سكسيك مؤلف رواية “آخر أيام زفايغ”.

وقد التقى النص المقتبس بالأداء البسيط في ظاهره البليغ في جوهره ليضفيا على المشهد راهنية مرعبة. ذلك أن صعود القوميات الذي يتحدث عنه زفايغ، وانتصار الشعبوية، ومجيء هتلر الذي وعد الجميع بكل شيء قبل أن يكشف عن وجهه المرعب، وانفجار الحلم الأوروبي وجعل الثقافة في المقام الأدنى، تنطبق تقريبا على عالمنا اليوم.

ننجذب منذ البداية إلى المصير التراجيدي لهذا الكاتب الكبير الذي يسرد في لغة أنيقة صافية انقلاب عالم، من الجمال إلى الفظاعة، ويصف الفردوس المفقود بأسلوبه المميز، حين كان كبار الكتاب والفنانين منشغلين بالآداب والفنون ولم يتنبهوا إلى أن العالم يتغير، وأن فردوسهم لن يلبث أن يتحوّل إلى جحيم، وتندفع آلة الدمار تحطم بلا هوادة الجميع.

والممثل ينجح في نقل تلك الخلجات التي تنتاب كاتبا مرهف الحس مثل ستيفان زفايغ، هذا الكاتب الذي يذكّر في وجه من الوجوه بسليم النية أحد أبطال فولتير، ذلك الذي لا ينفك يبحث عبر ترحاله عن شيء ما، فيظل في تيه دائم. وهو حال زفايغ الذي لم يكن منفيّا بما تحمله كلمة النفي من إحالات، بل كان يبحث بكيفية تكاد تكون طوباوية عن مجتمع فاضل يمكن أن يعيش فيه سعيدا، تحدوه روح إنسانية عالية، تكاد تكون أنانية.

وظل منذ مطلع ثلاثينات القرن الماضي يتنقل عبر المدن كمن يبحث عن شيء ضيّعه ولم يعد يدري كيف يمكن العثور عليه؟ كالباحث عن فردوس الطفولة المفقود، حتى انتهى به البحث إلى الانتحار في منفاه البرازيلي.

Posted in مقال

حوار : ميلان كونديرا و فيليب روث حول ” كتاب الضحك والنسيان “

Image result for ‫كونديرا‬‎

كتابي الأخير “الضحك والنسيان” والذي يدور حول تجربة وجودي في فرنسا، يكشف في مساحة جغرافية خاصة، تلك الأحداث التي تدور في براغ بعيون أوروبية، والتي تدور في فرنسا بعيون براغ. إنها مواجهة العالمين. من ناحية، بلدي الأصلي: في مسيرة نصف قرن مجرد كانت قد جرّبت الديمقراطية، الفاشية، الثورة، مخاوف الستالينية، فضلاً عن تفكك الستالينية، الاحتلال الألماني و الروسي، نفي الجماهير وموت الغرب علي أرضه. إنه الغرق تحت أطنان التاريخ والنظر للعالم بتشكك بالغ. من ناحية أخري، فرنسا: ظلت لقرون مركز العالم، والتي تعاني الآن من نقصان الأحداث التاريخية الكبري، لذا فهي تراقب المواقف الفكرية الراديكالية بشغف. إنها التوقع الغنائي والعُصابي لفعل عظيم ما من تلقاء نفسه، والذي لا يأتي، ولن يأتي أبدا.


روث: كتاب “الضحك والنسيان” لا يتم تعريفه كرواية، ثم تعلن أنت داخل النص: هذا الكتاب رواية في قالب المنوعات. إذن، هل هو رواية أم لا؟


كونديرا: فيما يخص الحكم الجمالي الخاص بي، فهو بالفعل رواية، لكني لا أجد مبرراً أن أفرض هذا الحكم على الآخرين. هناك حرية واسعة كامنة في القالب الروائي ومن الخطأ أن نعتبر شكلاً نمطياً ما هو التعريف الأمثل للرواية.


روث: لكن هناك شيئاً ما بالتأكيد يجعل الرواية رواية ويحد من هذه الحرية؟


كونديرا: الرواية قطعة طويلة من النثر التركيبي مبنية علي أحداث وشخصيات مُخترعة. هذه هي الحدود الوحيدة. أقصد بكلمة “تركيبي” رغبة الروائي في معالجة موضوعه من كافة الجوانب وبأكثر صورة محتملة اكتمالاً. المقال الساخر باستخدام المفارقة، السرد الروائي، تطاير الخيالات -الطاقة التركيبية للرواية قادرة على تجميع كل شيء في وحدة متماسكة مثل الأصوات المختلفة في الموسيقي البوليفونية. ولا تنبع وحدة الكتاب بالضرورة من الحبكة لكن أيضاً من الموضوع والتيمة المطروحة. في كتابي الأخير هناك تيمتان أساسيتان، الضحك والنسيان.


روث: طالما كان الضحك قريباً منك. تثير كتبك الضحك من خلال السخرية أو المفارقة. عندما تشعر شخصياتك بالحزن فإن هذا ينبع من ارتطامها بعالم فقد إحساسه بالسخرية.


كونديرا: تعلمت السخرية أثناء فترة الإرهاب الستاليني. كنت في العشرين وقتها، كان يمكنني أن أتعرف على الشخص الذي ليس ستالينياً، والذي لا ينبغي أن أخاف منه، من خلال الطريقة التي يبتسم بها. كان الإحساس بالسخرية علامة تعريف جديرة بالثقة. من وقتها وأنا خائف من العالم الذي يفقد إحساسه بالسخرية.


روث: في كتابك، يحلق الشاعر بول إيلوار فوق الفردوس وأسواره، وهو يغني. هل هذا الجزء من التاريخ الذي تورده في كتابك حقيقي؟


كونديرا: بعد الحرب، يترك إيلوار السوريالية ويصبح واحداً من أكبر المؤيدين لما أسميه “قصيدة الشمولية”. تغني بالإخوة، السلام، الغد الأفضل، تغني بالرفقاء ضد العزلة، وبالبهجة ضد الكآبة، وبالبراءة ضد السخرية. عندما حكم قادة الفردوس بالإعدام شنقاً على صديقه في براغ، الشاعر السوريالي زافس كالاندرا، كبت إيلوار مشاعر صداقتهما الشخصية من أجل المثل العليا وأعلن موافقته على تنفيذ حكم الإعدام في صديقه. كان رجال المشانق يقتلون بينما الشاعر يغني. وليس الشاعر فحسب. كانت فترة الإرهاب الستاليني فترة أوهام غنائية. وهذا ما ننساه الآن تماماً، بينما هو جوهر الأمر. يحب الناس أن يرددوا، الثورة رائعة؛ إن الإرهاب الذي يصدر عنها هو شرورها فحسب. لكن هذا ليس صحيحاً. الشر كامن في الجميل، الجحيم يحتويه حلم الفردوس، وإذا كنا نريد أن نفهم كينونة الجحيم لا بد أن ندرك كينونة الفردوس الذي نبع منه. أن تدين معسكرات الاعتقال هو أمر شديد السهولة، لكن أن ترفض شعرية الاستبداد التي تؤدي لمعسكرات الاعتقال في الطريق نحو الفردوس، فهذا أمر أصعب من أي شيء آخر. الآن، يرفض الجميع بشكل واضح فكرة معسكرات الاعتقال، بينما لا يزالون مستعدين لأن تقوم شعرية الاستبداد بتنويمهم مغناطيسياً سائرين نحو معسكرات اعتقال جديدة ولحن جديد للغنائية التي عزفها إيلوار وهو يحلق فوق براغ مثل ملاك يحمل قيثارة، بينما الدخان يتصاعد من جسد كالاندرا من المحرقة نحو السماء.


روث: أغلب رواياتك، تحديدا كل الأجزاء الفردية في كتبك الأخيرة، تجد حل عقدة الرواية في مشاهد المضاجعة. حتي ذلك الجزء الذي يدور تحت الاسم البريء “الأم” هو عبارة عن مشهد جنس ثلاثي طويل له برولوج وخاتمة. ما الذي يعنيه لك الجنس الآن كروائي؟


كونديرا: هذه الأيام، حيث لم يعد الجنس تابو كما كان في الماضي. الوصف المجرد للاعترافات الجنسية أصبح مملاً. كما يبدو د. ه. لورنس أو حتى هنري جيمس عتيقين بغنائيتهما الفاحشة. ولا تزال بعض مقاطع جورج باتاي الإيروتيكية تؤثر فيّ بشكل دائم، ربما لأنها فلسفية أكثر منها غنائية. ملاحظتك صحيحة فيما يخص أن كل شيء عندي ينتهي بمشاهد إيروتيكية كبرى. لدي هذا الشعور أن مشاهد الحب تولد ضوءاً حاداً يكشف بشكل فجائي عن كينونة الشخصيات ويلخص موقفها من الحياة. المشهد الإيروتيكي بؤرة تتجمع فيها كل ثيمات القصة وتتحدد فيها أعمق أسرارها.


روث: الجزء الأخير، السابع، لا يتعامل مع شيء فعلياً خلاف الجنس. لماذا اختتمت الكتاب بهذا الجزء بدلا من أي شيء آخر، الجزء السادس مثلاً مع موت البطلة الأكثر درامية؟


كونديرا: تموت تامينا، وهي تتحدث فيما يشبه الاستعارة، بين ضحكات الملائكة. في ختام الكتاب، وعلى الناحية الأخري، تبدو الضحكات من النوع المناقض، نوع الضحك الذي نسمعه عندما يكون كل شيء بلا معني. هناك بالتأكيد خط متخيل للتقسيم حيث تبدو الأشياء من ورائه سخيفة و عديمة الدلالة. يسأل المرء نفسه: ألا يبدو عبثياً أن أستيقظ في الصباح؟ أن أذهب للعمل؟ أن أكافح من أجل أي شيء؟ أن أنتمي لوطن لمجرد أنني ولدت فيه. يعيش المرء على مقربة من هذا الحد المتخيل ويمكن أن يجد نفسه بسهولة في الضفة الأخرى. هذا الحد الذي يوجد طوال الوقت، في كل مساحات الحياة الإنسانية وحتى في الجنس، الجانب الأعمق، والأكثر حيوية فينا جميعاً. ولأنه، تحديداً، الجزء الأعمق من الحياة، فالسؤال الموجه للجنس هو السؤال الأعمق على الإطلاق. لهذا السبب لم يكن من الممكن أن ينتهي كتابي بنهاية غير هذه النهاية.

Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

اليوم الأول للمدرسة

في اليوم الاول للمدرسة
تشارلي جاكسن

ترجمة عن الإنكليزية كامل السعدون


كان يوماً مؤثراً في حياتي ، إنه يوم بدء دوام إبني ( لاوري ) في المدرسة ، يا إلهى كيف نمى بهذه السرعة ، ها هو يتخلى لأول مرة عن ارتداء “الاوفراول ” ، ويكف عن دس إصبعه في فمه ، وبدلا من ذلك يرتدى بنطال ألجينز مع حزام جلديٍ أسود .
، لاحظته يرافق الفتاة الأكبر سنا في البيت المجاور لبيتنا ، أدركت إن مرحلة لذيذة عذبة من العمر قد انتهت إلى غير رجعة ، وان هذا الكائن المسالم الودود الذي لا يستطيع أن يفعل شيئا او يخطو خطوة دون إرادتي قد حل محله ولد شقي ببنطال طويل وحزام ، ووجه جاد بصورة مضحكة ، ولد عاق .. نسى حتى أن يقف في منتصف الطريق ليلوح لي مودعا . عاد من المدرسة بذات الطريقة ، في البدء صر صوت الباب منفتحا ، رمى طاقيته على الأرض ، بدا لي صوته منذئذ وقد صار اقرب منه إلى الصراخ :
– أما من أحد هنا ؟
. عند الغداء تحدث مع والده ، بعد أن اهرق حليب أخته بالطريق ، قال إن المعلمة تقول إننا لا ينبغي
أن نقسم بالله كثيرا ونسيء استخدام اسم الرب في الطريق ، كيف كانت المدرسة اليوم ؟
سألته عرضيا .
– لا باس ” أجابني ” ،
– هل تعلمت شيئا ؟ ( سأله والده )
– لم أتعلم شيئا بالمرة هذا اليوم ( أجاب ببرود ) ….
– لا شيء …بالمرة …؟ ( سألته باستغراب )
– – لا …( وصمت لبرهة ثم تألق وجهه وأجاب ) … المعلمة عاقبت أحد الأولاد…!
– لماذا ؟ سأله أبوه وقد بان عليه الاهتمام .
– لأنه كان غير مهذب … كان مستحقا لتلك العقوبة … كان غاية الوقاحة ” قال ذلك وفمه ملآن بالطعام !
– ولكن من كان هذا الولد ؟ وما الذي فعله ” سألته …” .
فكر قليلا ثم أجاب
– تشارلس ، لقد ضربته المعلمة …. وأوقفته عند الزاوية على رجل واحدة …!
ثم انزلق من كرسيه متسللا وفمه ملآن بالطعام ، دون أن يشفي غليلي بإجاباته . في اليوم التالي وعند الغداء أيضا وحالما تسلق كرسيه ، بدا عليه الاهتمام والتفكير وكأنه يدبر أمرا :
– حسنا تشارلس هذا اليوم غدا اكثر فظاظة وسوء أدب ، شيء لا يطاق .. لقد … لقد ضرب المعلمة هذا اليوم …!
– يا الهي … هذا فضيع … فضيع ..هذا غاية الاستهتار ” قلت وأنا بغاية التأثر والاشمئزاز لسلوك هذا الطفل الشاذ ”
– هذا أمر لا يمكن السكوت عنه ، كيف يسمحون لمثل هذا الطفل في البقاء بالمدرسة .
– هذا الطفل لا شك مريض ويجب أن يأخذ إلى مصحة للعلاج النفسي ” قال أبوه وقد توقف عن الأكل متابعا بغاية الاستثارة والاهتمام هذا الحديث الغير مستحب في هذه الساعة وهذا المجلس ، والذي فرضه علينا دون إرادتنا ولدنا الحبيب .
– احسب انه عوقب بقسوة هذا اليوم أيضا ” قلت باهتمام وترقب للرد .
– لا شك فمثل هذا الفعل لا يمر قطعا دون عقاب ، وعقاب حازم أيضا ” قال زوجي ” .
– طبعا .. طبعا ..” قالها ضاغطا بقوة على مخارج الألفاظ وقد بدت لهجته لهجة تشفي من هذا التشارلس .
– لكن ماذا فعلت المعلمة له حتى يسيء الأدب معها بهذه الصورة ألمستهجنه ” سألته بسرعة بعد أن لاحظت تململه في مجلسه وخمنت انه موشك على الإفلات لغرض اللعب في الخارج .
– لأنها أرادت منه أن يلون باللون الأحمر في حين كان هو يرغب باستعمال اللون الأخضر ، ولهذا ضرب المعلمة ، فردت هي بمعاقبته بالضرب بالمسطرة على مؤخرته ، ثم … قالت :
– لا أحد يلعب مع تشارلس …” ولكننا جميعا لعبنا معه… وقهقه بتحدي ثم أفلت فاراً جهة الباب ” .
اليوم الثالث ، كان يوم الأربعاء من الأسبوع الأول من دوام ولدي في المدرسة ، في هذا اليوم قام تشارلس بدفع الأرجوحة بقوة نحو وجه إحدى الفتيات مما أدى إلى إصابتها إصابة عنيفة سببت نزفا في الرأس وهذا ما دفع المعلمة إلى معاقبته بإبقائه في الصف طوال فترات الاستراحة ، وحرمانه من اللعب مع الآخرين في الفسحة . يوم الخميس ، توجب على تشارلس أن يقف عند الحائط خلال حصة قراءة القصص ، لأنه ظل يدق برجله على الأرض حارما الآخرين فرصة الاستماع بهدوء للدرس ، الجمعة …حرم تشارلس من امتياز النهوض إلى السبورة ، لأنه رمى طبشورا على أحد التلاميذ .
يوم السبت ، لفت نظر زوجي ” إلا تعتقد إن روضة الأطفال هذه تفتقد إلى الاستقرار ؟كل هذه المتاعب التي يسببها تشارلس ، زائدا إن المدرسة تفتقد إلى قواعد تربوية سليمة ، كما إن التأثير السيئ الذي يسببه تشارلس على ابننا والآخرين ، سيؤدي لا شك إلى اضطرابات سلوكية ” لا باس ، سيكون كل شيء على ما يرام ” قال زوجي لطمأنتي ” أشخاص مثل تشارلس ، لا بد للمرء أن يلتقيهم عاجلا أم آجلا ” .
يوم الاثنين ، جاء ولدي متأخرا ، وفي جعبته كومة أخبار :
– تشارلس .. ( هتف …حالما ولج باب البيت ) وانتبهت بكامل كياني له ، إذ كنت متلهفة لسماع ما فعل تشارلس هذا اليوم …!
– تشارلس كان سيئ السلوك هذا اليوم أيضا .
– قل ما عندك بسرعة .. ماذا فعل تشارلس اليوم …!
– أتعلمين ماذا فعل تشارلس اليوم ؟ قالها وهو يتبعني إلى غرفة المعيشة حيث مائدة الغداء معدة سلفا ، حيث أكدت له أني لا اعرف ، أجاب بتلذذ :
– لقد بدا فجأة يصرخ صراخا مرعبا ، لقد أخاف الجميع .
قد هرول بعض منا إلى المعلمة لاستدعائها في الحال ، وحين جاءت من استراحتها أمرت تشارلس بان يبقي في الصف حتى بعد نهاية دوام المدرسة ، وقد ظللنا جميعا في المدرسة لمشاهدته .
– وماذا فعل هو ؟ ” سالت باهتمام ” .
– لقد جلس هناك دون أن يفعل شيئا ” أجابني وتابع ”
– لقد ترك لما بعد انتهاء الدوام . ”
– أي نوع من الأطفال هذا التشارلس ، كيف يبدو يا ترى ؟ ” قلت لزوجي الذي بدا عليه الانفعال هو أيضاً ، وتسائل بدوره محتدا ” :
– ما هو اسمه الكامل ؟ .
– انه اكبر مني ، ثم انه لا يأتي معه بأقلام ومساحات ، وهو لا يرتدي كنزه صوفية ! ” أجاب ولدي ، وسط دهشتنا لهذا الرّد الذي لا يفصح بشيء عن هوية تشارلس .
مساء هذا الاثنين كان لدينا في المدرسة لقاء الأباء بالمعلمين لدراسة أمور أبنائنا ومناقشتها مع الهيئة التعليمية ، لكني وللأسف الشديد لم استطع الحضور لبرد أصاب رضيعي ، كنت في غاية اللهفة للذهاب إلى المدرسة ورؤية تشارلس ، ولكني حرمت من هذه الفرصة ، في اليوم التالي جاءنا لورلي بخبر ليس عن تشارلس هذه المرة .
– أتعلمون .. معلمتنا ، جاءها زائر هذا اليوم ..!! .
– ماذا أهي أم تشارلس يا ترى ” هتفنا أنا وزوجي بصوت واحد ” .
– كلا ..” قال لورلي بازدراء ” .
– كلا انه شخص جاء وأعطانا تمارين :
– هذا جميل .. وتشارلس .. ألم يؤدي التمارين ” سألت باهتمام ..” .
– كلا تشارلس … لقد كان سيئا جدا مع صديق المعلمة ولم يسمح له بان يعطيه تمارين .
– ثم…. ” … تابع بعد هنيهة تفكير ” .
– لقد رفس صديق المعلمة .. بعد أن طلب منه أن يلمس إصبع قدمه كما افعل أنا هكذا الآن ” وأحنى جذعه إلى الأمام ليرينا كي فعل تشارلس ما طلبه منه صديق المعلمة ، ثم رفسه تشارلس ببطنه .
– ماذا تعتقد انهم سيفعلون مع تشارلس ؟ ” سألت زوجي ” .
– سيرمونه خارج المدرسة.. كما أظن ” أجاب بحنق وكأنه يتمنى أن هذا هو ما سيحصل ” .
– واستمرت أفاعيل تشارلس والمقالب المرعبة التي يفعلها ، وحيله الشيطانية ، محور حيلتنا طية الأسابيع الثلاث الأولى من بدء الدوام في المدرسة ، حين يبكي رضيعي بإلحاح في المساء ، صرت ادعوه تشارلس ، حين كر زوجي منفضة سجائره الأثيرة لديه ، هتف ” لقد أصبحت شريرا مثل تشارلس ” . ولكن فجأة لم يعد تشارلس ذلك الشرير المرعب الخبيث الذي عرفناه طيلة الأسابيع الثلاث الأولى .
– ماما … بابا ..تشارلس أيضا هذه المرة ، ولكنه لم يعد شريرا ..!! .
– ماذا تشارلس لم يعد شريرا … تشارلس لا يمكن إلا أن يكون شريرا ، وإلا ما كان هذا هو تشارلس الذي عرفناه ” هتف زوجي محتجا ، في حين كنت أنا في قمة الدهشة والترقب .
كان ينظر لنا ممزمزا بشبه ابتسامة ، وهو يتشاغل بالنظر إلينا ويمتنع عن إلقاء كل ما في جعبته حتى يزيد من لهفتنا واستجدائنا له للإفصاح عن كيفية وسر التحول الذي حصل لتشارلس .
– قل بالله عليك .. كيف إن تشارلس لم يعد شريرا .
– نعم هذا اليوم كان لطيفا مع المعلمة ، كان يجمع لها الطباشير المتساقط وينظف السبورة ، وكان يبتسم للمعلمة ، وقد .. قالت له أنت مساعدي منذ الآن فصاعدا ، وأعطته تفاحة ..!! .
– ماذا … تشارلس .. يساعد المعلمة ، التي كان برفسها ويرمي عليها الطباشير … وتعطيه تفاحة ، وتجعله مساعدا لها .. ما الذي جرى له .. كيف تغير هكذا .
– هكذا .. انه مساعد المعلمة ومراقب الصف الآن .. هي قالت له ذلك وكلنا سمعنا .
– أيمكن أن يكون ذلك ..؟ ” سال زوجي مندهشا ..” لكن ( لورلي ) كان قد غادر مهرولا نحو الخارج ، في هذا اليوم والأيام التالية تحول تشارلس إلى ملاك يثير من دهشتنا ما يتجاوز ما أثاره إبان مرحلة الشر التي سلفت ، كم أتمنى لو أقابل هذا التشارلس لأسال عن كيفية حدوث المعجزة التي غيرت حياته وأحالته إلى هذا الملهم ، المبدع ، المعاون للمعلمة ولكل الزملاء .
وهذا ذاته كان مطلب زوجي وأمنيته :
– لو فقط أصادف تشارلس أو أبيه وأساله ما الذي جد مع ابنهم ، وكيف حصل التحول .
– أنا سأراه ” قلت لزوجي ” .
– ربما في البدء أرى أمه ، وسأطلب منها أن تسمح لتشارلس بالمجيء لزيارتنا ، وان كان هو الأكبر في مدرسة الأطفال ، فإني سأتعرف عليه ، ربما يكون مفيدا لابننا بعد هذا التحول العظيم الذي حصل عنده .
– نعم … نعم وأنا أتمنى لو تعرفت على والده ، كم بودي لو حضرت لقاء الآباء والمعلمين في الأسبوع القادم لولا عملي المسائي ، عموما اعتمد عليك في هذا الأمر ، حاولي التعرف على أمه ومن ثم نتعرف عليه وعلى أبيه !
كان يوم اللقاء مشهودا ، كنت انتظره بفارغ الصبر وقد أزف ، كانت عيناي تجولان في الجالسات بحثا عن أم تشارلس ، عن امرأة تحمل لا شك في ملامحها اضطراب التحولات ، قطعا هي امرأة متناقضة ، ربما أرى عيون راهبة وشفاه او شعر ساحرة ، ربما هي امرأة محتشمة من الأمام وعارية من الخلف ، ربما تسلم علي بخشونة في البدء ثم تنفجر باكية معتذرة ، ربما… وربما ، لم أجد في كل من رأيت امرأة تبعث في النفس انطباعا أوليا غير مستحب ، او تثير الإعجاب والانبهار ، كلهن كنّ عاديات للغاية ، مثلي … مثل أي ربة بيت رضية النفس ، رائقة المزاج ، بسيطة التفكير ، وهذا ما زاد حيرتي ، ربما لم تأتى !! ، ربما هي ميتة أصلا ، او أنها في مكان بعيد الآن ، او ربما مريضة ، أو مطلقة ولا تعيش مع ابنها !! ، بينما كنت أتشاغل بالنظر إلى الأخريات دون اهتمام جدي بهذا الاستعراض الممل الذي قدمته ناضرة المدرسة : .
– لاحظت انك لم تاخذي لنفسك قدح من القهوة وبعض الكيك فجئتك به ، إذا أحببت ( جائني صوتها من الخلف بينما كانت عيناي تجولان في الحاضرين بحثاً عن أم تشارلس ) .
كانت معلمة أبني الشابة ، وننهضت لها محيية شاكرة هذا اللطف وتابعت :
– الحقيقة أنا راضية جدا عن لورلي ، انه ولد في غاية التهذيب واللطف ، أني فخورة حقا به في البدء فقط ، كان مشاغبا ولكنه تغير كثيرا وبالتدريج حتى وصل إلى هذا المستوى الطيب من الخلق والتهذيب والاهتمام الدراسي ، شعرت بالفخر لهذا الإطراء الذي خصت المعلمة به ابني ، ولكني بذات الوقت تأثرت للفترة الأولى من العام الدراسي والتي بدا فيها ابني سيئ الخلق ، فض السلوك … وددت أن اعتذر عنها ، فعلقت بلهجة اعتذار :
– ربما كان التأثير السيئ لتشارلس قويا في الأسابيع الأولى ..!!
– عفواً … ومن هذا التشارلس .. أجابتني .. ” ثم تابعت وهي تحدجني باستغراب …”
– ليس لدينا في صفُ أبنك شخصٌ باسم تشارلس .