Posted in غير مصنف

رواية أثر على أثر

رواية
فلاديمير شاروف خلال تتويجه بالبوكر الروسية 2014
 رواية “أثر على أثر” (ترجمان للترجمة والنشر، الكويت) هي أوّل رواية مُترجمة إلى اللغة العربيّة للكاتب والروائي الروسي فلاديمير شاروف، الحائز على جائزة البوكر الروسيّة سنة 2014، بتوقيع المترجم العراقي تحسين رازق عزيز.

رواية “أثر على أثر” هي أولى روايات فلاديمير شاروف المُترجمة إلى العربيّة، وهي باكورة إصداراته الروائية أيضًا، تقوم على مذكّراتٍ تدور أحداثها في الفترة الممتدّة من نهاية القرن التاسع عشر وحتّى بداية سبعينات القرن العشرين، عارضةً أبرز المراحل المفصليّة في تاريخ روسيا الحديث، متناولةً حياة الإنسان الروسي في تلك الفترة، ومعاناته وتطلعاته في ظلّ ظروف اجتماعيّة وسياسيّة متقلّبة وغير مستقرّة، وذلك من خلال سرد يوميّات وحكايات شخصيّات الرواية الرئيسيّة، كما تسلّط الضوء أيضًا على العديد من القضايا الاجتماعيّة والانسانيّة في تلك الفترة.

 

يعدّ فلاديمير شاروف واحدًا من روّاد الرواية التاريخيّة الروسيّة، وقد صدر له في الرواية: “البروفات”، و”قبل الأوان وفي الأوان”، و”لا تأسوا عليَّ”، و”الفتاة العانس”، و”قيام لازاروس”، بالإضافة إلى “العودة إلى مصر” الحائزة على جائزة البوكر الروسيّة 2014. ومقالات قصصية تحت عنوان “إغراءات الثورة”، ومجموعة شعريّة بعنوان “إطار المياه”.

أمّا المترجم العراقيّ تحسين رازق عزيز، فقد صدرت له عدّة ترجمات موزّعة ما بين الرواية والبحوث والدراسات العلميّة، منها: “تأملات في تاريخ الأدب الروسي، ف. يا. لينكوف” (دراسة)، “حياة وإبداع، إ. إ. ستريلكوفا” (دراسة)، “الجدار” (نصوص أدبيّة روسيّة)، “آدم وميريام، دينا روبينا” (رواية).


مقطع من رواية “أثر على أثر”

رغم أني قضيت طفولتي كلها في فارونيش، وأعرف فيها كل بيت وكل شارع، وأعرف الكثير من الناس الذين يعيشون هناك – إذ كان عند أبي وأمي ما يسمى “بيت مفتوح”، وكان يأتي إلينا جميع من له ارتباط بالجامعة، ما عدا القليل – باختصار، رغم أنّ المدينة يجب أن تكون بالنسبة لي حيويّة بسبب الناس والعلاقات والذكريات، لكنّها لم تكن كذلك بتاتًا. فالعمارات ضخمة ومنخفضة كأنّها لك يكتمل بناؤها، والشوارع طويلة كالأنفاق تقطع المدينة كلّها “ذكرى عن بطرس وبطرسبورغ”، تهب فيها شتاءً رياح سهوب حوض الفولغا – أكثر ما خفته في طفولتي أن تحملني هذه الرياح بعيدًا –  تأتينا هذه الرياح من جهة مدينة ساراتوف، لكن موطنها أبعد، في سهوب كازخستان، بل وأبعد، في سيبيريا. والمدينة ذاتها بدت لي أنَّ أصلها من هناك. طبعا أنا لست محقًا، والمدينة على كل حال حيوية، فقد ولد هنا عدد من الفنانين والشعراء والكتاب الجيدين، ومن هنا كذلك كاتبي المحبوب أندريه بلاتونوف.

كانت في فارونيش وما تزال مسحة من روح العاصمة، وعشرات البنايات الضخمة، والبالية – كل هذا ذكرى من حقبة قصيرة، عندما كانت عاصمة لإقليم أرض السواد الوسطى الكبيرة، ومن ثم كانت من المقرر حسب الأقاويل، أن تصبح عاصمة جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية، لكن الغالب فيها الحرمان.

فارونيش كانت مخدوعة على حدٍ سواء من روسيا ومن المحافظة القديمة التي بقي منها بعد الحرب بالكاد الثلث، لكن الخديعة تلك، لا سيما بمقاييس ذلك الزمان، لم تكن قاسية ولا رهيبة.

بعد الثورة استوطن هنا الكثيرون: سواءً هيئة أساتذة جامعة تارتوسكي، أو أولئك الذين انتقلوا إلى هنا في زمن نهضة فارونيش، ثم لم تعد المدينة تمتلك قوة للنهوض والتحليق من جديد. وسرعان ما اختلطوا جميعًا مع سكان فارونيش الأصليين، لأن الأماكن الفارغة والمهجورة من أهلها كانت كثيرة، والهروب من هنا كان سهلًا – فالدون وروستوف وكوبان والقرم على مرمى حجر. وعندما يجتمع هؤلاء المثقفون من ذوي المهن المختلفة، يقومون كالسابق بإخراج مسرحيات الهواة ويلعبون الورق والمطاردات الشعرية، وقرب حلول رأس السنة تدور الأطباق، من جديد، كالسابق، وطوال شهر كانون الثاني لا تُرفع من البيوت أغصان الصنوبر المزغبة الصغيرة، التي تُستعمل هنا للزينة بدلًا عن شجرة الشوح (في عيد الميلاد ورأس السنة) ولا تتساقط تقريبًا أُبرها الطويلة.

 

Advertisements
Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

اليوم الأول للمدرسة

في اليوم الاول للمدرسة
تشارلي جاكسن

ترجمة عن الإنكليزية كامل السعدون


كان يوماً مؤثراً في حياتي ، إنه يوم بدء دوام إبني ( لاوري ) في المدرسة ، يا إلهى كيف نمى بهذه السرعة ، ها هو يتخلى لأول مرة عن ارتداء “الاوفراول ” ، ويكف عن دس إصبعه في فمه ، وبدلا من ذلك يرتدى بنطال ألجينز مع حزام جلديٍ أسود .
، لاحظته يرافق الفتاة الأكبر سنا في البيت المجاور لبيتنا ، أدركت إن مرحلة لذيذة عذبة من العمر قد انتهت إلى غير رجعة ، وان هذا الكائن المسالم الودود الذي لا يستطيع أن يفعل شيئا او يخطو خطوة دون إرادتي قد حل محله ولد شقي ببنطال طويل وحزام ، ووجه جاد بصورة مضحكة ، ولد عاق .. نسى حتى أن يقف في منتصف الطريق ليلوح لي مودعا . عاد من المدرسة بذات الطريقة ، في البدء صر صوت الباب منفتحا ، رمى طاقيته على الأرض ، بدا لي صوته منذئذ وقد صار اقرب منه إلى الصراخ :
– أما من أحد هنا ؟
. عند الغداء تحدث مع والده ، بعد أن اهرق حليب أخته بالطريق ، قال إن المعلمة تقول إننا لا ينبغي
أن نقسم بالله كثيرا ونسيء استخدام اسم الرب في الطريق ، كيف كانت المدرسة اليوم ؟
سألته عرضيا .
– لا باس ” أجابني ” ،
– هل تعلمت شيئا ؟ ( سأله والده )
– لم أتعلم شيئا بالمرة هذا اليوم ( أجاب ببرود ) ….
– لا شيء …بالمرة …؟ ( سألته باستغراب )
– – لا …( وصمت لبرهة ثم تألق وجهه وأجاب ) … المعلمة عاقبت أحد الأولاد…!
– لماذا ؟ سأله أبوه وقد بان عليه الاهتمام .
– لأنه كان غير مهذب … كان مستحقا لتلك العقوبة … كان غاية الوقاحة ” قال ذلك وفمه ملآن بالطعام !
– ولكن من كان هذا الولد ؟ وما الذي فعله ” سألته …” .
فكر قليلا ثم أجاب
– تشارلس ، لقد ضربته المعلمة …. وأوقفته عند الزاوية على رجل واحدة …!
ثم انزلق من كرسيه متسللا وفمه ملآن بالطعام ، دون أن يشفي غليلي بإجاباته . في اليوم التالي وعند الغداء أيضا وحالما تسلق كرسيه ، بدا عليه الاهتمام والتفكير وكأنه يدبر أمرا :
– حسنا تشارلس هذا اليوم غدا اكثر فظاظة وسوء أدب ، شيء لا يطاق .. لقد … لقد ضرب المعلمة هذا اليوم …!
– يا الهي … هذا فضيع … فضيع ..هذا غاية الاستهتار ” قلت وأنا بغاية التأثر والاشمئزاز لسلوك هذا الطفل الشاذ ”
– هذا أمر لا يمكن السكوت عنه ، كيف يسمحون لمثل هذا الطفل في البقاء بالمدرسة .
– هذا الطفل لا شك مريض ويجب أن يأخذ إلى مصحة للعلاج النفسي ” قال أبوه وقد توقف عن الأكل متابعا بغاية الاستثارة والاهتمام هذا الحديث الغير مستحب في هذه الساعة وهذا المجلس ، والذي فرضه علينا دون إرادتنا ولدنا الحبيب .
– احسب انه عوقب بقسوة هذا اليوم أيضا ” قلت باهتمام وترقب للرد .
– لا شك فمثل هذا الفعل لا يمر قطعا دون عقاب ، وعقاب حازم أيضا ” قال زوجي ” .
– طبعا .. طبعا ..” قالها ضاغطا بقوة على مخارج الألفاظ وقد بدت لهجته لهجة تشفي من هذا التشارلس .
– لكن ماذا فعلت المعلمة له حتى يسيء الأدب معها بهذه الصورة ألمستهجنه ” سألته بسرعة بعد أن لاحظت تململه في مجلسه وخمنت انه موشك على الإفلات لغرض اللعب في الخارج .
– لأنها أرادت منه أن يلون باللون الأحمر في حين كان هو يرغب باستعمال اللون الأخضر ، ولهذا ضرب المعلمة ، فردت هي بمعاقبته بالضرب بالمسطرة على مؤخرته ، ثم … قالت :
– لا أحد يلعب مع تشارلس …” ولكننا جميعا لعبنا معه… وقهقه بتحدي ثم أفلت فاراً جهة الباب ” .
اليوم الثالث ، كان يوم الأربعاء من الأسبوع الأول من دوام ولدي في المدرسة ، في هذا اليوم قام تشارلس بدفع الأرجوحة بقوة نحو وجه إحدى الفتيات مما أدى إلى إصابتها إصابة عنيفة سببت نزفا في الرأس وهذا ما دفع المعلمة إلى معاقبته بإبقائه في الصف طوال فترات الاستراحة ، وحرمانه من اللعب مع الآخرين في الفسحة . يوم الخميس ، توجب على تشارلس أن يقف عند الحائط خلال حصة قراءة القصص ، لأنه ظل يدق برجله على الأرض حارما الآخرين فرصة الاستماع بهدوء للدرس ، الجمعة …حرم تشارلس من امتياز النهوض إلى السبورة ، لأنه رمى طبشورا على أحد التلاميذ .
يوم السبت ، لفت نظر زوجي ” إلا تعتقد إن روضة الأطفال هذه تفتقد إلى الاستقرار ؟كل هذه المتاعب التي يسببها تشارلس ، زائدا إن المدرسة تفتقد إلى قواعد تربوية سليمة ، كما إن التأثير السيئ الذي يسببه تشارلس على ابننا والآخرين ، سيؤدي لا شك إلى اضطرابات سلوكية ” لا باس ، سيكون كل شيء على ما يرام ” قال زوجي لطمأنتي ” أشخاص مثل تشارلس ، لا بد للمرء أن يلتقيهم عاجلا أم آجلا ” .
يوم الاثنين ، جاء ولدي متأخرا ، وفي جعبته كومة أخبار :
– تشارلس .. ( هتف …حالما ولج باب البيت ) وانتبهت بكامل كياني له ، إذ كنت متلهفة لسماع ما فعل تشارلس هذا اليوم …!
– تشارلس كان سيئ السلوك هذا اليوم أيضا .
– قل ما عندك بسرعة .. ماذا فعل تشارلس اليوم …!
– أتعلمين ماذا فعل تشارلس اليوم ؟ قالها وهو يتبعني إلى غرفة المعيشة حيث مائدة الغداء معدة سلفا ، حيث أكدت له أني لا اعرف ، أجاب بتلذذ :
– لقد بدا فجأة يصرخ صراخا مرعبا ، لقد أخاف الجميع .
قد هرول بعض منا إلى المعلمة لاستدعائها في الحال ، وحين جاءت من استراحتها أمرت تشارلس بان يبقي في الصف حتى بعد نهاية دوام المدرسة ، وقد ظللنا جميعا في المدرسة لمشاهدته .
– وماذا فعل هو ؟ ” سالت باهتمام ” .
– لقد جلس هناك دون أن يفعل شيئا ” أجابني وتابع ”
– لقد ترك لما بعد انتهاء الدوام . ”
– أي نوع من الأطفال هذا التشارلس ، كيف يبدو يا ترى ؟ ” قلت لزوجي الذي بدا عليه الانفعال هو أيضاً ، وتسائل بدوره محتدا ” :
– ما هو اسمه الكامل ؟ .
– انه اكبر مني ، ثم انه لا يأتي معه بأقلام ومساحات ، وهو لا يرتدي كنزه صوفية ! ” أجاب ولدي ، وسط دهشتنا لهذا الرّد الذي لا يفصح بشيء عن هوية تشارلس .
مساء هذا الاثنين كان لدينا في المدرسة لقاء الأباء بالمعلمين لدراسة أمور أبنائنا ومناقشتها مع الهيئة التعليمية ، لكني وللأسف الشديد لم استطع الحضور لبرد أصاب رضيعي ، كنت في غاية اللهفة للذهاب إلى المدرسة ورؤية تشارلس ، ولكني حرمت من هذه الفرصة ، في اليوم التالي جاءنا لورلي بخبر ليس عن تشارلس هذه المرة .
– أتعلمون .. معلمتنا ، جاءها زائر هذا اليوم ..!! .
– ماذا أهي أم تشارلس يا ترى ” هتفنا أنا وزوجي بصوت واحد ” .
– كلا ..” قال لورلي بازدراء ” .
– كلا انه شخص جاء وأعطانا تمارين :
– هذا جميل .. وتشارلس .. ألم يؤدي التمارين ” سألت باهتمام ..” .
– كلا تشارلس … لقد كان سيئا جدا مع صديق المعلمة ولم يسمح له بان يعطيه تمارين .
– ثم…. ” … تابع بعد هنيهة تفكير ” .
– لقد رفس صديق المعلمة .. بعد أن طلب منه أن يلمس إصبع قدمه كما افعل أنا هكذا الآن ” وأحنى جذعه إلى الأمام ليرينا كي فعل تشارلس ما طلبه منه صديق المعلمة ، ثم رفسه تشارلس ببطنه .
– ماذا تعتقد انهم سيفعلون مع تشارلس ؟ ” سألت زوجي ” .
– سيرمونه خارج المدرسة.. كما أظن ” أجاب بحنق وكأنه يتمنى أن هذا هو ما سيحصل ” .
– واستمرت أفاعيل تشارلس والمقالب المرعبة التي يفعلها ، وحيله الشيطانية ، محور حيلتنا طية الأسابيع الثلاث الأولى من بدء الدوام في المدرسة ، حين يبكي رضيعي بإلحاح في المساء ، صرت ادعوه تشارلس ، حين كر زوجي منفضة سجائره الأثيرة لديه ، هتف ” لقد أصبحت شريرا مثل تشارلس ” . ولكن فجأة لم يعد تشارلس ذلك الشرير المرعب الخبيث الذي عرفناه طيلة الأسابيع الثلاث الأولى .
– ماما … بابا ..تشارلس أيضا هذه المرة ، ولكنه لم يعد شريرا ..!! .
– ماذا تشارلس لم يعد شريرا … تشارلس لا يمكن إلا أن يكون شريرا ، وإلا ما كان هذا هو تشارلس الذي عرفناه ” هتف زوجي محتجا ، في حين كنت أنا في قمة الدهشة والترقب .
كان ينظر لنا ممزمزا بشبه ابتسامة ، وهو يتشاغل بالنظر إلينا ويمتنع عن إلقاء كل ما في جعبته حتى يزيد من لهفتنا واستجدائنا له للإفصاح عن كيفية وسر التحول الذي حصل لتشارلس .
– قل بالله عليك .. كيف إن تشارلس لم يعد شريرا .
– نعم هذا اليوم كان لطيفا مع المعلمة ، كان يجمع لها الطباشير المتساقط وينظف السبورة ، وكان يبتسم للمعلمة ، وقد .. قالت له أنت مساعدي منذ الآن فصاعدا ، وأعطته تفاحة ..!! .
– ماذا … تشارلس .. يساعد المعلمة ، التي كان برفسها ويرمي عليها الطباشير … وتعطيه تفاحة ، وتجعله مساعدا لها .. ما الذي جرى له .. كيف تغير هكذا .
– هكذا .. انه مساعد المعلمة ومراقب الصف الآن .. هي قالت له ذلك وكلنا سمعنا .
– أيمكن أن يكون ذلك ..؟ ” سال زوجي مندهشا ..” لكن ( لورلي ) كان قد غادر مهرولا نحو الخارج ، في هذا اليوم والأيام التالية تحول تشارلس إلى ملاك يثير من دهشتنا ما يتجاوز ما أثاره إبان مرحلة الشر التي سلفت ، كم أتمنى لو أقابل هذا التشارلس لأسال عن كيفية حدوث المعجزة التي غيرت حياته وأحالته إلى هذا الملهم ، المبدع ، المعاون للمعلمة ولكل الزملاء .
وهذا ذاته كان مطلب زوجي وأمنيته :
– لو فقط أصادف تشارلس أو أبيه وأساله ما الذي جد مع ابنهم ، وكيف حصل التحول .
– أنا سأراه ” قلت لزوجي ” .
– ربما في البدء أرى أمه ، وسأطلب منها أن تسمح لتشارلس بالمجيء لزيارتنا ، وان كان هو الأكبر في مدرسة الأطفال ، فإني سأتعرف عليه ، ربما يكون مفيدا لابننا بعد هذا التحول العظيم الذي حصل عنده .
– نعم … نعم وأنا أتمنى لو تعرفت على والده ، كم بودي لو حضرت لقاء الآباء والمعلمين في الأسبوع القادم لولا عملي المسائي ، عموما اعتمد عليك في هذا الأمر ، حاولي التعرف على أمه ومن ثم نتعرف عليه وعلى أبيه !
كان يوم اللقاء مشهودا ، كنت انتظره بفارغ الصبر وقد أزف ، كانت عيناي تجولان في الجالسات بحثا عن أم تشارلس ، عن امرأة تحمل لا شك في ملامحها اضطراب التحولات ، قطعا هي امرأة متناقضة ، ربما أرى عيون راهبة وشفاه او شعر ساحرة ، ربما هي امرأة محتشمة من الأمام وعارية من الخلف ، ربما تسلم علي بخشونة في البدء ثم تنفجر باكية معتذرة ، ربما… وربما ، لم أجد في كل من رأيت امرأة تبعث في النفس انطباعا أوليا غير مستحب ، او تثير الإعجاب والانبهار ، كلهن كنّ عاديات للغاية ، مثلي … مثل أي ربة بيت رضية النفس ، رائقة المزاج ، بسيطة التفكير ، وهذا ما زاد حيرتي ، ربما لم تأتى !! ، ربما هي ميتة أصلا ، او أنها في مكان بعيد الآن ، او ربما مريضة ، أو مطلقة ولا تعيش مع ابنها !! ، بينما كنت أتشاغل بالنظر إلى الأخريات دون اهتمام جدي بهذا الاستعراض الممل الذي قدمته ناضرة المدرسة : .
– لاحظت انك لم تاخذي لنفسك قدح من القهوة وبعض الكيك فجئتك به ، إذا أحببت ( جائني صوتها من الخلف بينما كانت عيناي تجولان في الحاضرين بحثاً عن أم تشارلس ) .
كانت معلمة أبني الشابة ، وننهضت لها محيية شاكرة هذا اللطف وتابعت :
– الحقيقة أنا راضية جدا عن لورلي ، انه ولد في غاية التهذيب واللطف ، أني فخورة حقا به في البدء فقط ، كان مشاغبا ولكنه تغير كثيرا وبالتدريج حتى وصل إلى هذا المستوى الطيب من الخلق والتهذيب والاهتمام الدراسي ، شعرت بالفخر لهذا الإطراء الذي خصت المعلمة به ابني ، ولكني بذات الوقت تأثرت للفترة الأولى من العام الدراسي والتي بدا فيها ابني سيئ الخلق ، فض السلوك … وددت أن اعتذر عنها ، فعلقت بلهجة اعتذار :
– ربما كان التأثير السيئ لتشارلس قويا في الأسابيع الأولى ..!!
– عفواً … ومن هذا التشارلس .. أجابتني .. ” ثم تابعت وهي تحدجني باستغراب …”
– ليس لدينا في صفُ أبنك شخصٌ باسم تشارلس . 

 

Posted in غير مصنف

بول أوستر متأملاً في الأدب وبعض وجوهه

البُعد التأملي جزء أساس في عمل الكاتب الأميركي بول أوستر، ووسيلة لقول نفسه من خلال نصٍّ كامل أو شذرات متفرّقة تتنقل من كتاب إلى آخر وتشكّل مجتمعةً حالاً من القراءة المتجددة للذات. تأمّلٌ بدأه في «أختراع العزلة» (1982) وتابعه في «يوميات شتائية» (2012) و»نزهات في الفضاء الداخلي» (2013)، وهي نصوص – مرايا سرد فيها اختبارات مؤسسة من سنّي الطفولة والمراهقة قادته إلى ما هو عليه اليوم.

«غليوم أوبِّن»، الذي صدر حديثاً عن دار «أكت سود» الباريسية، يندرج في هذا السياق، علماً أن هذا الكتاب لم ينجزه أوستر، وبالتالي لا وجود له في الإنكليزية لكونه يتألف من 14 نصاً أخذت الدار المذكورة بنفسها مبادرة جَمْعِها، وتتراوح بين بحوث ومداخلات ومقدّمات وحوارات صدرت في مجلات أميركية وفرنسية مختلفة، ويحيّي الكاتب فيها مجموعة من المبدعين الذين لعب لقاؤه بهم أو بأعمالهم دوراً حاسماً في مساره ككاتب. مبدعون أميركيون مثل ناتاناييل هاثورن وإدغار ألان بو وجورج أوبّن وجو برينارد وجيم جارموش، وأيضاً فرنسيون مثل جورج بيريك وألان روب غريّيه وجاك دوبان وأندريه دو بوشي، من دون أن ننسى الإرلندي صامويل بيكيت.

تحيات يوجّهها أوستر في كل مرة لواحد من هؤلاء من خلال توقفٍ عند تفصيل أو مجموعة تفاصيل صغيرة ومثيرة في حياته أو عمله قادرة على قول حقيقته، وأيضاً بعضٍ من حقيقة أوستر بالذات. فمن الشاعر الأميركي أوبِّن، الذي كان صديقاً حميماً للكاتب، يستحضر الأخير لقاءه الأول به، وتحديداً الحالة التي فتح أوبِّن فيها باب منزله له لأول مرة، إذ «كان يرتدي قفّازين من كاوتشوك زهري تعلوهما رغوة الصابون» لأنه كان يغسل الأواني. وضعية متواضعة تبعد كل البعد من «تلك التي ننتظرها عادةً من شاعر كبير لطالما أثار إعجابنا».

والمفاجأة ذاتها كانت في انتظار أوستر لدى لقائه للمرة الأولى مع روب غريّيه خلال برنامج أدبي. فبدلاً من الكاتب البولشفي المعروف بقسوته وعنف مداخلاته، تعرّف أوستر إلى إنسان حار ولطيف أضحكه بحسّه الفكاهي العالي طوال السهرة التي أمضاها معه بعد البرنامج، وإلى روائي شغوف مثله بالفن السابع.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى دو بوشي الذي لم يعرف أوستر فيه، طوال فترة علاقتهما في باريس، ذلك الرجل القاسي والبارد والصعب، كما يصوّره كثيرون، بل شاعراً في غاية اللطف منحه صداقته فوراً ومن دون مقابل، على رغم اختلاف عمريهما، وتناقش معه بصراحة في كل المواضيع التي تهمّه خلال نزهات طويلة في شوارع باريس، وكان وراء اكتشاف أوستر كتّاباً وشعراء كثراً تأثّر بهم، مثل بول سيلان والشعراء الروس ولورا ريدينغ وجيمس ميريل.

وفي ما يتعلّق بالشاعر دوبان الذي ربطته به علاقة صداقة حميمة خلال إقامته في فرنسا، وترجم بعض قصائده إلى الإنجليزية، يستحضر أوستر خصوصاً كرم الشاعر الكبير تجاهه الذي تجسّد بفتحه أبواباً كثيرة له في باريس وبابتكاره مشاريع خيالية فقط لمساعدته مادياً، وبإيوائه في منزله حين كان في أمسّ الحاجة إلى ذلك.

وبينما نستخلص من النص الذي نقرأه في الكتاب حول إدغار ألان بو صورة لهذا العملاق تختلف كلياً عن الكليشيه المتداول حوله كـ «كاتب فرنسي كتب باللغة الإنكليزية»، صورة يظهر فيها كرائد الأدب الأميركي المستقل، مثل والت ويتمان، يلخّص نص «بطاقات بريدية إلى جورج بيريك» بطريقة دقيقة جوهر فن هذا الكاتب الذي يجمع بطريقة نادرة بين «براءة وامتلاء». ويقصد أوستر بـ «البراءة» تلك النقاوة المطلقة في النيات، وبـ «الامتلاء» ذلك الإيمان الكلي بالمخيّلة.

ومن مواطنه، الفنان التشكيلي جو برينارد الذي خطفه مرض الإيدز عام 1994، يستحضر أوستر عمله الأدبي الفذّ «أتذكّر» الذي أوحى إلى بيريك بالكتاب الذي يحمل العنوان نفسه، واستعان برينارد لكتابته بصيغة سحرية تتكرر على طول النص وتسمح لجميع قرّائه بالتماثل به. كتاب يسرّ أوستر لنا بأنه قرأه مرات عديدة، وفي كل مرة منحه الانطباع بـ «نصٍّ جديد وغريب ومدهش يتعذّر استهلاكه».

وفي نهاية الكتاب، نطالع نصّاً لصاحب «ثلاثية نيويورك» رصده للقاء جمعه بصامويل بيكيت في مقهى «كلوزري دي ليلا» الشهير في باريس، وبدا فيه هذا العملاق مرتبكاً ومشكّكاً بقيمة بعض نصوصه، وخصوصاً بروايته «ميرسييه وكامييه»، قبل أن يقول له بلهجته الإرلندية الرقيقة، بعد أن حاول عبثاً لفت انتباه النادل: «لا نظرة في العالم يصعب الإمساك بها أكثر من نظرة النادل».

يبقى أن نشير إلى أن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في الشهادات القيّمة والشخصية التي يمنحنا أوستر إياها حول الوجوه الأدبية والفنية المذكورة، ومن خلال ذلك، حول السلطة الموحّدة للفن، بل أيضاً في تلك الصفحات المنيرة التي يتحدث فيها عن علاقته الشخصية بالأدب وعمله ككاتب وشغفه بسيرورة الكتابة وليس فقط بنتيجتها، وبالتالي بأهمية الطريقة التي يكتب فيها وركائزها، أي الدفاتر التي تعلو صفحاتها مربّعات صغيرة ويعتبرها «بيوتاً للكلمات وأمكنة سرّية للفكر وتحليل الذات»، وخصوصاً قلم الحبر أو الرصاص الذي يرى فيه «أداةً بدائية تمنح الانطباع بأن الكلمات تخرج من جسدنا فنرصّع بها الصفحة».

تكمن قيمة الكتاب أيضاً في الرسالة التي يسيّرها أوستر في كل نصوصه، ومفادها بأنه، على رغم التدمير الذي يلحق بالثقافة على يد صناعة الترفيه واللهو، ستبقى دائماً تلك الحاجة إلى القصص، إلى الكلمات، لدى البشر: «لا قيمة للأرقام حين يتعلق الأمر بالكتب، يقول الكاتب في أحد هذه النصوص».

Posted in مقال،إنطباعات،غير مصنف

نوافذ الحب لجون شتاينبك

هالة أسامة

ربما يشتهر جون شتاينبك الحاصل على جائزة نوبل بكتبه شرق عدن وعناقيد الغضب وفئران ورجال، ولكنه كان كذلك كاتبًا ذا إنتاجٍ غزيرٍ من الرسائل. يُعدّ كتاب ‹‹حياة شتاينبك من خلال رسائله›› سيرةً ذاتيةً بديلةً له تعرِض لحوالي 850 رسالة من رسائله الصادقة العاطفية لأسرته وأصدقائه ومحرره ومجموعةٍ من الشخصيات العامة المؤثرة.

من بين هذه المراسلات رسالة رائعة كتبها لابنه الأكبر توم عام 1958 ردًا على خطابه الأخير الذي يعترف فيه بوقوعه في غرام فتاةٍ تُدعَى سوزان في المدرسة الداخلية. تتسم كلمات شتاينبك بالحكمة والحنان والتفاؤل والذكاء بما يجعلها تُحفَر في قلب وعقل كل إنسان. وإليكم نص الرسالة:

نيويورك

10 نوفمبر 1958م

عزيزي توم

لقد تلقينا خطابك صباحًا، سأرد عليك من وجهة نظري وسترد إيلين بالطبع من وجهة نظرها.

أولًا: إذا كنت واقعًا في الغرام؛ فهذا أمر جيد، بل هو أفضل ما يمكن أن يحدث لأي شخصٍ، لا تسمح لأحد بالتقليل من شأنه.

ثانيًا: هناك عدة أنواع من الحب؛ أحدها أناني ولئيم وجشع ومغرور يستغل شعور الحب للإحساس بأهمية الذات، وهذا هو النوع القبيح المُحبِط. والآخر يفيض بكل ما هو جيد؛ يفيض بالطيبة والتفهم والاحترام؛ لا أعني فقط الآداب الاجتماعية ولكن الاحترام الأعمّ وهو الاعتراف بتفرُّد الشخص الآخر وقيمته. قد يجعلك النوع الأول من الحب مريضًا وضعيفًا، أما الثاني فسيمدّك بالقوة والشجاعة والخير والحكمة التي لم تعرف أنك تتمتع بها.

تقول أنه ليس حبًا طفوليًا، إذا كانت مشاعرك عميقةً للغاية فهو بالطبع ليس حبًا طفوليًا. ولكني لا أعتقد أنك كنت تسألني عن مشاعرك، لكنك أردت أن أساعدك لمعرفة ما عليك فعله، ويمكنني أن أقوم بذلك.

افتخر بمشاعرك وكن سعيدًا وممتنًا لها. ستكون موضوع حُبِّك الأفضل والأجمل، فحاول أن تكون مثلها.

إذا أحببت شخصًا ما فليس هناك ضرر من التصريح بذلك، ولكن عليك أن تتذكر أن بعض الناس يخجلون للغاية وأحيانًا عليك وضع ذلك في الاعتبار.

للفتيات طرقهنّ في معرفة شعورك أو الإحساس به، ولكنهنّ عادةً ما يحببن أن يسمعن تعبيرك عنه أيضًا.

قد يحدث في بعض الأحيان ألَّا يكون شعورك مُتبادلًا لسببٍ أو لآخر، ولكن هذا لا يجعل شعورك أقل قيمةً.

وأخيرًا، أعلم شعورك لأنني أشعر به، وأنا سعيد لشعورك به. سيُسعدنا لقاء سوزان، فهي مُرحَّبٌ بها جدًا، ولكن ستقوم إيلين بالترتيبات اللازمة لأن هذا تخصصها وستسعد بذلك، فهي تعرف الحُب أيضًا وربما قد تساعدك أكثر مما أفعل.

ولا تقلق بشأن الخسارة، إذا كان الأمر مناسبًا سيحدث، ولكن عليك ألّا تتسرع، والأمور الجيّدة لا تختفي.

مع حبي.

Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

رسالة من راعي الخنازير

للكاتب الانجليزي: جون وين

ترجمة :

حسن  الجوخ

 ليس من اللائق الآن أن يُدلل بـ (إيكي), فهو في سبيله أن يصبح صبيا, يستغني تماما عن الحمالات المطاطية التي تقترن عادة بفترة الطفولة.

الآن يدعى (إريك), وما كان هذا إلا أحد التغيرات التي تحدث بمرور الأيام, لم يكن تغيرا مزعجا, بالطبع لم تكن أمه تعني هذا النوع من التغيير حينما وعدته (لن يحدث أي تغيير).

كان كل شيء يسير كالمعتاد سوى غياب أبيه الذي حل محله (دونالد), كان (إريك) يعرف (دونالد), وشعر ـ في البداية ـ بارتياح لوجوده, برغم أن (إريك) كان يبدو قلقا حينما يأوي إلى فراشه ليلا, يفكر في الأمر بلا هدف, مجيء (دونالد) إلى منزلهم يعني ذهاب أبيه, لماذا يجب أن يكون ذلك?!, فالمنزل واسع, وليس له إخوة, حتى لو كان له, لما اعترض على مشاركتهم حجرة نومه مادام ذلك يوفر غرفة لأبيه.. لماذا يحدث ما يحدث?!

.. كانت هناك بالفعل غرفة شاغرة بالمنزل, لماذا يفعل الكبار كل شيء بمثل هذا السخف والجنون?!.. دائما يقولون له: (لا تكن سخيفا, وهم السخف نفسه, وبشكل غير مجد على الإطلاق, لا يضحكون, لا يغنون, فقط سخفاء وحزانى, يصعب فهم إيحاءاتهم, فإذا أعطوك شيئا يستحيل أن تعرف كيف تتقبله, فقد أحضر لي والدي قطارا منذ أسابيع قليلة, وعلّمني كيف أوصّل القضبان, وكان هذا يعني أنه سيبقى معنا, فأي شخص عاقل يشتري قطارا أو يركبه لابد أن يفهم أن ذلك إشارة للرحيل, حتى لو كان في صورة هدية.

كان (دونالد) يحسن بالفعل معاملة القطار ـ (إريك) نفسه يعترف بذلك ـ, فقد اشترى جسرا للقطار وعددا من العربات.. ربما كان ذلك يعني أن (دونالد) ـ هو الآخر ـ على وشك الرحيل, ولكن هذا الأمر لم يكن ممكنا بنفس الدرجة, فقد اعتادت الأم أن تكون قريبة من (دونالد) طوال الوقت, كانت تحتضنه من خاصرته, تود أن يظلا جزءا لا يتجزأ.

هو الآن لم يعد (إيكي), بل (إريك).. صار كبيرا.. ربما كان الخطأ خطأه, كل شيء بدا أمامه غريبا, لم يمارس حياته بما يتناسب وبناطيله الرمادية.. كان فعلا يخشى أشياء كثيرة ولا يسأل, متوهما ألا تكون إجاباتها بسيطة.. هل هو الخجل?.. ربما.

مثلا “راعي الخنازير” تُركت قضيته معلقة في ذهن الصبي إلى حد بعيد, ولم يشك واحد من الكبار أن راعي الخنازير يخشاه الصبي, ربما كان (إريك) نفسه سلبيا, لو أنه بدلا من أن يتجنب راعي الخنازير بكل ذلك الحرص خرج ونظر نظرة شجاعة, تاركا الباب الخلفي مفتوحا بحيث يمكنه الإسراع إلى الداخل حيث دفء الأمان لانتهت المشكلة في وقتها.

على كل ربما كان من الأفضل ألا يرى (إريك) راعي الخنازير إلا حينما يكبر.. وهاهوذا قد تجاوز السادسة, إلا أن راعي الخنازير كان حتى تلك اللحظة أحد الأمور المحيرة ـ في نظره ـ فكثيرا ما حدث نفسه: لم يطلب منه أحد أن يحترس من راعي الخنازير!.. لم يحذره أحد منه.. لابد أنه غير مؤذ, لأنه حين يقترب من شيء يؤذي مثل المرور في الشارع الرئيسي يجد الناس يسدون له النصيحة: (يجب أن تنظر جيدا إلى كلا الجانبين), إلا أن هؤلاء الناس أنفسهم عندما يصلون إلى راعي الخنازير فلا أحد يذكره بخير أو شر, تقول له أمه أحيانا: (أفسح دعني أر راعي الخنازير, سيصل حالا, ولم أنته بعد من أي شيء, حينئذ يثلج العمود الفقري في ظهر (إريك), ويظل ساكنا ينتظر, لأنه غالبا ما تكون كلماتها التالية: (إريك) خذ هذه القشور وأي شيء يجب التخلص منه إلى صندوق القمامة).

صندوق القمامة على بعد خمسين ياردة من الباب الخلفي الذي يشترك معهم فيه سكان آخرون من المنزلين المجاورين.. لا أحد منهم يخاف راعي الخنازير!.. ماذا كان موقفهم منه?.. لا يعرف بالضبط.. أكانوا يشعرون بالأسى نحو راعي الخنازير?, لأنه يأكل مواد بالية ومبللة من صندوق القمامة مثل أوراق الشاي وقشر البيض وما شابه ذلك.. ربما كان يطهو تلك المواد عندما يعود إلى بيته, ويجعلها مستساغة, بالتأكيد إن ما يأكله لا يبدو لطيفا, فحين ترفع غطاء الصندوق ترى كل شيء ملقى في قذارة, وأحيانا تصدر روائح كريهة جدا.. أراعي الخنازير فقير إلى هذا الحد?!.. أكان حزينا لحاله أم أنه كان راضيا?.. ماذا يشبه راعي الخنازير?.. قد يكون له عينان صغيرتان وأنف مفلطح, هل له أربعة أرجل?.. هل له يدان وقدمان كأي إنسان?.. فكر (إريك) في المسألة بهدوء, وهو مستلق على ظهره فوق سريره.. دلو راعي الخنازير له يد إذن فهو يحمله بيده كما يفعل أي إنسان, إذن فهو لا يسير على أربع, وإذا كان يسير على أربع يمكنه أن يحمل الدلو بفمه, ولكن هذا لايبدو قابلا للتصديق, لأنه إذا كان يسير على أربع فلا فرق بينه وبين الخنزير.. وإذا كان ذلك كذلك فيجب أن يسمى (الرجل الخنزير) بدلا من (راعي الخنازير).. بالتأكيد أن وصف الرجل يتضمن شيئا من ذلك, فقد كان طويلا, يرتدي زيا.. هل يستطيع التكلم?.. ربما بطريقة الخنازير, كيف يتسنى له أن يحدد للناس نوعية المخلفات التي يريد أن يضعوها في دلو?.. قطعا كان ذلك خطأ والدي, كان يمكنه أن يخبرني بكل ما يخص راعي الخنازير, ولكنه مع الأسف رحل.

بعدما تعب (إريك) من التفكير خلد إلى النوم.. وفي المنام رأى أباه وراعي الخنازير مسافرين معا في قطار, راحا بعيدا, صرخ (إريك) في يأس: (أبي حينما تعود لا تحضر معك راعي الخنازير, لا تحضره معك). حينئذ أسرعت أمه إلى حجرة نومه, راحت تقبله, وتفوح بالعطر كوردة, كانت نائمة وأيقظها صراخه, هدهدته, وجعلته يستغرق في النوم فترة أطول دون كوابيس.. ولكن في اليوم التالي عاودته تساؤلات.

لابد أن يذهب إلى المدرسة في الصباح, ويقضي المشاوير بعد الظهر.. آه تجمعت أمام (إريك) أشياء كثيرة في صورة راعي الخنازير.. وناوشه القلق بضع ليال حتى وصلت المسألة فجأة إلى حد الأزمة.

سُمح لـ (إريك) ـ مرة واحدة ـ بأن يُحضر قطاره إلى حجرة العشاء بعد تناول الشاي, لأن في هذه الحجرة مدفأة جعلت الحجرة أكثر دفئا من التي تعود اللعب فيها.. كانت حجرة العشاء دافئة مضيئة, والسجادة المفرودة أمام المدفأة ناعمة سميكة, ومناسبة تماما لمد قضبان القطار.. و(دونالد) قد عاد إلى المنزل, وجلس على مقعد الأب يقرأ في الجريدة ويدخن سيجارة غير عابىء بشيء, والأم في المطبخ تنظف الأواني, وكلا البابين مفتوحان بحيث يمكن لـ (دونالد) والأم أن يتبادلا الحديث, فقط طرقة قصيرة تفصل بينهما, شيء واحد في هذا كله راق (إريك) وأسعده أنه راح يوصل أجزاء القضبان, وينظر إلى القاطرة سعيدا, وهي تقف في عظمة منتظرة العربات لتجرها وتدور بها بسرعة فائقة.. ولكن أثناء نومه يكون بعيدا كل البعد عن أية سعادة.

في تلك اللحظة نادته أمه: (إريك.. مِن فضلك خذ هذه القمامة إلى راعي الخنازير حالا, فيداي مشغولتان في عجينة الكعك, سأدعك تنظف حوض العجين عندما تعود).. ظل ساكنا للحظة, وعموده الفقري يثلج, تمنى لو لم يسمعها, لكن (دونالد) صوب إليه نظراته وقال: (اذهب يا رجل يا عجوز.. إنك طبعا لا تمانع), قال (إريك): سأفعل حين يأتي راعي الخنازير) ثم حادث نفسه في صمت: بالتأكيد سأتخلص من ذلك الشيء الغائر في أعماقي, الخوف من مواجهة راعي الخنازير.. علق (دونالد) بعد برهة الصمت دون أن يعرف بالطبع مادار في خاطر (إريك): (حسنا), وعاد ينظر في جريدته.. آه.. لماذا قال (دونالد) حسنا?!, أيريده حقا أن يواجه راعي الخنازير?! بهدوء غريب سأل (إريك) نفسه: (ولماذا لا ترفض قدماي التحرك).. دخل المطبخ, قالت أمه مشيرة إلى حامل من الورق المقوى ذي لون بني ممتلىء بقشور البطاطس وناتج الكحت: (ها هوذا, خذه), أخذه (إريك), فتح الباب الخلفي, وأسرع الخطى نحو دلو القمامة.. وجد ضوءا, يستطيع أن يرفع الغطاء, يلقي بالمخلفات, ويعود بسرعة في وقت لا يستغرق في العد من (1) إلى (10), عد بصوت عال: 1ـ 2ـ 3ـ 4ـ 5ـ 6.. توقف فجأة, فدلو القمامة غير موجود في مكانه, دقق النظر برغم أن الضوء لم يكن خافتا, فتأكد أن الدلو غير موجود, وأن راعي الخنازير نفسه اختفى.

استأنف العد: 7ـ 8ـ 9ـ 10 , كانت خطواته خفيفة, عاد بسرعة إلى المنزل, حيث الدفء والضوء وقطاره الذي ينتظره.. قال: (راعي الخنازير ذهب يا أمي) عبست الأم, ويداها تتحركان في حوض العجين, قالت: (نعم!, لقد سمعته من لحظة قصيرة).. قال (إريك) بأدب: (ذهب يا أمي, ذهب), ووضع الحامل الورقي مطرحه في المطبخ بهدوء.. ولكن الأم واصلت كلامها مخاطبة (إريك): (إذا تحريت البحث فسوف تلحق به, أريد أن تكون هذه المخلفات بعيدة عن المنزل والطريق العام, الحق به حالا.), وقف (إريك) ساهما أمام باب المطبخ, قالت الأم بخشونة وجدية: (هيا الحق به!), هذه الأم الصغيرة تعرف بالضبط متى تكون حازمة, أكملت كلامها بنفس الخشونة والجدية: (على أي حال لا يمكن أن يكون بَعُد كثيرا..).

وقبل أن تنهي الأم كلامها كان (إريك) خارج الباب يجري.. هذا الأسلوب يعرفه جيدا, نفس الأسلوب الذي يتبعه حينما يذهب إلى ماء شديد البرودة, حتى لو كانت هذه هي النهاية.. حتى لو جذبه راعي الخنازير, وجره إلى كوخه, وهذا أسوأ ما يُحتمل.. جرى بسرعة في ظلام مزقته بقع الضوء.. كان المنظر الخلفي لراعي الخنازير طِبق ما تخيله إلى حد بعيد, يمشي مشية بطيئة متأرجحا, كتفاه ممتلئتان, قبعة بالية مضغوطة فوق رأسه تخفي أذنيه, والدلو في يده.. كان بليدا في سيره كما لو كان مرهقا, ربما كان ذلك مجرد دهاء, لأنه كان يسرع الخطى عندما يرى صبيا أو سيدة تحمل مخلفات.

توقف (إريك) وفتح فمه مناديا راعي الخنازير, لكنه حينما حاول ـ أول مرة ـ لم تصدر إلا ذبذبات صوتية قصيرة مهزوزة مثل هبات ريح خفيفة, وقلبه راح يدق مثل طرقعات بمب الأطفال في الأعياد, وكان من الصعب أن يسمع أي شيء إلا بالكاد.. (يا سيد, يا راعي الخنازير), هذه المرة صدرت الكلمات واضحة مسموعة إلى حد ما.. الشبح العجوز المتأرجح توقف, استدار ونظر إليه, لم يستطع (إريك) أن يحدد بالضبط من أين توقف.. كان من الصعب عليه أن يعرف, وقد غاص كل شيء.. حتى خوفه في موجة كبيرة عفية من حب الاستطلاع.. راح (إريك) يتقدم نحو راعي الخنازير, ومع كل خطو يراه أكثر وضوحا.. وحين وصل وجده رجلا عاديا عجوزا.

ـ “مساء الخير يا بني, هل أحضرت قمامة للخنازير الكبيرة ?”.

أومأ “إريك” برأسه صامتا, وأبرز ما معه.. حادث (إريك) نفسه في صمت: أية خنازير كبيرة?, ماذا يقصد هذا الرجل?).. حط راعي الخنازير دلوه على الأرض, نعم له يدان عاديتان.. رفع الرجل غطاء الصندوق, فقدم (إريك) الحامل الورقي, أثناء ذلك لمست يد (إريك) يد راعي الخنازير فتفجر ينبوع من السعادة في نفس (إريك).. دحرج راعي الخنازير ناتج الكحت إلى دلوه, وناول (إريك) الحامل الورقي قائلا:

ـ “شكرا يا بني”

سأل (إريك) الرجل العجوز: (لمن هذه القمامة?), وبدا صوته كما لو كان له نبرات خاصة.. نهض راعي الخنازير مرتبكا, ثم ضحك بطريقة تشبه الغرغرة, أر, أد, أر, قال: (ليست لي, إذا كان هذا ما تقصده), أر, أر, أر.. غطى راعي الخنازير دلوه, وواصل كلامه: (إنها للخنازير الكبيرة التي تُربى للتسمين, هذا ما يحبونه, فقط ألا تكون قشور فاكهة, قشور الفواكه تسبب لها المغص, أحيانا أضع ملحوظة بشأن ما يجب أن يوضع في الدلو.. قال (إريك) ـ في نفسه ـ: (الآن فهمت لماذا يسمى (راعي الخنازير), طبعا لما لديه من خنازير يرعاها بهذه المهارة الفائقة.

ـ (تصبح على خير, شكرا.)

هكذا قال (إريك) لراعي الخنازير, وركض عائدا, يتناهى إلى أذنيه صوت راعي الخنازير, الرجل العجوز والعادي جدا يرد: (تصبح على خير يا بني).

حادث (إريك) نفسه: كيف فعلتها?!, تقدمت إلى الأمام غير قلق أو وجل مثلما أذهب إلى ماء شديد البرودة.. إنني بالفعل فعلتها.

كان (إريك) يبطىء من سيره كلما اقترب من البوابة.. راح يحادث نفسه بصوت مسموع: (لو كان لديك تساؤل, وأردت أن تعرف إجابته, وشعرت أنك لا تستطيع أن تسأله فإن السلوك الوحيد الذي يجب أن تسلكه بلا تردد هو أن تسأل, وعليك أن تنطلق بخطى مستقيمة نحو هدفك, مثلما ذهبت إلى راعي الخنازير).

لمع ضوء من خلال الباب الخارجي.. فتحه ودخل.. كانت أمه واقفة بجوار المنضدة, تكاد يداها تفرغان من عجينة الكعك.. أمرته أن يكحت الحوض والملعقة, ولكن كان هناك ما هو أكثر أهمية من كحت الحوض والملعقة يجب أن يحدث أولا.. اطمأن (إريك) أن الحامل الورقي في مكانه, وخطا نحو أمه متسائلا: (أمي لماذا لا يكون أبي معنا.. حتى في وجود (دونالد)?!, أقصد لماذا لا يقيم معنا هنا مثل (دونالد)?

ـ (نعم!, نعم يا عزيزي)?!

هكذا قالت الأم, وصمتت

وسرعان ما جاء صوت (دونالد):

ـ (ألم تسمعي ماذا قال (إريك) يا عزيزتي?).

ـ (بلى سمعت, (إريك) يسأل..)

أغلقت الصنبور, وجففت يديها ـ غير ملتفتة إلى (إريك) ـ مستأنفة كلامها:

(.. لماذا لا يمكننا إبقاء (جاك) معنا).

خيم صمت متحفز على المكان لحظة.. ثم قال (دونالد) بهدوء شديد وبصوت خافت لم يصل إلا إلى أذني (إريك):

ـ هذا سؤال صعب جدا يا (إريك).

قالت الأم محاولة تغيير مجرى الحديث:

ـ (حان الآن كحت حوض العجين يا (إريك), هيا يا كسول).

ولما وقف (إريك) ساهما شاردا حملته, وقبلته, حكت خدها بخده.. ثم قالت بصوت مرح حنون:

ـ (يا (إيكي), يا صغيري, يا مسكين)

وعندما أنزلته راح ينظف حوض العجين, واثقا من شيء واحد محدد, هو أن الكبار مجانين وسخفاء, وأنه يكرههم جميعا.

Posted in غير مصنف

المناضل ساراماجوا

saramajooooooooooooooooo

 

الكاتب والمناضل

إذا كان هناك من يتساءل عن وضعية جوزيه ساراماجو: هل هو كاتب مبدع أم مناضل؟، فإنه يمكن العودة إلى ما قاله ألبير كامي: “ليس النضال هو الذي يدفعنا إلى أن نكون فنانين، بل إنه الفن الذي يفرض علينا أن نكون مناضلين”، وساراماجو كان فتى فقيراً عادياً، وعندما قرر أن يكون كاتباً حقيقياً وجد نفسه مدفوعاً إلى أن يكون مناضلاً، لأن الإبداع التزام.

من يعرف هذا الكاتب البرتغالي وقرأ أعماله وتابع نشاطه السياسي والاجتماعي يعرف أن الرجل كان دائماً صادقاً مع نفسه قبل أن يكون صادقاً في مواجهة الآخرين، لذلك فهو وإن كان يتقبل النقد الأدبي بروح سمحة باعتبار أن للنقاد، بل وللقراء أيضاً، حق النقد، لكنه لا يقبل التشكيك في رؤيته للعالم التي يعبر عنها من خلال آرائه، حتى لو تعرض للنقد الجارح، وربما من أبرز المواقف التي تعبر عنه ما حدث بعد زيارته للأراضي الفلسطينية المحتلة إثر مذبحة جنين، التي وصفها بأنها “الجريمة البشعة”، وأنها لا تقل بشاعة عن “أوشفيتز” التي بنت عليها إسرائيل أسطورة وجودها، ورد على منتقديه وقتها، بأنه يفضل أن يكون ضحية كالفلسطينيين على أن ينتمي إلى معسكر القتلة بالفعل: إسرائيل، والقتلة بالصمت: الغرب وإعلامه.

كان موقفه هذا قد جاء بعد الزيارة التي قام بها مع عدد من أعضاء “برلمان الكُتاب الدولي” إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة ليعلنوا رفضهم للممارسات العنصرية الصهيونية بعد أن راعهم صمت الساسة المريب على كل الصعد، لم يكن من بينهم من يعي الحقيقة المرة التي سيواجهونها على أرض الواقع سوى الكاتب الإسباني “خوان جويتيسولو” الذي كانت زيارته تلك الرابعة، فقد سبقتها زيارات ثلاث مطولة قام بها هذا الكاتب الإسباني وأنجز خلالها العديد من البرامج التليفزيونية التي تدين الاحتلال الإسرائيلي، وتكشف حرب “الإبادة” التي يمارسها ضد الشعب الفلسطيني، وأيضاً كتب خلال تلك الزيارات عدداً من الأعمال الصحفية والأدبية، منها مجموعة مقالات في زيارة له عقب اتفاقات أوسلو، كان لي شرف ترجمتها ونشرها باللغة العربية، صدر جزء منها قبل خمس سنوات في كتاب بعنوان “دفاتر العنف المقدس”.

كانت مفاجأة ما هو على أرض الواقع اليوم في العاصمة الفلسطينية المحتلة “رام الله” وما حولها من المدن والقرى الفلسطينية المدمرة كبيرة على من كانت تلك زيارتهم الأولى، وجعلت بعضهم يقارن ـ في دهشة ـ بين ما يراه وما كان يسمعه عن مناطق أخرى في العالم كانت تعيش أحداثاً مماثلة لما يحدث الآن في وجودهم وأمام أعينهم، فقد أشار أحدهم من نافذة السيارة التي كانت تقلهم عبر بقايا المدن والقرى الفلسطينية التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية من دبابات وجرافات على الأرض، وطائرات “أف 16” وحوامات “الأباتشي” الأميركية من السماء، وبتوجيه من أقمار التجسس الصناعية الأميركية التي توفر لتلك القوات كل المعلومات عن أي تحرك فلسطيني حتى لو كان فردياً، وأقامت على طرقاتها الحواجز العسكرية التي تمنع الاتصال ما بين قرية وأخرى إلا بتصريح خاص، لم يكن الهدف منه أمنياً بقدر ما هو “إذلال الفلسطيني والنيل من كرامته في محاولة لوضع حد لمقاومته”، حسب تعبير أحد أعضاء الوفد برلمان الكتاب الدولي، فيما أكد آخر أن “هذا مزيج من التبت وبرلين قبل سقوط حائطها الشهير”.

مجموعة الكتاب المكونة من ثمانية يمثلون جنسيات وانتماءات عرقية ودينية عديدة، كان بينهم اثنان من الحاصلين على جائزة نوبل للآداب: النيجيري “وول سونيكا”، والبرتغالي “جوزيه ساراماجو” أول من حصل على جائزة نوبل للآداب من كتاب اللغة البرتغالية، وكان هذا الأخير صامتاً طوال الطريق يراقب ما يحدث حوله من جرائم، ويحاول أن يجد له شبيهاً في ذاكرته التي شهدت أسوأ ما أبدعته النفس البشرية من تدمير، سواء خلال الحربين الكبريين في أوروبا، أو الحروب الأهلية الدائرة في العديد من بلدان العالم التي زارها للتضامن مع ضحاياها، وكانت آخر هذه الزيارات لمناطق مشتعلة تلك التي قام بها للمكسيك لإعلان تضامنه مع سكان “تشياباس” الهنود الحمر الذين يتعرضون للإبادة هناك، وكانت تلك الزيارة قبل أيام قليلة من زيارته للعاصمة الفلسطينية رام الله، ولم يجد الكاتب البرتغالي شبيهاً في التاريخ الإنساني المعاصر لما يحدث في الأراضي الفلسطينية سوى ما حدث على أيدي النازي خلال الحرب العالمية الثانية، ليس ضد اليهود فقط، بل ضد كل من كان النازي يرى أنه عقبة في سبيل تحقيق “سمو الجنس الآري”، حتى إن المصادر التاريخية تؤكد أن ضحايا النازي من “الغجر” يفوق كثيراً عدد ضحايا اليهود في ما يسمونه “المحرقة”.

ولأنه يدرك أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة على أيدي جيش مسلح بأحدث ما يملك البشر من أدوات للتدمير في هذا العصر لا يمكن التعامل معه على أنه مجرد “مواجهة” بين قوتين؛ لأن المواجهة تكون عادة بين قوتين شبه متعادلتين في العدد والعدة، بل هي حرب “إبادة” لا يمكن أن يكون لها اسم آخر، فقد قال كلمته التي كانت لا تعني سوى الحقيقة: “هذه هي المحرقة النازية التي يمارسها الجيش الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، ورام الله المحاصرة، تذكرني بمعسكر أوشفيتز النازي”.

بهذا التصريح المباغت للإعلام الصهيوني، ليس في إسرائيل وحدها بل والإعلام التابع والمؤيد للصهيونية في العالم أجمع، الذي لم يتوقع أن يكون بين أعضاء الوفد من يجرؤ على كسر المحرمات الصهيونية، كان رأي جوزيه ساراماجو خروجا عن نطاق الآراء واللغة الدبلوماسية التي اعتادوا سماعها من “المرتعبين” من مجرد نطق كلمة “المحرقة”، رغم أنها لم تعد تقول شيئاً بعد كل هذه السنوات التي اُستهلك استخدامها من قبل إسرائيل.

تصريحات وصدمة

هذه الصدمة التي أحدثتها تصريحات ساراماجو في إسرائيل وبين مؤيديها كشفت عن جهلهم لموقف الرجل، فهو لم يكن يوماً من هؤلاء الذين اعتادوا الابتعاد عن الصدق في التعبير، لا في وطنه ولا خارجه، حتى خلال تسلمه لجائزة نوبل كان خطابه من أجرأ الخطابات التي اعتاد جمهور “نوبل” أن يسمعها من الفائزين بها كل عام، والتي لم تكن تخرج عن التعبير عن السعادة بشرف الفوز بها، وتبجيل صاحبها، لذلك في زيارته للعاصمة الفلسطينية المحاصرة “رام الله” لم يمنع نفسه من التعبير عن رأيه الحقيقي الذي يفكر فيه دون انتظار لمكافأة من أحد، بل كان يعرف أن كل ما سيقوله قد يجلب له المتاعب من قبل وسائل الإعلام التابعة والخاضعة للسيطرة الصهيونية التي ترى في كل رأي مخالف “عداء للسامية”، وكأن إسرائيل هي تلك السامية المزعومة، وكما قال كاشفاً حقيقة أخرى لم يجرؤ أوروبي قبله على البوح بها علناً: “إسرائيل لا ترى موقفاً ثالثاً لأحد، إما الانضمام إلى جوقة المؤيدين إلى السامية طبقاً لتعريفها، أو احتلال مكان العدو للسامية، ذلك السلاح الكاذب الذي يوجهونه إلى مناهضيهم”.

عندما قال ساراماجو في مؤتمر صحفي في رام الله إن ما يحدث من حوله ليس سوى “أوشفيتز” ـ معسكر النازي الذي يقول دعاة الصهيونية إن ملايين اليهود ماتوا فيه ـ حاولت صحفية إسرائيلية ابتزازه قائلة: “لا توجد هنا أفران غاز”، فرد عليها بهدوء: “ما أقوله يتعلق بالفعل وليس بالاسم، وما يحدث هنا يصدر عن روح مماثلة (للنازية) وهذا واضح جداً هنا”، وزاد في رده بقوله: “إن ما يحدث هنا جريمة ضد الإنسانية، وإذا كانت كلمة “أوشفيتز” تغضب الإسرائيليين فعليهم أن يختاروا كلمة أخرى للتعبير عن ما أراه هنا، وعلى أي حال لن تكون أي كلمة أخرى لوصف ما يحدث هنا أقل بشاعة من وصف المحرقة النازية”.

كان ساراماجو يعرف أيضاً أن تصريحاته الناطقة بالحق والحقيقة سوف تثير عليه حرباً تستخدم فيها الصهيونية كل ما تملك من أسلحة دعائية لتشويهه، ولكنه كان جاهزاً للرد، لأنه يعتقد أنه يقول الحق، ولذلك لم يحاول التملص من كلماته أو النكوص عنها، كما حدث من قبل مع الكثير من الساسة والمثقفين، بالتراجع تحت الضغوط من خلال محاولة تقديم تفسيرات من ذلك النوع الذي يستخدمه السياسيون عندما يؤكدون أن تصريحاتهم “قد أسيء فهمها”، أو “اقتطعت الكلمات من سياقها”.

لم تمض ساعات حتى أكد الكاتب البرتغالي في حوار مع صحيفة “الباييس” الإسبانية بالهاتف أجرته معه الصحيفة وهو لا يزال في فندقه في تل أبيب، لعله ينفي أو يتراجع، أو يحاول التملص من كلماته، فما كان منه إلا أن أكد من جديد أن كل كلمة قالها في اتهامه إسرائيل بممارسة “حرب إبادة” ضد الفلسطينيين كانت تعني ما تتضمنه، وأنه فكر كثيراً في هذه الكلمات، واعتنى باختيارها قبل الإدلاء برأيه؛ لأنه ببساطة وصف بدقة ما شاهده على أرض الواقع، وغير مستعد للخضوع لأية ضغوط للتراجع عن ما قاله حرفياً، وأكد أنه إذا كانت إسرائيل لا تريد أن تسمع اسم معسكر النازي “أوشفيتز”، فإنه تعمد “ذكر هذه الكلمة بالتحديد حتى يهتز المجتمع الإسرائيلي من داخله ويطرح نقاشاً حول ممارسات جيشه وحكومته ضد الفلسطينيين، وأن يتخذ ما من شأنه أن يوقف المعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني حتى لا يتكرر مع الفلسطينيين ما حدث لليهود على أيدي النازي”.

Posted in غير مصنف

تحتاج لمعرفة أسماء الأصوات لكتاباتك و ترجماتك

newseventsimages

إعداد : محمد معمري

أسماء الأصوات

أصوات الإنسان:
– أصوات الناس: هيضلة.
– صوت الناس المزعج: ضجيج.
– صوت الفم: نطق، كلام، قول، تمتمة، همس…
– صوت تجويد القرآن: ترتيل.
– صوت النداء: هتاف، صياح.
– صوت التشجيع: أهازيج.
– صوت المريض: أنين.
– صوت الثكلى: عويل.
– صوت البكاء: نواح، خنين.
– صوت الأذن: طنين.
– صوت الأيدي: تصفيق.
– صوت الأرجل: دبيب.
– صوت الأمعاء: غرغرة.
– صوت الأنف: شهيق وزفير، عُطاس.
– صوت الأسنان: اصطكاك، الصَّريف، الصَّرير.
– صوت المفاصل: فرقعة.
– صوت القلب: نبض.
– صوت أسف: آهات.
– صوت نفخ الهواء: صفير.
– صوت النوم: شخير.
– صوت الفرحة: زغاريد، صيحة.
– صوت النجدة: صيحات.
– صوت الطرب: غناء.
– صوت حركة الإنسان : الجِرْس.
– صوت البكاء: النحيب.
– صوت الطفل عند الولادة: الاستهلال.
– صوت المشتاق: التأوّد.
– صوت المستطيب: التأخيخ // ” أَخ ، أَخ “.
– صوت بكلام غير مسموع: التَّجمجم، والتَّغمغم.
– صوت الشفة غير المسموع: التمتمة.
– صوت المتذوّق باللسان: التمطّق.
– اجتماع أصوات الناس والدواب: الجَلَبَة.
– الصوت الشديد عن الفزعة أو المصيبة: الصّراخ، الزَّعْقَة.
– الصوت الشديد عند الخصومة أو المناظرة: الصَّخَب.
– صوت تردّد النَّفَس في الصدر عند خروج الروح: الحشْرَجَة.
– اجتماع أصوات الناس والدواب: الضَّوضاء.
– صوت الضحك: القَهْقَهَة.
– صوت المعدة عند الجوع: الكَرْكَرَة.
– صوت تنفُّس الذي يشعر بالبَرْد: الكَهْكَهَة.
– صوت المرأة التي تصيح: واويلاه: الوَلْوَلَة.
– أصوات مبهمة لا تُفهم: اللّغَط.
– صوت الجيش في الحرب: الوَغَى.
– صوت المكروب الذي يخرج خافياً: الحنين.
– صوت الكلام الخافت: الهَمْس.
– صوت الخطى: الوَقْع.
– صوت الصدر: الزَّفْر.
– إخراج النَّفَس بأنين عند عدم الرضى ، أو عند عمل أو شِدّة: التذمّر.
– صوت الحق: اللعلعة.

* أصوات الحيوانات:
– صوت الأسد: زئير.
– صوت الفيل: نهم، الصيء.
– صوت الذئب: عواء.
– صوت القط: مواء.
– صوت الكلب: نباح.
– صوت البقر: خوار.
– صوت الماعز: ثغاء.
– الحمار: نهيق.
– صوت الحصان: صهيل.
– صوت الأفعى: فحيح.
– صوت أرجل الحصان: طقطقة.
– صوت الجمل: هدير، رغاء.
– صوت القرد: قهقهة.
– صوت البغل: شجيج.
– صوت الضفدع: نقيق.
– صوت الضبع: زمجرة.
– صوت الشاة: الثغاء.
– صوت التيس: النبيب.
– صوت العنز: اليعار.
– صوت الأرنب: الضغيب.
– صوت الثعلب: الضباع.
– صوت الخنزير: القباع.
– صوت الظبي: النزيب.
– صوت الغزال: السليل.
– صوت الدب: القهقعة.
– صوت الكلب إذا خاف: الوَقْوَقَة.
– صوت الكلب إذا أنكر شيئاً أو كَرِهَهُ: الهَرير.
– صوت الهرّة في نومها: الخَرْخَرَة.
– صوت الفرس أو الحصان إذا طلب العلف أو استأنس إلى صاحبه: الحمْحَمَة.
– صوت دعاء الكلب للشرب: الإشلاء.
– صوت الفأر: الصيء، الصرير.
– صوت العقرب: الصيء.

* أصوات الطيور:
– صوت الديك: صياح.
– صوت الدجاجة: الإنقاض.
– صوت الغراب: نعيق.
– صوت البلبل: تغريد.
– صوت العصفور: شقشقة.
– صوت الحمام: هديل.
– صوت الطيور: زقزقة.
– صوت العصفور: شقشقة.
– صوت البومة: النعيق.
– صوت النعّام: الزمار.
– صوت الظليم – ذكرالنعّام -: العِرار.
– صوت الذباب ، والبعوض ، والنحل: الطنين.
– صوت حركة جناح الطير والحية إذا تحرش بعضها ببعض: الحفيف.

*أصوات الطبيعة:
– صوت الماء: خرير.
– صوت الموج: هدير.
– صوت الرعد: الدوي، الأزيز، القصف، الزَّمْزَمَة.
– صوت أوراق الشجر، أو الشجر: حفيف.
– صوت الريح: صرير، الدَّمْدَمَة.
– صوت أجنحة البعوض: الطنين.
– صوت النار: الحَسِيس، زفير.
– صوت هبوب الريح عند الفجر: الجُشْأَة.
– صوت الرعد كأنَّه يتكسَّر: الهزيم.
– صوت الصدى: الرَّجْع.

* أصوات المواد المصنوعة:
– صوت الأوراق النقدية: حفيف.
– صوت الطائرات: أزيز.
– صوت الجرس: الرنين، الجَلْجَلَة.
– صوت السيوف في الحرب: غرغرة.
– صوت ضرب السيوف: صليل.
– صوت القطار.
– صوت الزجاج حين يتهشم: زنين. [ هذا استنباط خاص استنبطته من كلمة زُنان التي تعني الزجاج المهشم في مدينة وجدة من المملكة المغربية]. وقد يكون صوت الزجاج كذلك بدل أو إضافة إلى طنين، وأزيز.
– صوت القنابل: فرقعة، دوي.
– صوت غليان القدر: أزيز.
– صوت الطبل و الحرب: الدمدمة.
– صوت دليل القافلة: الحداء.
– صوت الناي: الأنين.
– صوت الرصاص: الأزيز.
– صوت الرَّحَى”طاحونة الحبوب”: الجعجعة.
– صوت الثوب الجديد: الجفْجَفَة.
– صوت النعل: الخَفْق.
– صوت الأوتار: الطَّنْطَنَة.
– صوت الحُلي: السِّواس.
– صوت الطُّنبور: الطنين.
– صوت السلاح ، والجلد اليابس ، والقرطاس: القَعْقَعَة.
– صوت محرّك السيارة: الهدير.
– صوت العود: النّقْر.
– صوت القلم ، والسرير ، والطست ، والباب ، والنعل: الصَّرير.
– صوت الحديد ، واللجام ، والسيف ، والدراهم ، والمسامير: الصَّلْصَلَة والصَّليل.
– صوت حركة القرطاس ، والثوب الجديد ، والدرع ، والأوراق اليابسة: الخَشْخَشَة.
– صوت الجرَّة وما شابَهَها في الماء: البَقْبَقَة.
– صوت القوس: الحِضْب والحُضْب.

Posted in قصة_قصيرة،مقال،غير مصنف

أدباء اليوم تحولوا إلى مخادعين

ماريو فارغاس يوسا: أدباء اليوم تحولوا إلى مخادعين…أخشى انتفاء مفهوم النخبة في عصر الديمقراطية ما يؤدي إلى فجور ثقافي

 

 إعداد: مها محفوض محمد : 

لقبه بلزاك أميركا اللاتينية، ذاع صيته في عالم الأدب بعد روايته الأولى «المدينة والكلاب» التي نال عليها عدداً من الجوائز تتالت بعدها رواياته وجوائزه «من ضمنها جائزة ثرفانتس للآداب عام 1994» إلى أن حاز جائزة نوبل للآداب عام 2010 بعد نحو ثلاثين عملاً بين رواية ومسرحية ودراسة من أهمها «البيت الأخضر»، «امتداح الخالة»، «حرب نهاية العالم»، «حفلة التيس» وآخرها «البطل الخفي».
الروائي الصحفي والسياسي البيروفي ماريو فارغاس يوسا (مواليد البيرو 1936) يعد من أعظم أدباء أميركا اللاتينية أبدع في جميع أعماله التي تميزت بنزعة التغيير للمجتمع، فلم يتوقف عن الدفاع عن حقوق الإنسان كما قدم وصفاً رائعاً في رواياته لبلاده والتي مزقها العنف والتعصب وركز على حقيقة الحياة فيها، ولا تنفصل عنده السياسة عن الأدب وبرأيه فإن الأديب يمكن أن يقوم بدور سياسي مهم وكان قد رشح نفسه لانتخابات الرئاسة في البيرو عام 1990.
العمل الأخير له صدر عام 2012، وهو أول عمل بعد نيله جائزة نوبل، كتابه «حضارة الاستعراض» الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية حيث نشر يومها باللغتين الإسبانية والإنكليزية، وفيه يطرح يوسا واقع المثقف الذي تحول إلى فوضى، إذ لم يعد الزمن زمن المثقفين إنما زمن استعراض وتضليل وإن ثورة الاتصالات والعولمة سوف تجرف العالم نحو الانحطاط الثقافي فينطلق الكاتب في حرب ضد التفاهة الفكرية «تفاهة المثقفين» وصلافة السياسيين ووقاحتهم وانحطاط الفن في اللهو والتسلية وفي ذلك يقترب يوسا من أدباء آخرين طرحوا الفكرة ذاتها مثل الكاتب الأميركي جورج ستاينر وغي ديبورد الذي يرى أن قراءة مجتمع الاستعراض ضرورية جداً، حيث تسيطر السلعة في جوانب الحياة من خلال الاستعراض الذي يصّر على تحويل البشر المنتجين إلى متفرجين سلبيين وغيرهم من الأدباء الذين يؤكدون اليوم تراجع القيم الديمقراطية في المجتمع الغربي وأن المثقف لم يعد قادراً على قول الحقيقة وهذا ما تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي دومينيك لوكور في كتابه «المثقفون التافهون» وكان فرويد قد نشر كتابه «قلق في الحضارة» منذ عام 1930 ليعبر أدباء اليوم عن قلقهم من اللاحضارة أو اللاثقافة من ثقافة مضادة هدفها تدمير كل ثقافة، ففي كتابه «حضارة الاستعراض» يؤكد يوسا أننا نعيش اليوم في حضارة، ثقافتها التسلية واللهو والابتعاد عن أي جهد وتعب أي هي استعراض وليست حضارة، فينتقد الكاتب المساحات الواسعة التي تفسحها الصفحات الثقافية في المجلات والنشرات لعالم الأزياء والطبخ، حيث أصبح مصممو الأزياء والطهاة هم النجوم بدلاً من الكتاب والعلماء والفلاسفة أليست حضارة الكارثة كما يشير؟
يقول ماريو يوسا: صحيفة لوموند الفرنسية وهي من أهم الصحف العالمية كادت تعلن إفلاسها في الأعوام الأخيرة لولا أنها بدأت تخصص مساحات للتسلية للنكتة ثم للخبر ثم للتفاهة والفضيحة وهذا ما تنتهجه كل وسائل الإعلام الكبرى في العالم من دون استثناء كي يتسنى لها إثبات وجودها فتقدم الأخبار استعراضاً بطابع مثير ويلتبس الحق بالباطل كما يحدث في عالم الخيال.
وبمناسبة نشر الكتاب باللغة الفرنسية مؤخراً تحدث يوسا إلى مجلة لوبوان الفرنسية عن تسميته الكتاب «حضارة الاستعراض» قائلاً: هو استعراض من دون حضارة، فكلمة ثقافة تغير معناها جذرياً عبر جيلين أو ثلاثة إذ كان لدى العالم فيما مضى إجماع حول ما نسميه «الثقافة العليا» من آراء وفنون وعلم الجمال، اليوم يدور الإجماع حول فكرة أن الثقافات جميعها متساوية، فلم تعد الثقافة مرادفاً لفكر نقدي لحكم جمالي إنما أصبحت ثقافة لهو وتسلية بعيدة عن أي نقد حقيقي، أما الثقافة الأكاديمية الجامعية فلا تزال صامدة لكنها معزولة عن المجتمع، بينما ثقافة عامة الناس هي التلفزيون والمسلسلات لتصبح الظاهرة إجمالية انتشرت عدواها في جميع قارات العالم وبين كل الطبقات.
لم يعد هناك دمقرطة للثقافة إنما للجهل لا لثقافة اليوم حتى بين النخب نجد أناساً سعداء بما هم عليه من جهل بتذوق الأدب والفنون، لقد تضاءل تأثير المثقفين في المجتمعات اليوم ولا ننسى انحدار المستوى الفكري والأخلاقي لدى النخب السياسية، أعتقد أن السياسة هي مفتاح كل شيء، وعلى الروائي ألا يبتعد عنها لقد ترشحت للرئاسة مع أنها لم تكن ميولي ولم تكن قدري، ومنذ ذلك الحين أعيش في إسبانيا كشاهد ملتزم أدافع عن الأفكار الليبرالية ليس كعقيدة إنما كهدف، لقد منحت جائزة نوبل للآداب لأنني دافعت عن الحرية عبر الأدب وجائزة نوبل بالأصل تم استيحاؤها من قيم اليسار المضبوطة سياسياً وأنا آخذ على عاتقي أني مع جماعة القرن التاسع عشر من الليبراليين الفرنسيين ومع كارل بوبير وجان فرانسوا ريفيل عبر أبحاثي ورواياتي.
اليوم علينا التوضيح أن هناك الكثير من أشياء الماضي يجب الحفاظ عليها في عالم الغد مثل حق الاختلاف، التراتبية، النخب ودورها وأمور أخرى من حقنا أن يكون لدينا ردود أفعال تجاهها، فأنا أريد الحفاظ على ما هو نادر وقيم وسط هذا اليباب الثقافي الذي وصل إليه العالم المستعرض.
وعن سؤال: إلى ماذا يخدم الأدب يجيب يوسا:
الأدب غذاء للروح المتمردة والإبقاء على الحس النقدي ومناقضة أنَّ العالم متقن وأن المجتمع يسير كله بشكل جيد، الأدب الحقيقي هو الرافض دوماً لزمن الخلط والفوضى، الأدب يساعد على فهم الحياة فهو يعيدنا إلى الماضي ويجعلنا نشعر بالانتماء لتجربة البشر الغنية المتراكمة عبر العصور، فهو أعظم إنجاز للثقافة وكان المحرك الحقيقي للتطور التاريخي والمدافع الأكبر عن الحرية، واليوم هو ضروري أكثر من أي وقت مضى لأنه ينبهنا يوقظنا يدل على عيوبنا لكن للأسف كثير من أدباء اليوم تحولوا إلى مخادعين يحاولون إغماض عيوننا كما نغمض عيون الأطفال حين تنويمهم، والرواية لم توجد لتجعلنا نحلم بل لتوصّف حالة الفوضى والخواء الذي يسود العالم، وما أخشاه هو انتفاء فكرة وجود النخب وأن النخبة يجب أن تختفي لدى البعض في عصر الديمقراطية ما يشكل التباساً كبيراً وهذا يقود الفكر ليس إلى الحرية بل إلى فجور ثقافي.
وعن سؤال ما الشخصية في الرواية لكاتبها؟ يجيب يوسا:
هي إسقاط لذاته، للعنة الموجودة في داخله لكنها أيضاً صورة عن الكائنات المحيطة به والكاتب ليس بالأمر السهل عليه أن يكون تحت رحمة شخصياته كما أن الأدب يدفعنا إلى النرجسية وإلى الاستعراء، فالروائي يقوم بدور متواضع لكنه بالغ الأهمية وغير محدود إذ لا يتحدث عن نفسه إنما يتحدث بصوته وسيرته الخاصة عن العالم حيث يقود صراعه ضد الفوضى والالتباس.
وما وجعك اليوم؟ يجيب يوسا: الفساد البطيء للعقول والمؤسسات، الصفاقة التي تقول: ما فائدة الجمال؟ والحقيقة غير موجودة كل ذلك يتساوى عند الذين يقلعون عن التفكير. وتلك مهمة الأدب أن يذكرنا بمقدار ما تكون الأرض التي نقف عليها صلبة وبمقدار ما تكون ألوان المدن التي نعيش فيها براقة يعني أن الشياطين تنتظرنا في كل مكان.
ولماذا تكتب؟ لأني غير سعيد.

Posted in غير مصنف

غونتر غراس و هوس الألقاب 

ترجمة : يوسف أبو لوز

تأخذني الكتابة عن الإبداع إلى الكتابة عن الكتابة، فهي أس الإبداع، والإبداع الأدبي هو العنوان الأبرز للكتابة.
الإبداع مفهوم واسع، فهناك إبداع في العلوم، وإبداع في الإدارة، وإبداع في القيادة، وإبداع في الاقتصاد، وإبداع في الزراعة، وإبداع في التصنيع، غير أن الكتابة هي المفردة الجاذبة لروح كلمة «إبداع»، وهكذا، عندما يقال «فلان مبدع» يذهب بك المعنى إلى أن هذا «الفلان» هو شاعر بارع على نحو خاص، أو أنه روائي متميز، أو كاتب قصة محترف، وبتكثيف آخر، هو كاتب، وهاجسه الكتابة.

لقد استهلكت كلمة «مبدع» كما استهلكت كلمة «أديب»، واليوم من السهل إطلاق كلمة أديب على شاعر يقرأ للمرة الأولى في أمسية شعرية، أو من السهل إطلاق كلمة أديب على شاعر أو روائي أو قاص يصدر أول كتبه، وقد أسهمت بعض الصحافات الثقافية في هذا الاستسهال في الوطن العربي، والأمر نفسه ينطبق على كلمة «مبدع»، فالشاعر، مبدع، منذ الإصدار الأول له، والروائي «مبدع» منذ روايته الأولى، وهكذا، على هذا النحو الاستسهالي المجاني من دون الأخذ في الاعتبار التجربة الإبداعية هذه وعمرها، ومرجعياتها، وحجم التعب عليها، ومدى جديتها، ثم حجم قراءة هذه التجربة نقدياً، وبأدوات نقدية منهجية علمية.

لذلك، وهروباً من التباسات كلمتي: أديب، ومبدع، ينأى البعض عن هاتين الكلمتين باتجاه الكتابة، أو الأصح، الكتابة عن الكتابة.

ليست كل كتابة أدباً، وليست كل كتابة إبداعاً، والأرجح أن الكتابة هي الطفولة، والكتابة هي الإقامة في الكتابة.

الكتابة خيار، ومصير، وسلوك، والكتابة هي الشعور بالامتلاء، بل الشعور بالقوة والثقة، بل الشعور بالشجاعة، والطمأنينة. وحتى الغرور. الكتابة، طريق إلى الاستقلالية، والكتابة، مدى مفتوح للحرية.

كان الروائي والشاعر الألماني «غونتر غراس» مستقلاً وحراً، قبل أن توصله الكتابة إلى نوبل، وبعدها أوصلته الكتابة إلى نوبل. الكتابة هي حريته واستقلاليته، وأسلوبه في العيش وفي الحياة. غابرييل غارسيا ماركيز كاتب حر ومستقل، ودربه إلى نوبل هو الآخر كان درب الكتابة.

خذ النماذج الأدبية الكبرى في العالم: ميلان كونديرا، نجيب محفوظ، أراغون، البياتي، أدغار آلن بو، محمود درويش، رامبو، أنسي الحاج، سان جون بيرس، أدونيس، ناظم حكمت، أمل دنقل.. والقائمة طويلة.. هي قائمة الاستقلالية والحرية، أو هي قائمة الكتابة.

بقيت هذه النماذج في ذاتها الخلاّقة، والكثير من كتّاب العالم الكبار اختاروا العزلة، وابتعدوا، بكبرياء نبيلة عن بهرجة وغش الإعلام، وأيضاً، الكثير من الكتّاب الكبار عاشوا في ما يشبه «قلاع أنفسهم»، والأجمل في هؤلاء أنهم كانوا يجفلون، بل يتطيرون من نقاد الأدب هؤلاء المولعين بإطلاق الأوصاف الكبيرة، مثل الشاعر الكبير، والروائية الكبيرة، والأديب العظيم، والمبدعة العظيمة، وإلى آخر هذه الخلطات الجاهزة. الكتابة، بهذا المعنى، أي معنى النأي والعزلة والاستقلالية والحرية، هي نوع من الخلاص والتطهر والتحضر. الكتابة بهذا المعنى تمدّن بشري نظيف، وشكل من أشكال الرقي، بل، الكتابة سفر في الأمكنة وفي البشر وفي الحضارات بعيداً من التقوقع في ذات نرجسية متضخمة جوفاء.

أخيراً، وليس أخيراً بالطبع.. الكتابة التي تحقق هذه الطهرانية والرقة والعفاف هي الفكر، واستعمال القلب والعقل معاً في معادلة إنسانية حضارية تحيل إلى الإشباع والجرأة والنبل.