Posted in مقال،إنطباعات،شعر

بورخيس متناولا الأدب الأنجليزي

 

هناء عليان

 

خل خورخي لويس بورخيس طوال حياته في حوار مفتوح مع العنف، وطالما كانت للسيوف والخناجر والشفرات علاقة مبهمة مع مفهوم الشرف والرجولة بالنسبة إليه. تلقى بورخيس، وفقاً لكاتب سيرته إدوين وليامسون، خنجراً من والده عندما كان صبياً صغيراً. الخنجر لم يكن للذكرى، بل أوصاه والده باستخدامه ضدّ أولاد الحي المتنمرين عليه بسبب ضعف بصره. كان يجب أن يظهر لهم «أنه رجل»، وإلا أصبح منبوذاً.

في عشرينات القرن الماضي، طاف بورخيس الأحياء الغامضة لبوينس آيرس، باحثاً عن رفقة الـ» cuchilleros»، وتعني بالإسبانية المقاتلين بالسكاكين. بنظره، شكل هؤلاء صورة معاصرة عن شعوب الكريول الأصلية التي استوطنت إسبانيا ومن ثم الأرجنتين. كان لديه حافزاً غريباً للتعرف عليهم والاندماج معهم.

ومن شدة تعلقه بالمدينة، قضى بورخيس نحو عقد كامل في محاولة كتابة قصيدة ملحمية من شأنها أن تقدم صورة بانورامية عن «بوينس آيرس التي عرفها والتي لا حدود لها». على غرار علاقة جيمس جويس الأدبية مع دبلن، كان للعاصمة الأرجنتينية حضور طاغٍ في أعمال بورخيس. أراد الكاتب الشاب أن يلقي الضوء على سلالة الكريول في العاصمة، بخناجرها وسكاكينها، وطرقها الخارجة على القانون لتكريس الشرف والرجولة. مع الوقت، تخلى بورخيس عن هذا الهوس، لكنّ تعلقه بالكريول واصل تحريك مخيلته، وتجلى في أبرز الروايات التي كتبها مثل «الجنوب»، «رجل ميت»، «الدخيل».

حاول بورخيس غالباً تمويه الطبيعة الأرجنتينية الحاضرة بقوة في أعماله من خلال طروحاته الميتافيزيقية والمراجع الأدبية المتعددة التي يشير إليها. لكن انغماسه في التاريخ والسياسة والثقافة الأرجنتينية، واعتقاده بأن قدر بلاده متشابك إلى حد كبير مع قدره، استمرا تقريباً حتى نهاية حياته.

كان للسياسة بعد عاطفي لديه. لم تكن عائلته ثرية، لكنه كان من سلالة مرموقة. سميت بعض أبرز الشوارع في بوينس آيرس تيمناً بأجداده، أبرزهم إيزيدورو سواريز، جده الأكبر لوالدته، وهو بطل معركة جونين 1824 التي كان لها دور كبير في حرب أميركا اللاتينية واستقلالها عن إسبانيا. المفارقة أن جدّه خاض المعركة في جبال الأنديز البيروفية، بالسيوف والرماح، فلا عجب أن تكون علاقة بورخيس الحفيد بالسكاكين والخناجر قوية إلى هذا الحد، وجلية في أعماله الشعرية والنثرية.

في إحدى قصائده كتب يقول «أخيراً دوى الانفجار، أخيراً الشفرة القاسية تمزق صدري، الخنجر الحميم يحز على حنجرتي». لم يكن بورخيس يحتفل بالموت العنيف، إنما يعلّق بألم على انقلاب عام 1943 في الأرجنتين المتعاطف مع النازيين. كان بورخيس مناهضاً صريحاً للفاشية في تلك السنوات الحرجة. وخلال الحرب العالمية الثانية، أبدى انحيازه التام إلى الكتّاب الاشتراكيين. في عهد حكومة خوان دومينغو بيرون ونهجها القمعي في أوائل الخمسينات، كانت تحركاته ومحاضراته مراقبة تماماً كونه كان يسخر على الدوام من بيرون. مع ذلك، كانت مواقفه السياسية متضاربة في بعض الأحيان.

من حيث المبدأ، قال بورخيس إنه يفضل الديموقراطية لكنه اشترط ألا تكون «تلك الديمقراطية المشابهة للنمط الأوروبي»، إذ كان قلقاً من أن يؤدي ذلك إلى تغيير الهوية السياسية للأرجنتين لتصبح أكثر تشبهاً بالأميركيين أو الأوروبيين، وهو ما يهدد، برأيه، طبيعة بلاده. اعتقد بشكل مضلل أن ما يلزم الأرجنتين هو حكم ديكتاتوري مستنير من شأنه تدريب المواطنين وتعريفهم على سبل الديموقراطية الحقيقية، ومن ثم الإشراف على انتخابات حرة في مرحلة لاحقة بعد إعداد الشعب لذلك، وبالتالي ترسيخ الديموقراطية.

تأييده العلني لأعمال القمع التي مارسها خورخي رفائيل فيديلا في الأرجنتين وأوغستو بينوشيه في تشيلي في السبعينات ترك وصمة عار دائمة على سمعته. في وقت لاحق، بعد انكشاف الأمور، عاد بورخيس وأبدى ندمه على دعم حكومة فيديلا العسكرية، واصفاً أعضاء المجلس العسكري بـ «أفراد العصابات» و»المجانين» الذين يجب محاكمتهم على جرائمهم.

رغم مواقفه السياسية، حققت كتاباته نجاحاً ساحقاً، ولا تزال دور النشر حتى اليوم مهتمة بإعادة نشرها. وفي هذا الإطار، صدر حديثاً كتاب «البروفيسور بورخيس» (دار نيو دايركشن)، الذي يشمل النص الحرفي لمحاضرات بورخيس الكاملة في الأدب الإنكليزي عندما كان يدرّس في جامعة بوينس آيرس في عام 1966.

في ذلك العام، دعي بورخيس (ولم يكن قد حقق شهرة أدبية عالمية بعد) إلى بوينس آيرس لإعطاء سلسلة من المحاضرات عن تاريخ الأدب الإنكليزي. أعطى البروفيسور بورخيس خمس وعشرين محاضرة في الشعر والأدب بدءاً من الأنغلو ساكسونية وانتهاء بالعصر الفيكتوري. تمّ تسجيل هذه المحاضرات صوتياً ومن ثم تفريغها لكي يتمكن الطلاب الآخرون من الاطلاع عليها. فقدت التسجيلات الأصلية للمحاضرات، لكنّ النسخ الورقية بقيت وتم جمعها في هذا الكتاب.

يبدأ الكتاب مع بيوولف وينتهي مع روبرت لويس ستيفنسون وأوسكار وايلد. وليس من المستغرب أن تكون مناقشة بورخيس للملاحم الأنغلوسكسونية القديمة، الأهم في الكتاب. كان بورخيس قرأ الترجمات الإنكليزية للملاحم، وعندما بلغ التاسعة والخمسين من عمره، قرر التعمق بالأنغلوسكسونية الأدبية، وهذا ما وصفه بأنه «تأمّل نقيّ بفجر اللغة». أبدى إعجابه بـ «مقطع فينسبيرغ»، رغم أنه يتضمن ستين بيتاً فقط، تم العثور عليها من أصل قصيدة طويلة، كتبت في مطلع القرن السابع عشر. وهي تتحدث عن أميرة دنماركية تم تزويجها إلى فين، ملك فيريزيا، بغية تجنب الحرب، لتحدث بعد ذلك مأساة عائلية.

برأيه، قبل القرن التاسع، برع الشعراء في وصف المعارك، والشجاعة، والإخلاص بلغة قاسية. «بيوولف»، على سبيل المثل، «لم تكن مجرد قصيدة بل قدمت لمحة عن الناس الذين عاشوا في تلك الحقبة». ولكن بدءاً من القرن التاسع بدأت القصائد تتخذ شكل المراثي، وهو ما يسميه البروفيسور بورخيس «القصائد الشخصية ذات اللهجة السوداوية» كقصيدة «البحارة»، مشيراً إلى أن من كتب هذه القصائد ليسوا الإنغلو ساكسون بل ربما الناجين من غزواتهم.

Advertisements
Posted in إنطباعات،شعر

الدهشة طرق الباب للمعرفة _شذرات

ترجمة واعداد عدنان المبارك

خوسيه اورتيغا إي غاست

نتيجة بحث الصور

– الانسان  قصور  insufficiency  حيّ .

 – ما يميز اللحظ الراهنة أن العقول العادية والتافهة التي تعرف بأنها  هكذا لكنها تطلب ، بوقاحة ، الحق في أن تكون عادية وتافهة و فرض  هذه الخصائص على الجميع.

– نسمّي الناس الذين يحيون بهذه الطريقة جموعا وليس لعددهم  بل لأن حياتهم محرومة من القوة والارادة.

– الانسان في الوحدة لاغير يكون مطابقا لنفسه.

– أنا هو أنا ومحيطي. لا أحمي نفسي اذا لم أحم محيطي.

– كل واحد منا جاهل لكن في مختلف حقول المعرفة.

– الأكثر راديكالية بين التقسيمات الممكنة  التي بالامكان تطبيقها  بين الناس تقسيمهم الى طبقتين : الذين يطلبون الكثير من النفس ولايبخلون بالمصاعب  والواجبات  ، والثانية تشمل  الذين لايطالبون النفس بأيّ شيء خاص عدا أن يحيوا  مما يعني في كل لحظة أن يكونوا من هم فعلا وبدون ارغام  النفس على أيّ كمال ، ببساطة هم شبيهون بالعوّامات التي تحملها الأمواج.

– يكفي أننا قد منحنا الفرصة كي نقدر على أن نكون من نريد.

–  الدهشة والمفاجأة هما بداية الفهم.  هذه رياضة متميزة وحصرية وترف المثقفين.  ولذلك تكون اللفتة المميزة لهم أنهم ينظرون  بحدقات واسعة  الى العالم وكلهم دهشة. العالم المحيط بنا غريب ورائع اذا نظرنا اليه بعيون مفتوحة. بالضبط يكون الخضوع للدهشة البهيجة هي  متعة لايمكن للاعب كرة القدم الوصول اليها لكن بفضلها يمضي المثقف في الحياة وهو غارق في ثمل تكون علامته الخارجية الدهشة الظاهرة في العينين. ولذلك أيضا كانت البومة رمز مينرفا في العصور القديمة  أي الطير ذو العينين المفتوحتينواسعا كما لو أنهما في دهشة خرساء.

– ليس للانسان طبيعة بل تأريخ . الكائن البشري كائن تأريخي.

–  لا كينونة للأنسان أبدا بمعزل عن الواقع ، ف( أنا )ه في مواجهة دائمة مع العالم.

– مهمة التأريخ ليس مجرد تقديم حقائق جافة  بل تفسيرها.

– كل فرد يملك موقع الرؤية الخاص به ومعه منظور العالم  ، ولا يمكن القول  بأن العالم  المرئي هو نفسه من كل منظور. فكل واحد يملك صيغته الخاصة بالواقع.

– التفلسف وحده أهم من تحقيق الأهداف ( السعي الى  الحقيقة الخاصة   بفضله ).

– حين لايشعر الفرد بأنه متجذّر في العالم يبدأ التركيزعلى الجماعة التي ينتمي اليها ، ويصبح عرضة للتلاعب ، وقد يفقد فرديته.

– مقرّر determinant  كوني انسانا هو القدرة على أن أكون في الذات ،   أي بناء عالمي الخاص.

-. الحياة البيولوجية والثقافة لايمكن فصلهما، ولايمكن فهمهما بدون الذات.

– العقل- الحيوية mindvitalism هي وصل العقل بالحيوية التلقائية.

– هناك ثقافات في طورالأجنّة وثقافات تحققت.

– على المجتمع أن يكون أرستقراطيا كي يكون مجتمعا (الأرستقراطية تفهم بطريقة روحية وليس كأرستقراطية بحكم المنحدر).

– أساس وجود الثقافة وجود معاييرمعينة.

– ليس من المفروض أن تسود الجموع على المجتمع، فهذا يثير أزمة  تسمّى تمرد الجموع.

– الجموع وجدت من قبل لكنها لم تكن بمثل هذه الكثافة وكما هي الآن  . ازاء ذلك لم تكن  مرئية الى هذه الدرجة.

– يتالف المجتمع من الجموع ( مجموع  أشخاص عاديين )  وأقلية  ( أشخاص يتميزون بصفات معينة ).

– في أثناء التطور التاريخي ارتفع مستوى الحياة ( فيما يخص اثراء الجموع وتعلّم المجتمع ) – الجموع حققت مستوى الترف الذي كان في زمن ما مقصورا على الأرستقراطية.

– لسيادة الجموع جوانب ايجابية. مثلا : الرفع العام لمستوى الحياة.

– أزماننا أزمان الاكتمال- الجميع شبعى وراضون، وليس هناك من سعي الى أيّ شيء . لدى الانسان شعور بأن الامكانيات المتوفرة لديه هي أكبر من أي حقبة من تأريخ البشرية.

– انسان الجموع هو انسان لا هدفا مرسوما لحياته ، انسان تجرفه الحياة  ولايخلق أيّ شيء رغم أنه يملك امكانيات كبيرة.

– الديمقراطية الليبرالية المرساة على التكنيك هي  اعلى طراز من الحياة عرف لغاية الآن لكن لا يمكن القول بأنه أحسن الحلول الممكنة. كما أن العودة الى أيّ كان من الاشكال السابقة هو أمرغير ممكن.

–  في حياة انسان الجموع تسود الراحة و لنظام  والتسهيل العام في القضايا المادية ، كما ليس هناك حواجز اجتماعية ،هناك مساواة أمام القانون.

– العوامل  التي سمحت بخلق مثل هذا الواقع  هي الديمقرطية الليبرالية  والفحوص العلمية والتصنيع.

– الجموع قليلة الذكاء ومدللّة ، لايعنيها شيء سوى الرفاهية.

– انسان الجموع يعتبر نفسه  تجسيدا للكمال ، يطالب  كي تكون  العمومية commonness  قانونا سائدا . لديه  مجموعة  من ( الافكار ) الجاهزة لكنه لا يملك القابلية على التفكير.

– الانسان من الناحية الفكرية  جماعي ، وحين يقف أمام مشكلة  ما  يكتفي بأفكار  تخطر بباله  مباشرة  ، أما الانسان البارز لا يكتفي بذلك فهو يعترف بما يعلوه وأن عليه أن يحققه بجهده.

– الحياة النبيلة  تعتمد على النظام  و ما يحددها المتطلبات  و الواجبات  ، هي على الضد من  الحياة العادية التي  تطلق العنان  لجميع  الرغبات و الميول.

– النبالة  مرادفة  للحياة التي على استعداد دائم الى التحسين الذاتي ولذا هي مليئة بالصعوبات والتضحيات.

–  الجموع لا تشعر بالجميل للذين ضمنوا لها الرفاهية، هي غير معنية  بالتطور التالي الذي يضمن الرفاهية للأجيال التالية.

– انسان الجموع  راض عن نفسه  ويشعر بالراحة والأمان في حياته     ويفرض على الجميع معتقداته ويتدخل في  كل شيء – انه بربري.

– في عالم اليوم  غالبما ما يظهر  طراز ( الأبن المدلّل للسيّد ) الذي يعتبر أنه مسموح له بكل شيء وأن الجميع  سيسامحونه ومهما كانت أفعاله.

– في زمن ما كان ممكنا تقسيم الناس الى عقلاء وحمقى ،  أما اليوم فظهرت مرتبة ( الاختصاصي ) الذي ليس ممكنا  درجه في أيّ جماعة – هو  جاهل في جميع القضايا عدا الحقل الذي يتخصص فيه.  وهكذا هو انسان عاقل – أحمق.

– ترغيب الجموع كي تتصرف وفق ارادتها يعني تحريضها كي تتمرد على مصيرها ، فهي لا تعرف غير طريقة واحدة في التصرف : الاعدام خارج نطاق القانون.

– الخطر الأكبر على عالم اليوم  تدويل الحياة ، والتدخل المبالغ فيه  للدولة ، وامتصاصها لكل عفوية اجتماعية.

Posted in مقال،إنطباعات،شعر

رسائل غير منشورة لألبير كامو عزيزي سارتر لم تكن صداقتنا موفّقة وأنا نادم عليها!

c20n1

ترجمة وتقديم: كوليت مرشليان

ما بين المعرض المخصّص له في منطقة لورمارين الفرنسية ومراسلاته المشوّقة التي تصدر في الشهر المقبل، يبدو صاحب رواية “الغريب” الكاتب الفرنسي ألبير كامو نجم موسم الخريف الثقافي في باريس. المراسلات غير المنشورة له سيكون لها وقعها على القرّاء لما تحمله من جديد حول علاقته ومناقشاته مع جان بول سارتر في شؤون الأدب والكتابة وفي إطار الفلسفة الوجودية والجدل الكبير الذي أثارته مؤلفات الاثنين في الحقبة الذهبية أي في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين وما قبله قليلاً، وفي إحداها كتب كامو: “عزيزي سارتر، أتمنى لك العمل الكثيف أنت والكاستور. حسناً! لأننا أنجزنا عملاً سيئاً مع أصدقائنا، كان سيئاً لدرجة أنني لم أنم ليلاً بعدها. أرسل إليّ إشارة حين تعود وسنقضي سهرة ممتعة. صداقتي، كامو”.

هذه الرسالة مفصلية لأنه ليس ما يدل الى طبيعة العمل الذي يتحدث عن كامو ولم يُعرف سوى أن الرسالة مؤرخة يوم الاثنين، كما لم يعرف القارئ ما كان جواب سارتر، غير أن الرسائل التي في حوزة هيرفي وايا فالنتان ستعطي إجابات عن الرسائل الألغاز التي نُشر بعضها في عدد من الصحف في القرن الماضي. ولكن ما كان هذا العمل السيئ الذي تناقشنا حوله؟ وهذه العبارة “عزيزي سارتر” هل كان يقولها ويكتبها كامو من دون أن يقصدها فعلاً؟.
وذلك لأن الحرب التي كانت معلنة بين الاثنين لم تكن سهلة، خصوصاً أن كامو الذي سينال بعد حين “جائزة نوبل للآداب” لم يكن يوافق سارتر في الكثير من تفاصيل “وجوديته” وفلسفته ومسرحه الذي صب فيها. ولكن ما ليس معروفاً تماماً هو أنه وقبل كل هذه “المباراة الفكرية” والحماسية التي شغلت العالم ما بين كامو وسارتر وتحدّث عنها وحلّلها العديدون طوال القرن العشرين، كان ثمّة مرحلة قبلها، حيث كان الاثنان في خندق واحد. ففي حزيران من العام 1943، قُدّمت مسرحية “الذباب” لسارتر في باريس المحتلة وكانت رواية “الغريب” قد صدرت قبل عام. اعتبر سارتر أن صاحب “الغريب” “كاتب “لطيف” وقدّم له صديقته سيمون دوبوفوار وكانوا يجلسون سوية في “كافيه دوفلور” وتحدثا عن محاولة وإمكانية تقديم مسرحية “جلسة سرية” وبما أن كامو كان قدّم أعمالاً سابقة في الجزائر، اقترح على سارتر أن يخرجها بنفسه وأن يلعب فيها أيضاً دور “غارسين”. بدأت التمارين في غرفة من “فندق كاستور” وقد كتب كامو عن ذلك للكاتب بونج في كانون الثاني من العام 1944 فقال له: “ما لم تفاجئنا بعض العقبات، سنقدّم “جلسة سرّية” في مدينة ليون في نهاية شباط القادم. إنها مسرحية غريبة وأنا حاولت أن أعبّر عنها بأقل وسائل ممكنة أي نوع من الإخراج الذي لا نلحظه. ولكن لا أعرف ما ستكون النتيجة على الجمهور…”.

وفعلياً لم يعرف ذلك كامو بعدها. فالعرض توقفت تمارينه الأخيرة بعد أن ألقي القبض على إحدى الممثلات الرئيسيات في العمل من قبل المحتلين الألمان وحصلت مشاكل أخرى أيضاً. وإذا كان هذا هو العمل السيئ الذي يتحدث عنه كامو في إحدى رسائله اللغز الى سارتر، فهو يقصد بالطبع أن أول عمل له مع سارتر ترك له انطباعاً سيئاً لأنه لم يُثمر. غير أن المسرحية ستعرض بعد حين أي في 27 أيار من العام 1944 في “فيو كولومبيّيه” ولكن مع فريق عمل آخر: فصاحب كتاب “الطاعون” لم يكن مناسباً له العمل مع صاحب “الأيدي القذرة” فهما لم يكونا يملكان طبيعة متشابهة. أو على الأقل هذا الكلام قال سارتر شيئاً مشابهاً له في آب 1952 في “الأزمنة العصرية” أو يمكن القول بأن حكمه كان شريراً وقاسياً تجاه كامو. وفي إحدى الرسائل كتب سارتر: “عزيزي كامو، لم تكن صداقتنا سهلة وأنا نادم عليها(…) ثمة خليط من المشاعر لم يشجعني لأقول لك بعض الحقائق الكاملة(…) ولكن قلْ لي يا كامو، بأي سرّ أو لغز يمكن أن نُقارب ونناقش مؤلفاتك من دون أن ننزع حق الحياة من الإنسانية؟(…)، أو ربما أن كتابك هو شهادة وبكل بساطة على عدم نضجك فلسفياً؟.
هذه الرسائل وغيرها ستُنشر في المعرض المخصص لها في بداية أيلول المقبل في لورمارين ولكن سيرى الزائر أيضاً رسائل أخرى في المعرض تبادلها كامو مع اندريه مالرو الذي عرّفه الى “دار نشر غاليمار” منذ العام 1940، كذلك مع ريمون كينو وفرانسوا مورياك واندريه جيد وغيرهم… وثمة سبب آخر للمعرض الخريفي وهو تاريخ مولد كامو في 7 تشرين الثاني من العام 1913، أي أنه سيكون متزامناً مع مئوية مولده. نقتطف من الرسائل غير المنشورة البعض منها نشرتها مجلة لونوفيل أوبسيرفاتور”:

[ رسالة الى الكاتب لوي غييّو (صاحب رواية “منزل الشعب” ورواية “الدم الأسود”)
12 أيلول 1946
“الطاعون” لم يصل الى مبتغاه…
أنا مذنب بحق، لكن الأمور لا تجري بشكل جيّد معي(…) وفي آخر المطاف، وضعت النهاية لكتاب “الطاعون” ولكن لديّ الإحساس بأن هذا الكتاب لم يصل معي الى مبتغاه، وكأنني قد أخطأت من شدة الحماسة وهذه الهفوة تبدو لي فظيعة ومتعبة. سوف أحتفظ به في درج مكتبي وكأنه شيء ما يشعرني بالقرف(…).
أريد أن أترك باريس بشكل نهائي لأعيش في الريف لأفكر وأعمل كما أستطيع. وما عدا ذلك، ليس لديّ أي رغبة في أمور أخرى. ولكن هناك قضية “بيفتيك”، ولكن أنت تعرف هذا النوع من الحالات، وأفضل أن أتحدث عن شيء آخر(…).
غيّيو ولويس، أرغب بشدة أن أراكما. ولكن بالتأكيد إنها الآن تمطر بشدة عندكما وأنا راغب بالشمس والدفء. إذاً تعالا حالما تتمكّنان من ذلك. أما بالنسبة الى ابنتك، أظن أنها فقط مسألة أموال. ويمكن أن أمدّك بالمال مسبقاً إذا أردت ذلك. هذه الأمور نقبل بها فقط حين تأتي من قبل الأصدقاء. من ناحية ثانية، يمكن أن ترسل بعض الكتابات الى مجلة “نضال” أو “كومّبا” (ولكن ليس أكثر من ثلاث صفحات مصفوفة على الآلة الكاتبة مع عنوانين داخليين فقط) وسوف يدفعون لك حوالى ثلاثة آلاف فرنك للمقالة الواحدة.
انتظر جوابك، أو انتظرك أنت شخصياً وهذا أفضل. صداقتي لزوجتك وابنتك. ولك منّي عاطفتي المخلصة.

[ رسالة الى فرنسيس بونج
20 أيلول 1943
(…) لديّ الكثير لأقوله حول مسألة “الكاثوليكية” ولكن يبدو أننا لسنا متفقين حول الطريقة التي تنتقد أنت فيها الموضوع. فإذا كانت فلسفتها غير فلسفتي، وإذا كنتُ أجد نفسي قادراً على مناقشتها حول تفاصيل عديدة، إلاّ أنني لا أملك تجاهها مشاعر كراهية. وعند هذه النقطة بالذات، أظن أن الفلسفة المادية لم تخدمنا كما لم تعلمنا شيئاً. وإذا اعتبرنا أن العقيدة قد وضعت من أجل أن نصل الى استخدامها، فهذا يجعلنا نخلط في المشاريع أو المخططات التاريخية. لأنه بالتأكيد أنها قد وضعت من أجل استغلالها واستثمارها. ولكن هذا مصير كل عقيدة حين تُستخدم بأسلوب غير عادل وحين نبعد عن العدالة لا نعود ننظر الى الوسائل التي أوصلت الى ذلك. فأنا مثلاً لا أظن أن نظرية نيتشيه قد أصبحت نظرية مخجلة بمجرد أن هناك من استخدمها ليجعلها كذلك. وبشكل عام، إذا كنا نريد العدالة وذاك الجزء من الحقيقة الذي يخصّنا، فليس علينا أن نحكم على عقيدة نسبة الى الذين استهلكوها وجعلوها في الحضيض على طريقتهم بل علينا أن ننظر اليها في قمتها. ولا أظن مثلاً أن باسكال ونيومن وبرنانوس… حتى لا اسمي سوى الذين تذكرتهم الآن، لم يفكروا ويعانوا ويتحركوا من أجل الاستغلال والاستثمار لأفكارهم…
وأظن أن نظرتي الأخيرة حيال هذا الموضوع أن أفضل طريقة لنقاوم ضدّ العالم الخالد عبر الحقائق الإنسانية النسبية وأن نعمل عبر قلب الإنسان (وفي عمق قلبه) تلك العدالة حيث كل إبداع هو “أفكار” وما يقف أمام فكرة الله بالدرجة الأولى هو الاختراع الإنساني الذي سمّاه العدالة(…).
أرجوك، عزيزي بونج (فرانسيس) أن تسامحني على هذه الرسالة الطويلة والمتناقضة. ولولا عدم اتفاقنا على كل الأمور لكم كانت الأشياء مضجرة. ولكن في الواقع، نحن نتفق على قضايا كثيرة، ما عدا جزءاً صغيراً داخلياً أشعر بأنه لي وحدي ولا يدركه أحد ربما هو الجزء الذي لا أدركه أنا بنفسي تماماً والذي نقتله أحياناً.
إنه الجزء المتعلق بسوء التفاهم. وأتمنى أن أصل في يوم من الأيام وعبر إرادة صلبة الى حكمة عالية قادرة على أن تتلقى كل شيء وأن تهضمه بسهولة، حينها ستحبني أكثر. غير أنها مسألة وقت ولكننا جميعنا لسنا أكيدين من أننا سنحصل على الوقت الكافي(…) أشدّ على يدك.
[ إلى روجيه مارتن دي غارد
أول كانون الأول 1957
كيف يمكنني أن أشكرك مرة أخرى على هذه النصائح الثمينة، وخصوصاً تلك الثقة التي أوليتني اياها من خلال إرسالي هذه الصفحات من يومياتك!
(…) ما تقوله لي عن خطاب نوبل سيساعدني، ويرهبني أيضاً. أظن أنني سأحاول أن أقول ما هو بالنسبة إلي دور الكاتب. بدأت ثم مزقت ثم استأنفت، وأنا أحس بأن عليّ أن أعيد كل شيء. آه! أنا متلهف الى العودة الى عملي، والى الصمت! فأنا عندي الآن البرنامج الكامل لستوكهولم.
فبالنسبة الى شخص لطالما هرب من الأمكنة الرسمية، أي عصر هضم! ميشال وكلود غ(ليمارد) يرافقانني، ويعتينان بي. سنستقل القطار، في الخامس عشر بعد ست دورات لا أمل أن أخرج منتصراً! أرسل إليك بالبريد ذاته “يومياتك” التي حافظت عليها طيلة الوقت في الاستديو، والتي لا يعرف أحد شيئاً عنها. أرفق بها كل الشكر الجزيل، فسيكون من المفيد والمعين لي أن أفكر فيك، هناك.

 

Posted in مقال،شعر

آلان باديو.. أن تبتكر الحب والحياة

ترجمة : وئام مختار

“في عالم تشيع فيه النزعة الاستهلاكية، حيث يعدنا التواعد عن طريق الإنترنت برومانسية خالية من المخاطر، ويُرى الحُب كشكل مختلف من الرغبة والمُتعة. يؤمن آلان باديو أن الحُب مهدّد“

بهذه الجُملة الجذّابة، تبدأ كلمة ظهر غلاف كتاب “في مدح الحب” لآلان باديو المُترجم إلى العربيّة أخيرًا، والصادر عن “دار التنوير”، ترجمة غادة الحلواني.

 قرأت ظهر الغلاف، وقررت أن أعرف أكثر عن الحُب من خلال هذا الفيلسوف الفرنسي الشهير، وسألت نفسي: هل لا يزال هناك من يتحدّث عن هذه المشاعِر لذاتها؟

الان باديو

وُلد الفيلسوف الفرنسي آلان باديو في الرباط بالمغرب، سنة 1937. من أهم مؤلفاته “معنى ساركوزي”، و”الوجود والحدث”، و”الأخلاق: مقالة حول مفهوم الشر”، يعتبره الكثيرون أحد آخر عظماء جيل ثورة 1968 بباريس، وبالرغم من الحضور القويّ له في الساحة الفلسفيّة الفرنسيّة منذ الستينيّات، إلا أن اسمه تأخر في الظهور عالميًا حتى نهاية التسعينيّات، حين صدرت الترجمة الإنجليزيّة لكتابه «بيان من أجل الفلسفة» (1989)، ثم تلاحقت الترجمات بسرعة كبيرة، بعدما أدرك الجميع أنّهم أمام عقلٍ فكريّ فريد يتوازى لديه عمق الفلسفة ونظريّاتها المتشابكة، مع سلاسة الأفكار والأطروحات.

يبدأ هذا الكتاب الصغير –حوالي 125 صفحة– بمقدمة من أربعين صفحة عن فلسفة باديو، وهي مدخل مُبسّط لفهم فلسفة الرجل، كتبها فابيان تاربي، يتجوّل فيها في منهج باديو الفلسفي سريعًا، نظريته عن الوجود ونظرته إلى الأخلاق، مرورًا بتطوّر فكره عن السعادة والحقيقة وغيرها من المعاني الفلسفيّة.

يُمكنك المرور على المقدّمة مرور الكرام إذا لم تكُن مهتمًا بالفلسفة، فالحوار بين باديو ونيكولا ترونج –متن الكتاب– بلغة بسيطة ومفهومة،  ترجمة مُتميّزة من غادة الحلواني، نجحت في إيصال المعنى دون تعقِيدات، ودون الحاجَة إلى كثير من الهوامِش.

 بدأه باديو بعبارةٍ لرامبو تقول

“إن الحُب، كما نعلم، يجب أن يُبتكر من جديد“، ثم يمضي ليطرح أفكاره عن الحُب في زمن الاستهلاك، عبر ستّة فصول يكون فيها الحُب تحت التهديد، ثم علاقة الفلاسفة به، ثم بناء الحُب، وحقيقته، وتشابُكه مع السياسة والفن.

يرى باديو في المُقدّمة، أن الفيلسوف يجب أن يكون “عالمًا بارعًا وشاعرًا هاويًا وناشطًا سياسيًا، بل وعليه أن يقبل حقيقة أن حقل الفكر ليس محصنًا أبدًا أمام انقضاضات الحُب”.

ثُم يندفع إلى التأكيد، أن الحُب اليوم مُهدد بفكرة نزع المعاناة، التي تروّج لها المواقع الإلكترونية في زمن ما بعد الحداثة، ويورد مثالًا لموقع meetic ميتيك، الذي يستخدم شعارات تنزع عنه عامل الصدفة، حيث يكون كاملًا لكن دون نشوة، ولا يُمكننا الغرق في حبائله.

لا يُمكن نزع المخاطرة عن الحُب في نظر باديو، الذي يشّبه المحاولات العصريّة ل”تأمين” عمليّة اختيار الشريك، بالزيجات المرتبّة ترتيبًا مُسبقًا تحت مظلّة العائلة وبموافقة أفرادها، حيث يحمل هذا الزواج احتمال “صفر مخاطرة” مثله مثل دعاية الجيش الأمريكيّ بشأن “القنابل الذكيّة”، حيث المخاطر ستلحق بالآخر لأنّه لا ينتمي إلى الحداثة، ومثل الحروب المحصنة ضد الموت، بعبارة “صفر قتلى”.

يشتبك باديو بعدها مع الفلاسفة الذين تحدّثوا عن الحُب، كيركجارد، وسيمون دو بوفوار، جاك لاكان وأفلاطون، مُعترفاً أن علاقة الفلاسفة به مسألة مُعقّدة، ويعود في هذا إلى كتاب “الفلاسفة والحُب من سقراط إلى سيمون دو بوفوار” تأليف أودي لانسلين وماري ليمونييه. وينتهي إلى أنه يراه كمشروع وجودي: بناء العالم من وجهة نظر تبتعد عن مركزية الدافع البسيط للبقاء على قيد الحياة والمصلحة المباشرة.

ثم يذهب إلى مفهومه الخاص عن الحُب: هو”إعادة ابتكار للحياة”، يقول” إن الُحب ليس ببساطة عن لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية: إنه بناء؛ حياة تُصنع، لم تعد من منظور واحد منذ تلك اللحظة، بل من منظور اثنين. وهذا ما سمّيته “مشهد من اثنين”. لم يهتم باديو بالبدايات قدر اهتمامه بقضيّتي الاستمرارية والصيرورة.

يتطرّق باديو أيضًا إلى الرغبة الجنسيّة، والنظريات القائلة بأنها أساس الحُب، أو أنّه مجرّد غطاء لهذه الرغبة، وكيف أن الحُب يُقوَّض باستخدام دعاية تستخدم بث شعور الأمان لتَصل إلى الأذهان: ” اسمع، لو لديك رغبة جنسية، اشبعها. إنك لا تحتاج أن تقع أسير فكرة أنك يجب أن تحب شخصًا ما، انس كُل هذا واشبع رغبتك فقط”.

يرى باديو أن الحُب يحفر في طريقه هذهِ الرغبة، وهذهِ الرغبة هي ما تميّزه عن الصداقة، وما تربطه بكُليّة وجود الآخر، فالاستسلام للحُب، يعني أيضًا أن تُعلن عن ذلك جسديًا وليس فقط بالكلمات.

يُناقش بعد ذلك حقيقة الحُب، شارحًا لماذا تجذب قصص الغرام الكاملة الكبيرة انتباه الجماهير، ولماذا تلقى كُل هذه الأفلام والكُتب والقصائد اهتمام الجماهير الغفيرة، مهما كان عددها ومهما تكررت الأحداث، والسبب في رأي باديو،”أيًا كان الحُب فهو يعطينا دليلاً جديدًا على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المُنعزل”

وينتقل من هنا إلى التشابه بين السياسة والحُب، مع وجوب فصلهما، ففي السياسة لا يوجد ما يُسمى “سياسة الحُب”، هذا تعبير قد يؤدي إلى نوع ما من الأخلاق، لكن لن يؤدي إلى أي نوع من السياسة، ويُضيف أنه في السياسة يوجد أشخاص لا نحبّهم، ولا يستطيع أي أحد أن يتوقّع منا غير ذلك، ويتعمّق في علاقة الحُب بالشيوعية، ويذهب قليلاً إلى المسيحيّة ” دين الحُب” وعلاقتها بالتأسيس اللاهوتي للكلمة.

يشير باديو أخيرًا في لمحة ذكيّة إلى أنّ الأدب لا يضم إلا القليل من الأعمال التي تؤكد استمراريّة الحُب عبر الزمن، إذ أنّ معظم الأعمال الأدبيّة العظيمة تدور حول استحالة الحُب، وتراجيديّته، ونهايته، وتنتهي القصص الكبيرة باللقاء، وليس بالديمومة، بعكس المسرح، الذي يشدّد دومًا على الحُب كأداة للتمرّد الطبقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ: فهو في المسرح “تراجيديا”.
ويختتم باديو الكتاب بنسف الصورة النمطيّة  لبلده فرنسا: أي بلد التنوير والحريّات والثورات المُتكررة؛ ويؤكّد أنّ ثمة تاريخين مُتضافرين لفرنسا، يتوازى فيهما التمرد الثوريّ العظيم مع الرجعيّة.

“إننا في الحُب نثق في الاختلاف عوضًا عن الشك فيه، أما الرجعيّة فترتاب دومًا في الاختلاف باسم الهُويّة“.

وفي الخاتمة يقول:

“أحبّك” تعني: أنت ينبوع وجودي في هذا العالم. في مياه هذا الينبوع، أرى فَرَحنا. وأرى فَرَحك أولاً. أرى كما في قصيدة مالارميه: في الموجة التي تكوّنها نشوتك العارية“.

Posted in قصة_قصيرة،مقال،شعر

مؤتمر الترجمة وإشكالات المثقافة 3 تغطية

looks

مؤتمر الترجمة وإشكالات المثقافة 3

تغطية إقبال عبيد

عقد الأثنين 12/ ديسمبر المؤتمر الدولي للترجمة وإشكالات المثقافة في العاصمة الدوحة في فندق سانت ريجس في دورته الثالثة .افتتح الدكتور محمد الأحمري مدير منتدى العلاقات العربية والدولية بدء انطلاق محاور ومناقشات المؤتمر مؤكداً على أهمية إن لغتنا العربية هي عنوان هويتنا، وهي الرابطة بين الناطقين بالضاد، وهي أهم صلات الماضي بالحاضر والمستقبل فاللغة رابطة محبة و تفاهم و تطوير للمهتمين للترجمة من وإلى العربية ، فالترجمة يصفها كالنسيج والمترجم هو النساج فلكما أتقن نسيجه بأدواته سيصنع عمل ونسيج رائع متقن يبهر المتذوق والناظر ! ، لما كان المترجم متمكناً ويمتلك ناصية اللغة، كلما اقترب بترجمته وبنصه الجديد من الوضوح والجمال، والموضوعية وحسن المبنى والمعنى في نصه الجديد. ففي ظل هذا التنوع الثقافي الهائل والانفتاح الهائل خاصة مع وجود المحطات الفضائية ووسائل الاتصال التكنولوجية المعاصرة التي فاق أدائها وإنجازها ما يتصوره العقل يجب أن نتفوق على إيصال المعرفة المعلوماتية بالشكل المناسب ، فأننا نبتهج ونفرح  حين يدرك القارئ جوهر الترجمة وتفوقها أحياناً على النص الأصلي ما هو إلا ثقابة فكر وأدارك لجوهر اللغة والعالم فأن الترجمة رسالة والرسالة يلزمها رسل بين الأمم  لا مجال مطلقاً لحصر ذلك التأثير. ومما ساعد على سهولة نقل الثقافات والترجمة هو سهولة المواصلات ووسائل الاتصال .

ضرب مثلا لمترجم معاني القرآن الكريم يوسف علي هذا الذي ما ضره أن مات وعاش وحيداً فهو مخلد يذكره الذاكرون في كل حين فقد أتقن عمله تميز في المحافظة على أصالة اللغة وعمق المعنى . ثم ناقش نظريات الترجمة تلك التي لا تفقد من المعنى الأصلي حقه ولا تبعد كل البعد عن معناها الفعال في النص . فالتطابق التام والنقل ليس هو الهدف المنشود إنما الوصول إلى درجة مرضية من الكمال وأن كان عسيرا فواجب المترجم المغامرة في النص والخوض في تفاصيله حتى يترجم بحدود إطار اللغة المنقولة ، كلما كان المترجم متمكنا ومستوعبا ومتبحراً بلغته الأصلية التي يترجم إليها ومتفهما لأصول اللغة التي يترجم عنها ومتفهما لمفرداتها وظلال معاني مفرداتها ومبحراً في أجواء وبحور وعالم وفكر ولغة الكاتب الذي ينقل عنه فيعرف دقائق حياته وتجاربه، ويتأتى هذا من قراءة جل أعماله الأدبية والفكرية، كان مترجماً جيداً لهذا الكاتب أو ذاك فالدراسة المتأنية والدقيقة لأي كاتب تعرفنا به جيداً، فنفهم ما يفكر فيه ونعيش ما عاشه  وعايشه، فنكون خير ناقلين لخير أعماله الكثيرة . وأبدى الأحمري ضرورة مناقشة متابعة الترجمات الجديدة لما فيها من مصطلحات حديثة يمكن معالجتها وتناولها في أصول لغة المصدر ولغة الهدف . علي المترجم في كثير من الأحيان أن يسعى سعي حقيقي لقراءة تاريخ المصطلحات لمتابعة بنيته المعرفية الشاملة للربط في اللغة الهدف الأساسية وذلك لتوسيع مدارك وأفق المصطلحات وإشكاليات المترجمين .

img_3146-1

استضاف المؤتمر هذه السنة مترجمين اللغة الأسبانية منها وإليها وتناول المترجمين نصائحهم و صعوباتهم في تحويل الأسبانية إلى العربية .

(الجلسة الأولى)

أدارت الجلسة الدكتورة حنان الفياض ( تجارب مؤسسية في الترجمة العربية \ الإسلامية )

 

تناول في البداية السيد بيدرو فيلينا ر تجربة في البيت العربي في أسبانيا كونه السفير السابق في إيران ومن هنا بدأت رحلة العربية وتعلم اللغة ، ففي البيت العربي يقام العديد من الفعاليات الثقافية والتي تتناول القضايا المعاصرة في الشرق الأوسط مما تحمله من قضايا عربية، حيث يهتم البيت العربي بالترجمة ونقل المعرفة والثقافة العربية و تاريخ الأندلس ويفخر بيدرو حيث يتجاوز عدد الدارسين للغة العربية من السكان الأصليين إلى 500 طالب ومهتم في تعلمها .

 

ثم ناقش السيد خورخي ليروال استاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة آل ماريا الأسبانية ورئيس الجمعية الإسبانية للدراسات العربية رحلته في التبحر باللغة العربية وتجاربة العديدة في الإنتاج المعرفي الآدبي العربي والإسلامي في مؤسسته حيث ترجمت المؤسسة ما يقارب الأربعين كتابا وأكثر إلى العربية وذلك ساهم في أثراء الفكر الأوروبي والزيادة المعرفية للتاريخ المنطقة الأندلسية .

ثم بدأ لويس ميغيل حديثة عن مدرسة طليطلة للمترجمين والتي تساهم في ترجمة ونفل الأعمال العربية من وإلى الأسبانية  أمام مهمة البحث عن دور ديناميكي فعّال للّغة يوفّر الحماية للوعي القومي، ويصون الشخصية العربية المستقلة من آثار العولمة الشرسة،

img_3143-1

تحدث أخيراً الباحث  المترجم هاني سعدون عن تجربته في ترجمة الأدب الأسباني والذي شدد على ضرورة معرفة المترجم جوانب الترجمة الأولية للغة الأسبانية  ومن ثم الالتزام بمبادئ الترجمة الأساسية الثابتة عند كل لغة القراءة، ثم ترجمة أولية، ثم الشغل على أسلوب اللغة (التي نترجم إليها) وحل الإشكاليات اللغوية وإشكاليات المضمون، ثم توجيه أسئلة للمؤلف أن وجد ، وأخيراً إنجاز الترجمة بشكلها النهائي ، ثم أن الأسبانية تأخذ منحنى مغاير للترجمة يختلف عن البقية ولا يمكن نقل أسلوب لغة إلى أسلوب لغة، بل المفروض أن تحافظ اللغة الاسبانية  في الترجمة على أسلوبها ووضوحها ، وأن يقرأ القارئ الترجمة وكأنّها كتبت في الأصل بلغته، وهذا أقصى ما تصل إليه الترجمة فاللغة التي تأخذ وتعطي لغة قادرة على الحياة والخلود والتجدد . ومن خلال هذا الاطار الثقافي المشترك شدد هاني ضرورة دعم المترجمين والإصدارات المترجمة عربيا ودولياً .

 

جوائز الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي

فاز في فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية بالمركز الأول السيد سلفادور بينيا مارتين عن ترجمة كتاب “ألف ليلة وليلة” من نشر دار فيربوم في مدريد، وفي فئة الترجمة من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية فاز بالمركز الأول السيد صالح علماني عن ترجمة رواية “عشر نساء” لمارثيلا سيرانو من نشر دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، وفي فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية فاز بالمركز الأول السيد مايكل كوبرسون عن ترجمة كتاب “مناقب أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل” لابن الجوزي، من نشر المكتبة العربية — دار نشر جامعة نيويورك.

أما في فئة الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية فقد فاز بالمركز الأول السيد مراد تدغوت عن ترجمة كتاب “المرجع في علم المخطوط العربي” لآدم جاشيك من نشر معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وفي جائزة الإنجاز فازت مؤسسة البيت العربي في إسبانيا، ومؤسسة بانيبال في المملكة المتحدة، ومؤسسة ابن طفيل للدراسات العربية في إسبانيا.

تابع هنا التوثيق والتغطية الكاملة للمؤتمر

 

Posted in شعر

تفاصيل خسيسة – سيغفريد ساسون

ترجمة: ريوف خالد

274-2014

 

لا تجد في قصائده غير بقع دم ، سيقان مبتورة ، جثث متعفنة تتحول رؤيتها إلى كوابيس ليلية ، عيون اطفأتها الغازات السامة ، شباب في تفتح طاقاتهم حولتهم الحرب إلى شحاذين بسبب إعاقات جسدية أصيبوا بها ، طيور أرعبتها أصوات المدافع فلم تجد لها مأوى تعود إليه ، أرض أغرقها طوفان الدم فراح سكانها يتشبثون باللاشيء طلبا للنجاة ،
حُفر أحدثتها القنابل المتساقطة فأصبحت قبورا للأحياء يختبأون داخلها بانتظار موتهم ، خنادق يملأها القمل والجنود معا ، جندي صبي يقعي على الأرض مدخنا سيجارته ومتأملا صورة حبيبته التي قد لا يراها أبدا ، عميان يقودون عميانا وهم يخرجون من خنادقهم في ظلام دامس خوفا من أن يدل الضوء عليهم أعدائهم ، قبرة تصدح هازئة من جرائم الإنسان ضد اخيه الإنسان.

تفاصيل خسيسة[1]

لو كنت شرسًا أقرعًا قصير النّفس
لعشتُ مع القادة الدّاعرين في القاعدة
ولدفعتُ بالأبطال البائسين إلى جبهة الموت.
ستراني بوجهي المُنتفخ النّكد
أُتبجّر وأبلع في أفضل الفنادق
أقرأ قائمة الشّرف “الغلام المسكين –
سأقول- كنت أعرف أباه جيدًا
نعم، خسرنا بشكل فادح في المعركة[2] الأخيرة”
وعندما تنتهي الحرب، ويقضي الشباب نحبهم
سأخطو آمنًا إلى منزلي وأمُوت، في السّرير.

سيغفريد ساسون

سيغفريد ساسون: شاعر ومؤلف وجندي إنجليزي. من أبرز شعراء الحرب العالميّة الأولى، يصف في شعرِه أهوال الخنادق ويهجو المزاعم الوطنية لأولئك المسؤولين عن الحرب من وجهة نظره.

_____________________________
[1]
العنوان الأصلي ”Base details” وقد تكون تفاصيل القاعدة، أو تفاصيل خسيسة.
[2]
في القصيدة الأصلية وردت كلمة ”Scrap” والتي تأتِ بمعنى مشاجرة دلالةً على بُعد القادة عن فجائع وشراسة المعارك في الحرب.

Posted in شعر

Murdoch Maclean

Murdoch Maclean

ترجمة : عبدالله عيسى
هدهدة طفل

4c650835e6af502feb

Sleep weel, my bairnie, sleep.
The lang, lang shadows creep,
The fairies play on the munelicht brae
An’ the stars are on the deep.
The auld wife sits her lane
Ayont the cauld hearth-stane,
An’ the win’ comes doon wi’ an eerie croon
To hush my bonny wean.
The bogie man’s awa’,
The dancers rise an fa’
An’ the howlet’s cry frae the bour-tree high
Comes through the mossy shaw.
Sleep weel, my bairnie, sleep.
The lang, lang shadows creep,
The fairies play on the munelicht brae
An’ the stars are on the deep.
.نم قرير العين يا طفليَ نم
مستطيلاً زاحفاً جاء العتم
فيه تلهو بنت حور
في جُليهة القمور
و يرى النجم عميقاً ملتَقَم

وحدها يافعة الزوج انزوت
عند بردِ مِجمر قد جلست
ورياح عصفت
بنحيب زمجرت
وهي للطفل الجميل هدهدت

ذلك العفريت عنا في نؤُيّ
راقصات بين خفض و عُلِيّ
ومن البوم نعيق
جره الأيك العتيق
قمطرير القاع، من ثَمّ الإتيّ

عبدالله عيسى

Posted in شعر

الوردة الحمراء – روبرت برنز

5656

ترجمة : عبدالله عيسى

Robert Burns is Scotland’s greatest poet
روبرت بيرنز أعظم شعراء سكوتلند.
ترجمتي لإحدى قصائده:

My love is like a red, red rose 
:That’s newly sprung in June
My love is like the melody 
That’s sweetly played in tune

,How fair art thou, my bonnie lass
So deep in love am I
, And I will love thee still, my dear
.Till all the seas gang dry

,Till all the seas gang dry, my dear
;And the rocks melt with the sun
,I will love thee still, my dear
.While the sands of life shall run

.And fare thee weel, my only love
!And fare thee weel awhile
,And I will come again, my love
.Though it were ten thousand mile

كالوردة الحمراء تلك حبيبتي
لما تبدت في حزيران النضير
لحن بديعُ الحسن يعزف باللطافة
هكذا محبوبتي  عندي تصير

حسناء أنت ويا لحسنك جرني
للحب حتى صرت منه متيما
و لأعشقنك دائماً حتى وإن
جفت بحارٌ كم بها ماءٌ همى

حتى إذا جفت بحارٌ و الصخور
الصلب في شمس السماء غدت تذوب
يا ربتي مادام في الدنيا ترابٌ
للحياةِ، أكون عاشقك الدؤوب

كوني بخيرٍ يا وحيدة خافقي
فأنا المسافر عنك بالزمن الطويل
سأعود ثانيةً لأجلك عاشقاً
لو كان بعدي عن هواكم ألف ميل