Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

اليوم الأول للمدرسة

في اليوم الاول للمدرسة
تشارلي جاكسن

ترجمة عن الإنكليزية كامل السعدون


كان يوماً مؤثراً في حياتي ، إنه يوم بدء دوام إبني ( لاوري ) في المدرسة ، يا إلهى كيف نمى بهذه السرعة ، ها هو يتخلى لأول مرة عن ارتداء “الاوفراول ” ، ويكف عن دس إصبعه في فمه ، وبدلا من ذلك يرتدى بنطال ألجينز مع حزام جلديٍ أسود .
، لاحظته يرافق الفتاة الأكبر سنا في البيت المجاور لبيتنا ، أدركت إن مرحلة لذيذة عذبة من العمر قد انتهت إلى غير رجعة ، وان هذا الكائن المسالم الودود الذي لا يستطيع أن يفعل شيئا او يخطو خطوة دون إرادتي قد حل محله ولد شقي ببنطال طويل وحزام ، ووجه جاد بصورة مضحكة ، ولد عاق .. نسى حتى أن يقف في منتصف الطريق ليلوح لي مودعا . عاد من المدرسة بذات الطريقة ، في البدء صر صوت الباب منفتحا ، رمى طاقيته على الأرض ، بدا لي صوته منذئذ وقد صار اقرب منه إلى الصراخ :
– أما من أحد هنا ؟
. عند الغداء تحدث مع والده ، بعد أن اهرق حليب أخته بالطريق ، قال إن المعلمة تقول إننا لا ينبغي
أن نقسم بالله كثيرا ونسيء استخدام اسم الرب في الطريق ، كيف كانت المدرسة اليوم ؟
سألته عرضيا .
– لا باس ” أجابني ” ،
– هل تعلمت شيئا ؟ ( سأله والده )
– لم أتعلم شيئا بالمرة هذا اليوم ( أجاب ببرود ) ….
– لا شيء …بالمرة …؟ ( سألته باستغراب )
– – لا …( وصمت لبرهة ثم تألق وجهه وأجاب ) … المعلمة عاقبت أحد الأولاد…!
– لماذا ؟ سأله أبوه وقد بان عليه الاهتمام .
– لأنه كان غير مهذب … كان مستحقا لتلك العقوبة … كان غاية الوقاحة ” قال ذلك وفمه ملآن بالطعام !
– ولكن من كان هذا الولد ؟ وما الذي فعله ” سألته …” .
فكر قليلا ثم أجاب
– تشارلس ، لقد ضربته المعلمة …. وأوقفته عند الزاوية على رجل واحدة …!
ثم انزلق من كرسيه متسللا وفمه ملآن بالطعام ، دون أن يشفي غليلي بإجاباته . في اليوم التالي وعند الغداء أيضا وحالما تسلق كرسيه ، بدا عليه الاهتمام والتفكير وكأنه يدبر أمرا :
– حسنا تشارلس هذا اليوم غدا اكثر فظاظة وسوء أدب ، شيء لا يطاق .. لقد … لقد ضرب المعلمة هذا اليوم …!
– يا الهي … هذا فضيع … فضيع ..هذا غاية الاستهتار ” قلت وأنا بغاية التأثر والاشمئزاز لسلوك هذا الطفل الشاذ ”
– هذا أمر لا يمكن السكوت عنه ، كيف يسمحون لمثل هذا الطفل في البقاء بالمدرسة .
– هذا الطفل لا شك مريض ويجب أن يأخذ إلى مصحة للعلاج النفسي ” قال أبوه وقد توقف عن الأكل متابعا بغاية الاستثارة والاهتمام هذا الحديث الغير مستحب في هذه الساعة وهذا المجلس ، والذي فرضه علينا دون إرادتنا ولدنا الحبيب .
– احسب انه عوقب بقسوة هذا اليوم أيضا ” قلت باهتمام وترقب للرد .
– لا شك فمثل هذا الفعل لا يمر قطعا دون عقاب ، وعقاب حازم أيضا ” قال زوجي ” .
– طبعا .. طبعا ..” قالها ضاغطا بقوة على مخارج الألفاظ وقد بدت لهجته لهجة تشفي من هذا التشارلس .
– لكن ماذا فعلت المعلمة له حتى يسيء الأدب معها بهذه الصورة ألمستهجنه ” سألته بسرعة بعد أن لاحظت تململه في مجلسه وخمنت انه موشك على الإفلات لغرض اللعب في الخارج .
– لأنها أرادت منه أن يلون باللون الأحمر في حين كان هو يرغب باستعمال اللون الأخضر ، ولهذا ضرب المعلمة ، فردت هي بمعاقبته بالضرب بالمسطرة على مؤخرته ، ثم … قالت :
– لا أحد يلعب مع تشارلس …” ولكننا جميعا لعبنا معه… وقهقه بتحدي ثم أفلت فاراً جهة الباب ” .
اليوم الثالث ، كان يوم الأربعاء من الأسبوع الأول من دوام ولدي في المدرسة ، في هذا اليوم قام تشارلس بدفع الأرجوحة بقوة نحو وجه إحدى الفتيات مما أدى إلى إصابتها إصابة عنيفة سببت نزفا في الرأس وهذا ما دفع المعلمة إلى معاقبته بإبقائه في الصف طوال فترات الاستراحة ، وحرمانه من اللعب مع الآخرين في الفسحة . يوم الخميس ، توجب على تشارلس أن يقف عند الحائط خلال حصة قراءة القصص ، لأنه ظل يدق برجله على الأرض حارما الآخرين فرصة الاستماع بهدوء للدرس ، الجمعة …حرم تشارلس من امتياز النهوض إلى السبورة ، لأنه رمى طبشورا على أحد التلاميذ .
يوم السبت ، لفت نظر زوجي ” إلا تعتقد إن روضة الأطفال هذه تفتقد إلى الاستقرار ؟كل هذه المتاعب التي يسببها تشارلس ، زائدا إن المدرسة تفتقد إلى قواعد تربوية سليمة ، كما إن التأثير السيئ الذي يسببه تشارلس على ابننا والآخرين ، سيؤدي لا شك إلى اضطرابات سلوكية ” لا باس ، سيكون كل شيء على ما يرام ” قال زوجي لطمأنتي ” أشخاص مثل تشارلس ، لا بد للمرء أن يلتقيهم عاجلا أم آجلا ” .
يوم الاثنين ، جاء ولدي متأخرا ، وفي جعبته كومة أخبار :
– تشارلس .. ( هتف …حالما ولج باب البيت ) وانتبهت بكامل كياني له ، إذ كنت متلهفة لسماع ما فعل تشارلس هذا اليوم …!
– تشارلس كان سيئ السلوك هذا اليوم أيضا .
– قل ما عندك بسرعة .. ماذا فعل تشارلس اليوم …!
– أتعلمين ماذا فعل تشارلس اليوم ؟ قالها وهو يتبعني إلى غرفة المعيشة حيث مائدة الغداء معدة سلفا ، حيث أكدت له أني لا اعرف ، أجاب بتلذذ :
– لقد بدا فجأة يصرخ صراخا مرعبا ، لقد أخاف الجميع .
قد هرول بعض منا إلى المعلمة لاستدعائها في الحال ، وحين جاءت من استراحتها أمرت تشارلس بان يبقي في الصف حتى بعد نهاية دوام المدرسة ، وقد ظللنا جميعا في المدرسة لمشاهدته .
– وماذا فعل هو ؟ ” سالت باهتمام ” .
– لقد جلس هناك دون أن يفعل شيئا ” أجابني وتابع ”
– لقد ترك لما بعد انتهاء الدوام . ”
– أي نوع من الأطفال هذا التشارلس ، كيف يبدو يا ترى ؟ ” قلت لزوجي الذي بدا عليه الانفعال هو أيضاً ، وتسائل بدوره محتدا ” :
– ما هو اسمه الكامل ؟ .
– انه اكبر مني ، ثم انه لا يأتي معه بأقلام ومساحات ، وهو لا يرتدي كنزه صوفية ! ” أجاب ولدي ، وسط دهشتنا لهذا الرّد الذي لا يفصح بشيء عن هوية تشارلس .
مساء هذا الاثنين كان لدينا في المدرسة لقاء الأباء بالمعلمين لدراسة أمور أبنائنا ومناقشتها مع الهيئة التعليمية ، لكني وللأسف الشديد لم استطع الحضور لبرد أصاب رضيعي ، كنت في غاية اللهفة للذهاب إلى المدرسة ورؤية تشارلس ، ولكني حرمت من هذه الفرصة ، في اليوم التالي جاءنا لورلي بخبر ليس عن تشارلس هذه المرة .
– أتعلمون .. معلمتنا ، جاءها زائر هذا اليوم ..!! .
– ماذا أهي أم تشارلس يا ترى ” هتفنا أنا وزوجي بصوت واحد ” .
– كلا ..” قال لورلي بازدراء ” .
– كلا انه شخص جاء وأعطانا تمارين :
– هذا جميل .. وتشارلس .. ألم يؤدي التمارين ” سألت باهتمام ..” .
– كلا تشارلس … لقد كان سيئا جدا مع صديق المعلمة ولم يسمح له بان يعطيه تمارين .
– ثم…. ” … تابع بعد هنيهة تفكير ” .
– لقد رفس صديق المعلمة .. بعد أن طلب منه أن يلمس إصبع قدمه كما افعل أنا هكذا الآن ” وأحنى جذعه إلى الأمام ليرينا كي فعل تشارلس ما طلبه منه صديق المعلمة ، ثم رفسه تشارلس ببطنه .
– ماذا تعتقد انهم سيفعلون مع تشارلس ؟ ” سألت زوجي ” .
– سيرمونه خارج المدرسة.. كما أظن ” أجاب بحنق وكأنه يتمنى أن هذا هو ما سيحصل ” .
– واستمرت أفاعيل تشارلس والمقالب المرعبة التي يفعلها ، وحيله الشيطانية ، محور حيلتنا طية الأسابيع الثلاث الأولى من بدء الدوام في المدرسة ، حين يبكي رضيعي بإلحاح في المساء ، صرت ادعوه تشارلس ، حين كر زوجي منفضة سجائره الأثيرة لديه ، هتف ” لقد أصبحت شريرا مثل تشارلس ” . ولكن فجأة لم يعد تشارلس ذلك الشرير المرعب الخبيث الذي عرفناه طيلة الأسابيع الثلاث الأولى .
– ماما … بابا ..تشارلس أيضا هذه المرة ، ولكنه لم يعد شريرا ..!! .
– ماذا تشارلس لم يعد شريرا … تشارلس لا يمكن إلا أن يكون شريرا ، وإلا ما كان هذا هو تشارلس الذي عرفناه ” هتف زوجي محتجا ، في حين كنت أنا في قمة الدهشة والترقب .
كان ينظر لنا ممزمزا بشبه ابتسامة ، وهو يتشاغل بالنظر إلينا ويمتنع عن إلقاء كل ما في جعبته حتى يزيد من لهفتنا واستجدائنا له للإفصاح عن كيفية وسر التحول الذي حصل لتشارلس .
– قل بالله عليك .. كيف إن تشارلس لم يعد شريرا .
– نعم هذا اليوم كان لطيفا مع المعلمة ، كان يجمع لها الطباشير المتساقط وينظف السبورة ، وكان يبتسم للمعلمة ، وقد .. قالت له أنت مساعدي منذ الآن فصاعدا ، وأعطته تفاحة ..!! .
– ماذا … تشارلس .. يساعد المعلمة ، التي كان برفسها ويرمي عليها الطباشير … وتعطيه تفاحة ، وتجعله مساعدا لها .. ما الذي جرى له .. كيف تغير هكذا .
– هكذا .. انه مساعد المعلمة ومراقب الصف الآن .. هي قالت له ذلك وكلنا سمعنا .
– أيمكن أن يكون ذلك ..؟ ” سال زوجي مندهشا ..” لكن ( لورلي ) كان قد غادر مهرولا نحو الخارج ، في هذا اليوم والأيام التالية تحول تشارلس إلى ملاك يثير من دهشتنا ما يتجاوز ما أثاره إبان مرحلة الشر التي سلفت ، كم أتمنى لو أقابل هذا التشارلس لأسال عن كيفية حدوث المعجزة التي غيرت حياته وأحالته إلى هذا الملهم ، المبدع ، المعاون للمعلمة ولكل الزملاء .
وهذا ذاته كان مطلب زوجي وأمنيته :
– لو فقط أصادف تشارلس أو أبيه وأساله ما الذي جد مع ابنهم ، وكيف حصل التحول .
– أنا سأراه ” قلت لزوجي ” .
– ربما في البدء أرى أمه ، وسأطلب منها أن تسمح لتشارلس بالمجيء لزيارتنا ، وان كان هو الأكبر في مدرسة الأطفال ، فإني سأتعرف عليه ، ربما يكون مفيدا لابننا بعد هذا التحول العظيم الذي حصل عنده .
– نعم … نعم وأنا أتمنى لو تعرفت على والده ، كم بودي لو حضرت لقاء الآباء والمعلمين في الأسبوع القادم لولا عملي المسائي ، عموما اعتمد عليك في هذا الأمر ، حاولي التعرف على أمه ومن ثم نتعرف عليه وعلى أبيه !
كان يوم اللقاء مشهودا ، كنت انتظره بفارغ الصبر وقد أزف ، كانت عيناي تجولان في الجالسات بحثا عن أم تشارلس ، عن امرأة تحمل لا شك في ملامحها اضطراب التحولات ، قطعا هي امرأة متناقضة ، ربما أرى عيون راهبة وشفاه او شعر ساحرة ، ربما هي امرأة محتشمة من الأمام وعارية من الخلف ، ربما تسلم علي بخشونة في البدء ثم تنفجر باكية معتذرة ، ربما… وربما ، لم أجد في كل من رأيت امرأة تبعث في النفس انطباعا أوليا غير مستحب ، او تثير الإعجاب والانبهار ، كلهن كنّ عاديات للغاية ، مثلي … مثل أي ربة بيت رضية النفس ، رائقة المزاج ، بسيطة التفكير ، وهذا ما زاد حيرتي ، ربما لم تأتى !! ، ربما هي ميتة أصلا ، او أنها في مكان بعيد الآن ، او ربما مريضة ، أو مطلقة ولا تعيش مع ابنها !! ، بينما كنت أتشاغل بالنظر إلى الأخريات دون اهتمام جدي بهذا الاستعراض الممل الذي قدمته ناضرة المدرسة : .
– لاحظت انك لم تاخذي لنفسك قدح من القهوة وبعض الكيك فجئتك به ، إذا أحببت ( جائني صوتها من الخلف بينما كانت عيناي تجولان في الحاضرين بحثاً عن أم تشارلس ) .
كانت معلمة أبني الشابة ، وننهضت لها محيية شاكرة هذا اللطف وتابعت :
– الحقيقة أنا راضية جدا عن لورلي ، انه ولد في غاية التهذيب واللطف ، أني فخورة حقا به في البدء فقط ، كان مشاغبا ولكنه تغير كثيرا وبالتدريج حتى وصل إلى هذا المستوى الطيب من الخلق والتهذيب والاهتمام الدراسي ، شعرت بالفخر لهذا الإطراء الذي خصت المعلمة به ابني ، ولكني بذات الوقت تأثرت للفترة الأولى من العام الدراسي والتي بدا فيها ابني سيئ الخلق ، فض السلوك … وددت أن اعتذر عنها ، فعلقت بلهجة اعتذار :
– ربما كان التأثير السيئ لتشارلس قويا في الأسابيع الأولى ..!!
– عفواً … ومن هذا التشارلس .. أجابتني .. ” ثم تابعت وهي تحدجني باستغراب …”
– ليس لدينا في صفُ أبنك شخصٌ باسم تشارلس . 

 

Advertisements
Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

رسالة من راعي الخنازير

للكاتب الانجليزي: جون وين

ترجمة :

حسن  الجوخ

 ليس من اللائق الآن أن يُدلل بـ (إيكي), فهو في سبيله أن يصبح صبيا, يستغني تماما عن الحمالات المطاطية التي تقترن عادة بفترة الطفولة.

الآن يدعى (إريك), وما كان هذا إلا أحد التغيرات التي تحدث بمرور الأيام, لم يكن تغيرا مزعجا, بالطبع لم تكن أمه تعني هذا النوع من التغيير حينما وعدته (لن يحدث أي تغيير).

كان كل شيء يسير كالمعتاد سوى غياب أبيه الذي حل محله (دونالد), كان (إريك) يعرف (دونالد), وشعر ـ في البداية ـ بارتياح لوجوده, برغم أن (إريك) كان يبدو قلقا حينما يأوي إلى فراشه ليلا, يفكر في الأمر بلا هدف, مجيء (دونالد) إلى منزلهم يعني ذهاب أبيه, لماذا يجب أن يكون ذلك?!, فالمنزل واسع, وليس له إخوة, حتى لو كان له, لما اعترض على مشاركتهم حجرة نومه مادام ذلك يوفر غرفة لأبيه.. لماذا يحدث ما يحدث?!

.. كانت هناك بالفعل غرفة شاغرة بالمنزل, لماذا يفعل الكبار كل شيء بمثل هذا السخف والجنون?!.. دائما يقولون له: (لا تكن سخيفا, وهم السخف نفسه, وبشكل غير مجد على الإطلاق, لا يضحكون, لا يغنون, فقط سخفاء وحزانى, يصعب فهم إيحاءاتهم, فإذا أعطوك شيئا يستحيل أن تعرف كيف تتقبله, فقد أحضر لي والدي قطارا منذ أسابيع قليلة, وعلّمني كيف أوصّل القضبان, وكان هذا يعني أنه سيبقى معنا, فأي شخص عاقل يشتري قطارا أو يركبه لابد أن يفهم أن ذلك إشارة للرحيل, حتى لو كان في صورة هدية.

كان (دونالد) يحسن بالفعل معاملة القطار ـ (إريك) نفسه يعترف بذلك ـ, فقد اشترى جسرا للقطار وعددا من العربات.. ربما كان ذلك يعني أن (دونالد) ـ هو الآخر ـ على وشك الرحيل, ولكن هذا الأمر لم يكن ممكنا بنفس الدرجة, فقد اعتادت الأم أن تكون قريبة من (دونالد) طوال الوقت, كانت تحتضنه من خاصرته, تود أن يظلا جزءا لا يتجزأ.

هو الآن لم يعد (إيكي), بل (إريك).. صار كبيرا.. ربما كان الخطأ خطأه, كل شيء بدا أمامه غريبا, لم يمارس حياته بما يتناسب وبناطيله الرمادية.. كان فعلا يخشى أشياء كثيرة ولا يسأل, متوهما ألا تكون إجاباتها بسيطة.. هل هو الخجل?.. ربما.

مثلا “راعي الخنازير” تُركت قضيته معلقة في ذهن الصبي إلى حد بعيد, ولم يشك واحد من الكبار أن راعي الخنازير يخشاه الصبي, ربما كان (إريك) نفسه سلبيا, لو أنه بدلا من أن يتجنب راعي الخنازير بكل ذلك الحرص خرج ونظر نظرة شجاعة, تاركا الباب الخلفي مفتوحا بحيث يمكنه الإسراع إلى الداخل حيث دفء الأمان لانتهت المشكلة في وقتها.

على كل ربما كان من الأفضل ألا يرى (إريك) راعي الخنازير إلا حينما يكبر.. وهاهوذا قد تجاوز السادسة, إلا أن راعي الخنازير كان حتى تلك اللحظة أحد الأمور المحيرة ـ في نظره ـ فكثيرا ما حدث نفسه: لم يطلب منه أحد أن يحترس من راعي الخنازير!.. لم يحذره أحد منه.. لابد أنه غير مؤذ, لأنه حين يقترب من شيء يؤذي مثل المرور في الشارع الرئيسي يجد الناس يسدون له النصيحة: (يجب أن تنظر جيدا إلى كلا الجانبين), إلا أن هؤلاء الناس أنفسهم عندما يصلون إلى راعي الخنازير فلا أحد يذكره بخير أو شر, تقول له أمه أحيانا: (أفسح دعني أر راعي الخنازير, سيصل حالا, ولم أنته بعد من أي شيء, حينئذ يثلج العمود الفقري في ظهر (إريك), ويظل ساكنا ينتظر, لأنه غالبا ما تكون كلماتها التالية: (إريك) خذ هذه القشور وأي شيء يجب التخلص منه إلى صندوق القمامة).

صندوق القمامة على بعد خمسين ياردة من الباب الخلفي الذي يشترك معهم فيه سكان آخرون من المنزلين المجاورين.. لا أحد منهم يخاف راعي الخنازير!.. ماذا كان موقفهم منه?.. لا يعرف بالضبط.. أكانوا يشعرون بالأسى نحو راعي الخنازير?, لأنه يأكل مواد بالية ومبللة من صندوق القمامة مثل أوراق الشاي وقشر البيض وما شابه ذلك.. ربما كان يطهو تلك المواد عندما يعود إلى بيته, ويجعلها مستساغة, بالتأكيد إن ما يأكله لا يبدو لطيفا, فحين ترفع غطاء الصندوق ترى كل شيء ملقى في قذارة, وأحيانا تصدر روائح كريهة جدا.. أراعي الخنازير فقير إلى هذا الحد?!.. أكان حزينا لحاله أم أنه كان راضيا?.. ماذا يشبه راعي الخنازير?.. قد يكون له عينان صغيرتان وأنف مفلطح, هل له أربعة أرجل?.. هل له يدان وقدمان كأي إنسان?.. فكر (إريك) في المسألة بهدوء, وهو مستلق على ظهره فوق سريره.. دلو راعي الخنازير له يد إذن فهو يحمله بيده كما يفعل أي إنسان, إذن فهو لا يسير على أربع, وإذا كان يسير على أربع يمكنه أن يحمل الدلو بفمه, ولكن هذا لايبدو قابلا للتصديق, لأنه إذا كان يسير على أربع فلا فرق بينه وبين الخنزير.. وإذا كان ذلك كذلك فيجب أن يسمى (الرجل الخنزير) بدلا من (راعي الخنازير).. بالتأكيد أن وصف الرجل يتضمن شيئا من ذلك, فقد كان طويلا, يرتدي زيا.. هل يستطيع التكلم?.. ربما بطريقة الخنازير, كيف يتسنى له أن يحدد للناس نوعية المخلفات التي يريد أن يضعوها في دلو?.. قطعا كان ذلك خطأ والدي, كان يمكنه أن يخبرني بكل ما يخص راعي الخنازير, ولكنه مع الأسف رحل.

بعدما تعب (إريك) من التفكير خلد إلى النوم.. وفي المنام رأى أباه وراعي الخنازير مسافرين معا في قطار, راحا بعيدا, صرخ (إريك) في يأس: (أبي حينما تعود لا تحضر معك راعي الخنازير, لا تحضره معك). حينئذ أسرعت أمه إلى حجرة نومه, راحت تقبله, وتفوح بالعطر كوردة, كانت نائمة وأيقظها صراخه, هدهدته, وجعلته يستغرق في النوم فترة أطول دون كوابيس.. ولكن في اليوم التالي عاودته تساؤلات.

لابد أن يذهب إلى المدرسة في الصباح, ويقضي المشاوير بعد الظهر.. آه تجمعت أمام (إريك) أشياء كثيرة في صورة راعي الخنازير.. وناوشه القلق بضع ليال حتى وصلت المسألة فجأة إلى حد الأزمة.

سُمح لـ (إريك) ـ مرة واحدة ـ بأن يُحضر قطاره إلى حجرة العشاء بعد تناول الشاي, لأن في هذه الحجرة مدفأة جعلت الحجرة أكثر دفئا من التي تعود اللعب فيها.. كانت حجرة العشاء دافئة مضيئة, والسجادة المفرودة أمام المدفأة ناعمة سميكة, ومناسبة تماما لمد قضبان القطار.. و(دونالد) قد عاد إلى المنزل, وجلس على مقعد الأب يقرأ في الجريدة ويدخن سيجارة غير عابىء بشيء, والأم في المطبخ تنظف الأواني, وكلا البابين مفتوحان بحيث يمكن لـ (دونالد) والأم أن يتبادلا الحديث, فقط طرقة قصيرة تفصل بينهما, شيء واحد في هذا كله راق (إريك) وأسعده أنه راح يوصل أجزاء القضبان, وينظر إلى القاطرة سعيدا, وهي تقف في عظمة منتظرة العربات لتجرها وتدور بها بسرعة فائقة.. ولكن أثناء نومه يكون بعيدا كل البعد عن أية سعادة.

في تلك اللحظة نادته أمه: (إريك.. مِن فضلك خذ هذه القمامة إلى راعي الخنازير حالا, فيداي مشغولتان في عجينة الكعك, سأدعك تنظف حوض العجين عندما تعود).. ظل ساكنا للحظة, وعموده الفقري يثلج, تمنى لو لم يسمعها, لكن (دونالد) صوب إليه نظراته وقال: (اذهب يا رجل يا عجوز.. إنك طبعا لا تمانع), قال (إريك): سأفعل حين يأتي راعي الخنازير) ثم حادث نفسه في صمت: بالتأكيد سأتخلص من ذلك الشيء الغائر في أعماقي, الخوف من مواجهة راعي الخنازير.. علق (دونالد) بعد برهة الصمت دون أن يعرف بالطبع مادار في خاطر (إريك): (حسنا), وعاد ينظر في جريدته.. آه.. لماذا قال (دونالد) حسنا?!, أيريده حقا أن يواجه راعي الخنازير?! بهدوء غريب سأل (إريك) نفسه: (ولماذا لا ترفض قدماي التحرك).. دخل المطبخ, قالت أمه مشيرة إلى حامل من الورق المقوى ذي لون بني ممتلىء بقشور البطاطس وناتج الكحت: (ها هوذا, خذه), أخذه (إريك), فتح الباب الخلفي, وأسرع الخطى نحو دلو القمامة.. وجد ضوءا, يستطيع أن يرفع الغطاء, يلقي بالمخلفات, ويعود بسرعة في وقت لا يستغرق في العد من (1) إلى (10), عد بصوت عال: 1ـ 2ـ 3ـ 4ـ 5ـ 6.. توقف فجأة, فدلو القمامة غير موجود في مكانه, دقق النظر برغم أن الضوء لم يكن خافتا, فتأكد أن الدلو غير موجود, وأن راعي الخنازير نفسه اختفى.

استأنف العد: 7ـ 8ـ 9ـ 10 , كانت خطواته خفيفة, عاد بسرعة إلى المنزل, حيث الدفء والضوء وقطاره الذي ينتظره.. قال: (راعي الخنازير ذهب يا أمي) عبست الأم, ويداها تتحركان في حوض العجين, قالت: (نعم!, لقد سمعته من لحظة قصيرة).. قال (إريك) بأدب: (ذهب يا أمي, ذهب), ووضع الحامل الورقي مطرحه في المطبخ بهدوء.. ولكن الأم واصلت كلامها مخاطبة (إريك): (إذا تحريت البحث فسوف تلحق به, أريد أن تكون هذه المخلفات بعيدة عن المنزل والطريق العام, الحق به حالا.), وقف (إريك) ساهما أمام باب المطبخ, قالت الأم بخشونة وجدية: (هيا الحق به!), هذه الأم الصغيرة تعرف بالضبط متى تكون حازمة, أكملت كلامها بنفس الخشونة والجدية: (على أي حال لا يمكن أن يكون بَعُد كثيرا..).

وقبل أن تنهي الأم كلامها كان (إريك) خارج الباب يجري.. هذا الأسلوب يعرفه جيدا, نفس الأسلوب الذي يتبعه حينما يذهب إلى ماء شديد البرودة, حتى لو كانت هذه هي النهاية.. حتى لو جذبه راعي الخنازير, وجره إلى كوخه, وهذا أسوأ ما يُحتمل.. جرى بسرعة في ظلام مزقته بقع الضوء.. كان المنظر الخلفي لراعي الخنازير طِبق ما تخيله إلى حد بعيد, يمشي مشية بطيئة متأرجحا, كتفاه ممتلئتان, قبعة بالية مضغوطة فوق رأسه تخفي أذنيه, والدلو في يده.. كان بليدا في سيره كما لو كان مرهقا, ربما كان ذلك مجرد دهاء, لأنه كان يسرع الخطى عندما يرى صبيا أو سيدة تحمل مخلفات.

توقف (إريك) وفتح فمه مناديا راعي الخنازير, لكنه حينما حاول ـ أول مرة ـ لم تصدر إلا ذبذبات صوتية قصيرة مهزوزة مثل هبات ريح خفيفة, وقلبه راح يدق مثل طرقعات بمب الأطفال في الأعياد, وكان من الصعب أن يسمع أي شيء إلا بالكاد.. (يا سيد, يا راعي الخنازير), هذه المرة صدرت الكلمات واضحة مسموعة إلى حد ما.. الشبح العجوز المتأرجح توقف, استدار ونظر إليه, لم يستطع (إريك) أن يحدد بالضبط من أين توقف.. كان من الصعب عليه أن يعرف, وقد غاص كل شيء.. حتى خوفه في موجة كبيرة عفية من حب الاستطلاع.. راح (إريك) يتقدم نحو راعي الخنازير, ومع كل خطو يراه أكثر وضوحا.. وحين وصل وجده رجلا عاديا عجوزا.

ـ “مساء الخير يا بني, هل أحضرت قمامة للخنازير الكبيرة ?”.

أومأ “إريك” برأسه صامتا, وأبرز ما معه.. حادث (إريك) نفسه في صمت: أية خنازير كبيرة?, ماذا يقصد هذا الرجل?).. حط راعي الخنازير دلوه على الأرض, نعم له يدان عاديتان.. رفع الرجل غطاء الصندوق, فقدم (إريك) الحامل الورقي, أثناء ذلك لمست يد (إريك) يد راعي الخنازير فتفجر ينبوع من السعادة في نفس (إريك).. دحرج راعي الخنازير ناتج الكحت إلى دلوه, وناول (إريك) الحامل الورقي قائلا:

ـ “شكرا يا بني”

سأل (إريك) الرجل العجوز: (لمن هذه القمامة?), وبدا صوته كما لو كان له نبرات خاصة.. نهض راعي الخنازير مرتبكا, ثم ضحك بطريقة تشبه الغرغرة, أر, أد, أر, قال: (ليست لي, إذا كان هذا ما تقصده), أر, أر, أر.. غطى راعي الخنازير دلوه, وواصل كلامه: (إنها للخنازير الكبيرة التي تُربى للتسمين, هذا ما يحبونه, فقط ألا تكون قشور فاكهة, قشور الفواكه تسبب لها المغص, أحيانا أضع ملحوظة بشأن ما يجب أن يوضع في الدلو.. قال (إريك) ـ في نفسه ـ: (الآن فهمت لماذا يسمى (راعي الخنازير), طبعا لما لديه من خنازير يرعاها بهذه المهارة الفائقة.

ـ (تصبح على خير, شكرا.)

هكذا قال (إريك) لراعي الخنازير, وركض عائدا, يتناهى إلى أذنيه صوت راعي الخنازير, الرجل العجوز والعادي جدا يرد: (تصبح على خير يا بني).

حادث (إريك) نفسه: كيف فعلتها?!, تقدمت إلى الأمام غير قلق أو وجل مثلما أذهب إلى ماء شديد البرودة.. إنني بالفعل فعلتها.

كان (إريك) يبطىء من سيره كلما اقترب من البوابة.. راح يحادث نفسه بصوت مسموع: (لو كان لديك تساؤل, وأردت أن تعرف إجابته, وشعرت أنك لا تستطيع أن تسأله فإن السلوك الوحيد الذي يجب أن تسلكه بلا تردد هو أن تسأل, وعليك أن تنطلق بخطى مستقيمة نحو هدفك, مثلما ذهبت إلى راعي الخنازير).

لمع ضوء من خلال الباب الخارجي.. فتحه ودخل.. كانت أمه واقفة بجوار المنضدة, تكاد يداها تفرغان من عجينة الكعك.. أمرته أن يكحت الحوض والملعقة, ولكن كان هناك ما هو أكثر أهمية من كحت الحوض والملعقة يجب أن يحدث أولا.. اطمأن (إريك) أن الحامل الورقي في مكانه, وخطا نحو أمه متسائلا: (أمي لماذا لا يكون أبي معنا.. حتى في وجود (دونالد)?!, أقصد لماذا لا يقيم معنا هنا مثل (دونالد)?

ـ (نعم!, نعم يا عزيزي)?!

هكذا قالت الأم, وصمتت

وسرعان ما جاء صوت (دونالد):

ـ (ألم تسمعي ماذا قال (إريك) يا عزيزتي?).

ـ (بلى سمعت, (إريك) يسأل..)

أغلقت الصنبور, وجففت يديها ـ غير ملتفتة إلى (إريك) ـ مستأنفة كلامها:

(.. لماذا لا يمكننا إبقاء (جاك) معنا).

خيم صمت متحفز على المكان لحظة.. ثم قال (دونالد) بهدوء شديد وبصوت خافت لم يصل إلا إلى أذني (إريك):

ـ هذا سؤال صعب جدا يا (إريك).

قالت الأم محاولة تغيير مجرى الحديث:

ـ (حان الآن كحت حوض العجين يا (إريك), هيا يا كسول).

ولما وقف (إريك) ساهما شاردا حملته, وقبلته, حكت خدها بخده.. ثم قالت بصوت مرح حنون:

ـ (يا (إيكي), يا صغيري, يا مسكين)

وعندما أنزلته راح ينظف حوض العجين, واثقا من شيء واحد محدد, هو أن الكبار مجانين وسخفاء, وأنه يكرههم جميعا.

Posted in قصة_قصيرة

وفـيّـات أصدقاء بـُعادى

قصة قصيرة للكاتب والناقد الأمريكي المعاصر جون أبدايك John Updike

ترجمة: انعام الشريفي

 

عرف القارئ العربي الكاتب جون أبدايك من خلال روايته “الارهابي” التي صدرت في العام 2006. ومع هذه الرواية وربما مع وفاته حديثا ً2009 انطلقت الاقلام العربية لتقـدمه الى القـرّاء وتسلّط الأضواء عليه، لكن هذا الكاتب الذي نال اول جائزة تكريمية له عام 1959 وحاز عقبها على 28 جائزة تقديرية لأدبه الرفيع، وعـدّ النقـاد اثنان من رواياته التي سبقت “الارهابي” من روائع الفن، ونالت احداها “الأرنب غنيا” ثلاث من الجوائز الكبرى، لم يدخل الا ّ متعثراً الى قارئنا النهم التائق الى معرفة كبار الأدب والفن عبر الأطلسي، وغالبا من خلال مساسه المباشر بالواقع العربي. وفضلا عن الرواية والقصة والشعر كان أبدايك ناقداً أدبياً وفنياً.

أبدايك الذي دخل الى باطن أمريكا،امريكا: اندحار الدين وعلو المادة (كما يراها) واظهرها للناظرين صورة لابهاء فيها، يستحق وقفات كثيرة. وهذه احدى قصصه القصيرة من مجموعة قصصية نشرت له في العام 1987 . المترجمة

جون أبدايك “من أجود نـقــّادنـا….يشعّ بالخيال وتوقّد الذهـن” صحيفة الصندي تايمز Sunday Times

روائي وقاص وناقد أمريكي (1932-2009 ) ، نـُـشــِرَت له عشرون رواية وعشرات من القصص القصيرة وأدبيات الأطفال والنقد الأدبي. “اشتهـر ببراعته الحـِرَفيـّة الدقيقة واسلوبه النثري الفريد وغـزارة انتاجه” ، يتبدى في اسلوبه مفردات أخـّاذة مـُبطنِة لمعاني عميقة وغالباً ما تبدو مـُعـَدّة للنـُخبة. صوتـُه المـُقتـدر فيه الظرافة والمرارة والسخرية. ينتمي الى تراث الواقعية لكنه يسبرُ أغـوار شخوصه وخـَلـَجاتهم عبر العالم المادي المحسوس. (خلاصة مأخوذة من الموسوعة الحرّة Wikipedia ( المترجمة

وفـيّـات أصدقاء بـُعادى

رغم انني كنت أجولُ لبضعة سنوات بين الزيجات في هرج ٍ ومرج ٍ استلـَبَ كل حواسي، فان الآخرين واصلوا بدورهم العـيـشَ والموت. لين، رفيق قديم في لعب الغولف، بين عشيـّة وضحاها حلّ بالمشفى لما قيل له أنـّه فحص روتيني، ووقع ميتاً في الحمام فوراً بعد أن انتهى من اتصال هاتفي بمخزن الخردوات ليعلمهم انه عائد صباحاً لمباشرة العمل. فهو صاحب المخزن واعتاد أن يعهد به الى مساعده في النهارات المُشمسة فقط.

كان تسديد ضربته خاطفا، وكان يلقي بثقله الخلفي على قدمه اليمنى، وغالبا ماتنبثق كرته الى اليسار دون أن تصل الهواء البتة لكنه يفلح في اليوم الواحد أن يغور بالكرة الى الهدف ببضعة ضربات ٍ موّفقة فـذة. وكان دوماً يظهر بملبس ٍ أنيق يوحي بآمالٍ عريضة للعبة التي يخوضها، فهو ببنطاله الأصفر الفضفاض بلون زهرة البتركبi والياقة السمائية اللون الضيقة المنتصبة للأعلى وسترته الكشمير ذات اللون البرتقالي المُحمّر سيتغاير عن نـَسـَق الأخضر المحيط به، وآتي أنا وقد قدتُ الطريق من بوسطن عبر سحابات ٍ من الأسى والأرق والاضطرام المعنوي أجرجرُ عربتي عبر مساحة الاسفلت المخصّصة للوقوف، فـتـَصـِـرُّ حدوة َحذائي عند كلّ خطوة أخطوها مثل براثن الوحوش.

رغم أن لين كان قد عرف جوليا وأحبّها، وهي زوجتي التي كنت قد تركتها، فأنه لم ينبس ببنت شفة بشأني الشخصي عندما كنت أقود السيارة ساعة كاملة لألتقيه بخلاف ماكنت عليه سابقاً اذ آتيه بعشرة دقائق من الشارع المجاور. فقد كان الغولف بالنسبة لي اذ ذاك ملاذاً ومهجعا، حالما اجتـاز فيه كومة الرمل الأولى التي تحمل كرة الغولف في مسعاي للهدف، أحسّ بانني مطـَوّقٌ في حرم ٍ وسيع ٍ ووضـّاء، بمأمن ٍ من النساء والأطفال المهووسين والمحامين الوقورين والمعارف القدامى واستهجاناتهم والنظام الاجتماعي وغـيظهِ بكليته. فللغولف نُظـُمه الخاصّة وحبّه الخاص فبينما يترنح ثلاثتنا أوأربعتنا ونتصايح لنشقّ طريقنا كلٍّ الى حفرة الآخر، نضحك على سوء الحظ العاثر ونهلـّل للضربات النادرة ذات الجودة النسبية. وأحياناً نجد سماء الصيف قد أحلكت وتهب العاصفة فـنـتحلـّق تحت ظلّ قاطرة ٍ مهجورة أوتحت شجرةٍ تبدو اكثر أمناً من أخواتها من الصواعق. وعندها فأن نفاد صبرنا واهتياجنا العصبي المفطور فينا لانقطاع اللعب والاثارة يخلـُصُ بكليته في هذا الحيز من المحميّة الى مايكاد يقارب حرارة العشق، أنفاسُ وعرقُ رجال في متوسط العمر متراصّين تحت المطر الهاطل بلا انقطاع مثل قطيع ماشيةٍ في شاحنة النقل المغلقة كالصندوق. وكان في وجه لين بقعاً متقرّنة من الأشعاع وكان ينوي ازالتها جراحياً قبل أن تتحول الى سرطان الجلد. فمن كان يحـسب ان صاعقة شريانه التاجي ستـَبتـُرُ بتراً خططه ومشاريعه وتمسحهُ مسحا ًمن حياتي المتشابكة؟ فأنه ما من (رُقاقـتا ثلج ٍ ولا بصمتا أصبعين ولا خفقتا قلبٍ في جهاز الرسم البياني ولا رميتا كرة الغولف قد تماثـلتا أبداً)، هل أبداً سأبصر ملـَكـَته المتأنقة المـَلبـَس الباعثة على الأمل ثانية (هللو ياكرتي العزيزة، هكذا يمزح بينما يشرع بالتهادي الى جلسة القرفصاء) ويبّث كرة منخفضة الى اليسار بطريقته المتفرّدة ونسمعه هاتفا ً باحباط غاضب (فهو يُعَدّ ممن خاض ولادة روحية ثانيةii في الكنيسة المعمدانية ممّا أكسبه لغة ً شخصية تترفع عن اللعن المباشر): ” ياكومة ً ممسوخة ً وسخة ”

قدتُ سيارتي الى جنازة لين وحاولت أن أخبر ابنه: “كان أبوك رجلا ً عظيماً ” الا ّ ان الكلمات تساقطت مترهلة في تلك الكنيسة المعمدانية الباردة. أن الوان لين المـُزَوّقة، وفورته الحماسية المسيحية، وتسديداته الواعدة والمهدورة للكرة، وصيحات ظفرنا في الذهاب والاياب، وجـَمعـُنا عبر كون ٍ مصنّع يتألف من أطوالٍ متغايرة وثابتة، وأنواع ٍ من العشب كانت جميعها مَـسـَحات حياةٍ أرقّ ُ من أن تـُأسر، بل لابدّ أن تـتـبدّد.

بعد برهة من الزمن قرأتُ في صحيفة أن الآنسة أيمي مـَير ِماونت ذات الواحد والتسعين عاماً قد قضت نحبها أخيراً فشابهت الورقة اليابسة التي تـُحال الى فــُتاة. كانت قد بدت دوماً شيئاً عتيقا ً، كانت أحدى أولئك الأنجليز المُحدَثينiii ومن الأواخر الذين يتداولون سيرة هنري جيمسiv وكأنه قد غادر الحجرة لتوّه. وكانت تمتلك رسائلا ً ماتلبث مطبقة ً أومبعثرة ً الى قطع بعثها هنري جيمس الى والديها حيث يـأتي على ذكرها لا كفتاةٍ صغيرة ولكن كسيـّدة فتيـّة “تشارفُ على “خصوصيتها”، على زهوتها التي تحُوطها تماما ً”. كانت تعيش في بضعة غرف ٍ محتشدة بالقطع الأثريـّة في بيت ٍ ريفي ورثته وخصّصت القسم الأكبر منه للإيجار فحـُشـِرَت حشراً فيما تبقى منه. أما لـِمَ لم تتزوج أبدا ً فقد ظلّ هذا سراً هجـَع عليها هـَوناً ونعومة في شيخوختها ، فلعلّ ذلك الجمال السـَـلـِس الناحل الذي نشهده في الصور الفوتوغرافية الداكنة الحبريـّة اللون، وسيماء السـُلالة النبيلة وتوقـّد الذهن، والتحمّس (بالمعنى الروحي) الذي لم يبرحها قد أوقع الهلع في نفوس الكثير من طالبي يدها مثلما جـَذ َبتهم اليها عين ُ هذه الفضائل. ولعلـّه قد أوجد لديها، وهي في عهدٍ ماتلبث فيه مفردة “الطهر” ذات وقع و”نكران الذات” ذات مقام ٍ في عينيها، قيمة ً لا تعلو فيها تلك اللحظة المهيضة الجناح في أيّ موردٍ لهذه الفضائل. وكان لصوتها نبرة جافة تهكميـّة وفي سلوكها شيءٌ من التململ والرفض. كانت قد أشبعت نفسها تثقيفاً فهي تتابع التطورات الجديدة في العلم والفن وتتناول الطعام الطبيعي وتتعاطى في القضايا السياسية الساخنة يوم كانت كل هذه موضات سائدة. وكانت تحبّ أن يتحلّقُ حولها أناسٌ بغضاضة الشباب. فعندما انتقلنا أنا وجوليا الى المدينة مع الأطفال بوجوهنا الجديدة الطريّة، أصبحنا جزءاً من جلسة الشاي المعقودة لديها في اجواء ٍملؤها الفتور، ولولا ذلك الأفتتان المتبادل بيننا لـما دامت معرفتنا لعشرين سنة.

ولعل الأمر لم يكن بذلك الفتور، فاليوم أعتقد أن الآنسة مَـيرِماونت قد أحبـّتـنا أو بأضعف الايمان قد أحبـّت جوليا التي كانت ترفلُ بالدماثـة، وتزهو كأبنة ودودة حانية عبر تلك الحُجَر الشحيحة الدفء والمستمـِّدة ضيائها من النوافذ والتي يزدحم فيها متاع ٌ ريشي مستدقٌ ومتطاول من إرث ٍ كان يوما ً مفروشا ً عبر الطوابق الأربعة لبيت “باك بـَيْ ” المَدني الطراز. ويخلـُد في ذاكرتي ألق ُ ذقن زوجتي السابقة المكتنز وحنجرتها واكتافها المكشوفتين التي تندمج مع المـَلـَس الشبحي لصور الأخوات مـيَرِماونت ذات الأطارات القديمة المـُصممّة للأستوديوهات. كانت الصور لثلاثة أخوات، نزلت بهما فجيعة الموت مبكـّراً في شبابهما كما لو أنهما أوصتا بقسطهما من السنين إرثا ً للثالثة، تلك الناجية التي تجلس معنا في كرسيـّها المُجنـَّح المـُوشّى بالذهب. وكان وجهها قد استحال بـُنـيـّا من الشيخوخة ً فلايمكن التنبؤ بما فيه، عاجاً بالتجاعيد كوجه هنديّ أحمر، هذا وثمـّة شيءٌ وحشيٌّ كوحشية الهندي الأحمر يلمع في عينيها المعتمتين. “أراها مخيبة للآمال بعض الشيء”، كانت قد تندّ ُ عن هذه الكلمات بجفاء عن أحد المعارف المشتركين الغائبين انذاك أو عن أحدى تلك اللواتي انفـَصَلت عن حلقتها :”لـَم تك ُ تماماً من الطراز الأول”.

أن البحث عن الطراز الأول شيء من العهد البائد لجيلها، والآن لااتذكر من نال استحسانها كلياً مثل ماناله الأب دانيال بـَريجان والسـيِر كينيث كلارك. لقد شاهـَدت كلاهما في التلفاز. عيناها ذات البريق الداكن صارتا تخونانها، وكانت أوقات الأصيل الأثيرة الخاصة بالقراءة (التي يخمد الضوء فيها خلف النوافذ وتتراقص النار الناشئة من خشب البتولا في الموقد المؤطر بالنحاس الأصفر) قد استـُبدلت بساعاتٍ مـُجـَدولة منسقة حسب مايبثه التلفاز والمذياع من البرامج التثقيفية. في تلك السنوات الأخيرة كانت جوليا ترتاد منزلها لتقرأ لها قصة أوستن “مـِدِل مارج” وجوان ديديون وبعضاً من قصص بروست ومورياك بالفرنسية بعدما قرّرت الآنسة مـَيرماونت أن جوليا اجتازت اختبار الفرنسية بنجاح. وكانت جوليا تتمرّن بعض الشئ من خلال القراءة لي، وأنا بينما كنت اتطلّع الى شفتيها وهي تزمّها لتصنع صوت الفرنسية فتصغـُران وتــُدَوّران بشدة وكأنهما شفتا قناع أفريقي من العاج، كدتُ أن أقع في حبّها ثانية ً. إن الود بين النساء لـَمؤثـّرٌ ومؤلمٌ ومثيرٌ للرجل، وبرؤياي الخاصّة فأنه كجلسةِ شاي ٍ انتهت الى مجلس خمرٍ للشَريv الاسبانية في تلك الحُجـَر التي يغصّ فيها الأثاث بجـَلـَبة والتي اشتد فيها الشفق حتى صارت الصفحات البيضاء تـُدار ببطئ وأضحى النـَغـَم الصبور لصوت جوليا الأمارة الوحيدة الدالّة على الحياة. بلى إنه الحبّ ما كان ينداح بين تلك العجوز التي تفنى رويداً وزوجتي التي بدورها رويداً تـُمسي متوسطة العمر ويـُمسي ابنائنا بالغين وغائبين، وصوتها يظل ّ لايـُستـَمع اليه مثلما يـُستمع اليه هاهناك. ومامن شك أن ثمة أسرار كانت تودع بين تلك الصفحات. وكانت جوليا تعود من عند الآنسة ميرماونت لتحضير عشائي المتأخر وهي تبدو أكثر شباباً بل أكثر حبوراً وجرأة بعض الشيء.

في ذلك الطور الحرِج مابعد الحياة الزوجية وعندما كان الأصدقاء القدامى مايزالون يبعثون الدعوات بدافع الالتزام، وتجد نفسك لاتملك حضور الذهن الكافي لردها، وأجدني في تجمـّعات كبيرة تحضرها الآنسة مَـيرماونت. وكانت يومذاك عمياءَ تماماً وتصحبها فتاة صغيرة دائرية الوجه، أجيرةًٌ للصحبة ودليل. وكانت السيدة المـُسـّنة المتهالكة التي تـَعرضُ نفسها كريش الطاووس المـغطى بجرسٍ زجاجي مغروزة ً في كرسي مجنـّـح في زاوية الحجرة فيما يلي طاس خمر البنشvi. ولدى اقترابي منها أحسـّت بجسم ٍ يدنو منها فمدّت يداً ذابلة لكنها أسقطتها حالما سمعت صوتي: “لقد أتيت َ شيئاً فظيعاً” ، نطقت بذلك بسحبة نفس طويلة واحدة. أشاحت بوجهها لتـُظهر أنفها الصـَقريّ من الجانب كما لو انني شوّشتُ نظرها. أمّا دليلتها الفتيّة فوجهها المـُدوّر كصحن الرادار سجّل لمحة ً تدلّ على الصدمة، الاّ انني ابتسمت وفي حقيقتي لم أكُ مستاءاً، فثمـّة َ راحة ً في سماع حُكم الآخرين حتى لو كان معادياً. إنه لمن المستحسن أن نعتقد أن هنالك في موضع ٍ ما جهاز تخطيط يسجـّل هزّاتنا وزلا ّتنا. وأنني لأتخيـّل موت الآنسة ميرماونت بأشهر ليست طويلة بعد ذلك، وكخيالٍ أخيرٍلها، في صورة خيطٍ ينبسط ُساكناً رائقاً بمحاذاة جهاز المراقبة الموصول بها في المشفى. وفي هذا الامتداد المنبسط بقي شيئٌ ما تهكميٌ ولاذع، شيئٌ من سداد الرأي لم يُدَنـّس، من الصبر الجليل في عالمٍ عجز لطيلة تسعين عاما ً أن يبرهن على شيء أكثرَ من خيبة الرجاء. ويومذاك كنا أنا وجوليا قد فرغنا من مراسيم الطلاق.

كلّ مافي جعبة البيت المهجور قد فـُقـِد حتماً، اللوحات المعلّقة على الجدران، الهيئة التي يتبارى فيها الظلّ والضوء وتفجـّر دفئ الأماسي ممـّا تجود به المدافئ. حيوانات المنزل: كانوت. كان كانوت كلب صيدٍ ذكر ذهبي اللون اقتنيناه عندما كان الأطفال مايزالون قبل سن البلوغ كطقم من البهلوانيين. وكان مصدر بهجة لاينقطع، كما هو العهد بهذا النوع من الكلاب، وقد ذاق طعم كل شيء حتى الاخصاء وكأن الحياة وابلٌ متواترٌ من البركات. ومن المثير أنه وقبل موته بقليل جلبته ابنتي الصغرى التي تغني في فرقة البانكvii الى البيت الذي أسكنه الآن مع زوجتي ليزا. فجعل يشّم هنا وهناك بتأدب واكتفى بعقف زاوية أذنيه بقلق لينمّ عن التساؤل لمَ حلّ سيده القديم في هذا البيت الغريب الرائحة. وانهار في النهاية مع تنهيدة عميقة على أرض المطبخ، وبدا سميناً وخاملا ً. وقالت ابنتي التي قــَصـّت شعرها قصيراً وصبغت رقعاً منه بالبنفسجي الزاهي إن الكلب صار يجوب الليالي وينهالُ على نفايات الجيران أو على طعام حصانهم. وبالنسبة لي فأن وراء هذا سوء ادارة، فصديق جوليا الجديد لاعب كرة ظهير ربعي في فريق دارتموث ولاعب تنس وغولف ومهووس بحمل حقيبة الظهر بعدّتها والخروج بها ولهذا فجوليا لاتكاد تتواجد في البيت وصارت منهمكة كلياً في مجاراته وفي تعلّم لعبات جديدة. فأ ُهمـِل البيت ومرج الحديقة وصار الأولاد ينساقون داخله وخارجه مع أصدقائهم ولا يتخلصون من الطعام المتعفن في الثلاّجة الا ّ بين الفينة والفينة. ولمّا أحسّت ليزا بما كابـَدْتـُه من انفعالات نطـَقـَت بكلمات لـِبقة ملّطفة وانحنت على كانوت لتهرش مؤخرة احدى اذنيه. ولأن اذنه كانت ملتهبة وحسّاسة فقد أطبق فكيّه عليها بوهن ومن ثم بسط ذيله على أرض المطبخ اعتذاراً.

ومثلما إلتُ اليه عندما نهرتني الآنسة مَرِماونت، بـَدَت لي زوجتي حينذاك ميّالة الى الاغتباط، فهي إذ تواجه شيئاً من المقاومة، فقد أمسى موضعها من العالم متجذ ّراً. وناقــَشـَتْ ابنتي حول مضادات الالتهاب الخاصة بالكلاب، وفي تلك الوقفة ومن أية نظرة عجلى اليهما لايمكن التنبؤ بأيّـتهما الاكبر سنـّاً رغم اتضّاح ايـّتهما صاحبة الشعر غير المألوف. وكما يـُقال في مثل هذا المقام من سقيم الكلام أن ليزا من الصِغـَر بحيث يمكن أن تكون ابنة ً لي. وطالما اني بلغت الخمسين الآن فأن أية انثى تحت الخامسة والثلاثين هي من الصِغـَر بحيث يمكن أن تكون ابنة ً لي، بل معظم أناسيّ هذا العالم هم من الصِغـَر بحيث يمكن ان يكونوا بناتاً لي.

اختفى كانوت لبضعة أيام بعد تلك الزيارة، وبعد بضعة أيام أُخـَر عـُثر عليه في المستنقعات القريبة من بيتي القديم بجسدٍ منتفخ. وقد شخـّص الضابط المسؤول حالته على انها سكتة قلبية، فتسائلت ان كان هذا يمكن ان يحدث لمخلوق ٍ بأربعة أقدام. لقد ضـَربـَتْ الصاعقة كلبي السابق عند ضوء القمر، وقـَلبُه ممتلئٌ بنشوة المستنقعات، ومعدتـُه محشوة بالنفايات، ولقد رَقـَدَ عـدّة أيام بفراء ٍ مـُنتـَفـِش والمدّ يدور فيه ويخرج منه. تلك الصورة تمنحني الرضا كمظهرِ شراع ٍ ملؤه الريح يـشـّـُد زورقه هـَرِعاً بمنأى عن الشاطئ. في واقع الأمر (ورغم أنه من المريع الأقرار) بأنّ كلٍ من هذه الميتات الثلاثة قد جعلتني قريراً هانئاً على نحوٍ ما، فشهود فضيحتي يـُمْحـَوْن، والعالم يـُصبـِح أقل وطأة. وفي نهاية المطاف لن يكون هناك من يذكـُرُني بشخصي في تلك السنين المارجة والمحرجة عندما كنت أعدو بخطى سريعة دون صـَدَفـَتي بين البيوت والزوجات، كثعبان بين أصناف الجلود، وحشٌ من الأنانية، حاجاتي المتنافرة الغريبة عارية ٌ ومخرّمة، وكياني الاجتماعي زريّ ٌ وبلا حصانة. فموت الآخرين يحملـُنـا شيئا ً فشيئا ً حتى لايتبقىّ شيء، وهذا بدوره ضربٌ من الرحمة.

i نبتة زهرية صفراء تنمو كالآعشاب

ii الولادة الثانية تعبير كنسي سائد في أمريكا لمن يخوضون تجربة ما تخلق فيهم أثراً روحياً وتعيد ايمانهم

iii الحديث هنا عن الجالية الانجليزية من البيورتانيين غالباً التي قطنت أمريكا وجلبت معها الموروث البريطاني

iv روائي مولود في أمريكا لكنه عاش في انجلترا وبعض من رواياته تنصب من التراث البريطاني

v خمر مشهورة من الجنوب الاسباني

vi نوع من الكحول يقدم عادة مع طاس كبيرة الحجم وملعقة للغرف في الاحتفالات الكبرى والكرنفالات

vii The Punk حركة موسيقية منشقة عن موسيقى الروك نشأت وتطورّت في الأعوام 1974-1976 تعبر عن تمرد ورفض الشباب للأيدلوجيات المتسلطة وحاليا اندمجت بفرق الروك ثانية

Posted in قصة_قصيرة،مقال،غير مصنف

أدباء اليوم تحولوا إلى مخادعين

ماريو فارغاس يوسا: أدباء اليوم تحولوا إلى مخادعين…أخشى انتفاء مفهوم النخبة في عصر الديمقراطية ما يؤدي إلى فجور ثقافي

 

 إعداد: مها محفوض محمد : 

لقبه بلزاك أميركا اللاتينية، ذاع صيته في عالم الأدب بعد روايته الأولى «المدينة والكلاب» التي نال عليها عدداً من الجوائز تتالت بعدها رواياته وجوائزه «من ضمنها جائزة ثرفانتس للآداب عام 1994» إلى أن حاز جائزة نوبل للآداب عام 2010 بعد نحو ثلاثين عملاً بين رواية ومسرحية ودراسة من أهمها «البيت الأخضر»، «امتداح الخالة»، «حرب نهاية العالم»، «حفلة التيس» وآخرها «البطل الخفي».
الروائي الصحفي والسياسي البيروفي ماريو فارغاس يوسا (مواليد البيرو 1936) يعد من أعظم أدباء أميركا اللاتينية أبدع في جميع أعماله التي تميزت بنزعة التغيير للمجتمع، فلم يتوقف عن الدفاع عن حقوق الإنسان كما قدم وصفاً رائعاً في رواياته لبلاده والتي مزقها العنف والتعصب وركز على حقيقة الحياة فيها، ولا تنفصل عنده السياسة عن الأدب وبرأيه فإن الأديب يمكن أن يقوم بدور سياسي مهم وكان قد رشح نفسه لانتخابات الرئاسة في البيرو عام 1990.
العمل الأخير له صدر عام 2012، وهو أول عمل بعد نيله جائزة نوبل، كتابه «حضارة الاستعراض» الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية حيث نشر يومها باللغتين الإسبانية والإنكليزية، وفيه يطرح يوسا واقع المثقف الذي تحول إلى فوضى، إذ لم يعد الزمن زمن المثقفين إنما زمن استعراض وتضليل وإن ثورة الاتصالات والعولمة سوف تجرف العالم نحو الانحطاط الثقافي فينطلق الكاتب في حرب ضد التفاهة الفكرية «تفاهة المثقفين» وصلافة السياسيين ووقاحتهم وانحطاط الفن في اللهو والتسلية وفي ذلك يقترب يوسا من أدباء آخرين طرحوا الفكرة ذاتها مثل الكاتب الأميركي جورج ستاينر وغي ديبورد الذي يرى أن قراءة مجتمع الاستعراض ضرورية جداً، حيث تسيطر السلعة في جوانب الحياة من خلال الاستعراض الذي يصّر على تحويل البشر المنتجين إلى متفرجين سلبيين وغيرهم من الأدباء الذين يؤكدون اليوم تراجع القيم الديمقراطية في المجتمع الغربي وأن المثقف لم يعد قادراً على قول الحقيقة وهذا ما تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي دومينيك لوكور في كتابه «المثقفون التافهون» وكان فرويد قد نشر كتابه «قلق في الحضارة» منذ عام 1930 ليعبر أدباء اليوم عن قلقهم من اللاحضارة أو اللاثقافة من ثقافة مضادة هدفها تدمير كل ثقافة، ففي كتابه «حضارة الاستعراض» يؤكد يوسا أننا نعيش اليوم في حضارة، ثقافتها التسلية واللهو والابتعاد عن أي جهد وتعب أي هي استعراض وليست حضارة، فينتقد الكاتب المساحات الواسعة التي تفسحها الصفحات الثقافية في المجلات والنشرات لعالم الأزياء والطبخ، حيث أصبح مصممو الأزياء والطهاة هم النجوم بدلاً من الكتاب والعلماء والفلاسفة أليست حضارة الكارثة كما يشير؟
يقول ماريو يوسا: صحيفة لوموند الفرنسية وهي من أهم الصحف العالمية كادت تعلن إفلاسها في الأعوام الأخيرة لولا أنها بدأت تخصص مساحات للتسلية للنكتة ثم للخبر ثم للتفاهة والفضيحة وهذا ما تنتهجه كل وسائل الإعلام الكبرى في العالم من دون استثناء كي يتسنى لها إثبات وجودها فتقدم الأخبار استعراضاً بطابع مثير ويلتبس الحق بالباطل كما يحدث في عالم الخيال.
وبمناسبة نشر الكتاب باللغة الفرنسية مؤخراً تحدث يوسا إلى مجلة لوبوان الفرنسية عن تسميته الكتاب «حضارة الاستعراض» قائلاً: هو استعراض من دون حضارة، فكلمة ثقافة تغير معناها جذرياً عبر جيلين أو ثلاثة إذ كان لدى العالم فيما مضى إجماع حول ما نسميه «الثقافة العليا» من آراء وفنون وعلم الجمال، اليوم يدور الإجماع حول فكرة أن الثقافات جميعها متساوية، فلم تعد الثقافة مرادفاً لفكر نقدي لحكم جمالي إنما أصبحت ثقافة لهو وتسلية بعيدة عن أي نقد حقيقي، أما الثقافة الأكاديمية الجامعية فلا تزال صامدة لكنها معزولة عن المجتمع، بينما ثقافة عامة الناس هي التلفزيون والمسلسلات لتصبح الظاهرة إجمالية انتشرت عدواها في جميع قارات العالم وبين كل الطبقات.
لم يعد هناك دمقرطة للثقافة إنما للجهل لا لثقافة اليوم حتى بين النخب نجد أناساً سعداء بما هم عليه من جهل بتذوق الأدب والفنون، لقد تضاءل تأثير المثقفين في المجتمعات اليوم ولا ننسى انحدار المستوى الفكري والأخلاقي لدى النخب السياسية، أعتقد أن السياسة هي مفتاح كل شيء، وعلى الروائي ألا يبتعد عنها لقد ترشحت للرئاسة مع أنها لم تكن ميولي ولم تكن قدري، ومنذ ذلك الحين أعيش في إسبانيا كشاهد ملتزم أدافع عن الأفكار الليبرالية ليس كعقيدة إنما كهدف، لقد منحت جائزة نوبل للآداب لأنني دافعت عن الحرية عبر الأدب وجائزة نوبل بالأصل تم استيحاؤها من قيم اليسار المضبوطة سياسياً وأنا آخذ على عاتقي أني مع جماعة القرن التاسع عشر من الليبراليين الفرنسيين ومع كارل بوبير وجان فرانسوا ريفيل عبر أبحاثي ورواياتي.
اليوم علينا التوضيح أن هناك الكثير من أشياء الماضي يجب الحفاظ عليها في عالم الغد مثل حق الاختلاف، التراتبية، النخب ودورها وأمور أخرى من حقنا أن يكون لدينا ردود أفعال تجاهها، فأنا أريد الحفاظ على ما هو نادر وقيم وسط هذا اليباب الثقافي الذي وصل إليه العالم المستعرض.
وعن سؤال: إلى ماذا يخدم الأدب يجيب يوسا:
الأدب غذاء للروح المتمردة والإبقاء على الحس النقدي ومناقضة أنَّ العالم متقن وأن المجتمع يسير كله بشكل جيد، الأدب الحقيقي هو الرافض دوماً لزمن الخلط والفوضى، الأدب يساعد على فهم الحياة فهو يعيدنا إلى الماضي ويجعلنا نشعر بالانتماء لتجربة البشر الغنية المتراكمة عبر العصور، فهو أعظم إنجاز للثقافة وكان المحرك الحقيقي للتطور التاريخي والمدافع الأكبر عن الحرية، واليوم هو ضروري أكثر من أي وقت مضى لأنه ينبهنا يوقظنا يدل على عيوبنا لكن للأسف كثير من أدباء اليوم تحولوا إلى مخادعين يحاولون إغماض عيوننا كما نغمض عيون الأطفال حين تنويمهم، والرواية لم توجد لتجعلنا نحلم بل لتوصّف حالة الفوضى والخواء الذي يسود العالم، وما أخشاه هو انتفاء فكرة وجود النخب وأن النخبة يجب أن تختفي لدى البعض في عصر الديمقراطية ما يشكل التباساً كبيراً وهذا يقود الفكر ليس إلى الحرية بل إلى فجور ثقافي.
وعن سؤال ما الشخصية في الرواية لكاتبها؟ يجيب يوسا:
هي إسقاط لذاته، للعنة الموجودة في داخله لكنها أيضاً صورة عن الكائنات المحيطة به والكاتب ليس بالأمر السهل عليه أن يكون تحت رحمة شخصياته كما أن الأدب يدفعنا إلى النرجسية وإلى الاستعراء، فالروائي يقوم بدور متواضع لكنه بالغ الأهمية وغير محدود إذ لا يتحدث عن نفسه إنما يتحدث بصوته وسيرته الخاصة عن العالم حيث يقود صراعه ضد الفوضى والالتباس.
وما وجعك اليوم؟ يجيب يوسا: الفساد البطيء للعقول والمؤسسات، الصفاقة التي تقول: ما فائدة الجمال؟ والحقيقة غير موجودة كل ذلك يتساوى عند الذين يقلعون عن التفكير. وتلك مهمة الأدب أن يذكرنا بمقدار ما تكون الأرض التي نقف عليها صلبة وبمقدار ما تكون ألوان المدن التي نعيش فيها براقة يعني أن الشياطين تنتظرنا في كل مكان.
ولماذا تكتب؟ لأني غير سعيد.

Posted in قصة_قصيرة،مقال،شعر

مؤتمر الترجمة وإشكالات المثقافة 3 تغطية

looks

مؤتمر الترجمة وإشكالات المثقافة 3

تغطية إقبال عبيد

عقد الأثنين 12/ ديسمبر المؤتمر الدولي للترجمة وإشكالات المثقافة في العاصمة الدوحة في فندق سانت ريجس في دورته الثالثة .افتتح الدكتور محمد الأحمري مدير منتدى العلاقات العربية والدولية بدء انطلاق محاور ومناقشات المؤتمر مؤكداً على أهمية إن لغتنا العربية هي عنوان هويتنا، وهي الرابطة بين الناطقين بالضاد، وهي أهم صلات الماضي بالحاضر والمستقبل فاللغة رابطة محبة و تفاهم و تطوير للمهتمين للترجمة من وإلى العربية ، فالترجمة يصفها كالنسيج والمترجم هو النساج فلكما أتقن نسيجه بأدواته سيصنع عمل ونسيج رائع متقن يبهر المتذوق والناظر ! ، لما كان المترجم متمكناً ويمتلك ناصية اللغة، كلما اقترب بترجمته وبنصه الجديد من الوضوح والجمال، والموضوعية وحسن المبنى والمعنى في نصه الجديد. ففي ظل هذا التنوع الثقافي الهائل والانفتاح الهائل خاصة مع وجود المحطات الفضائية ووسائل الاتصال التكنولوجية المعاصرة التي فاق أدائها وإنجازها ما يتصوره العقل يجب أن نتفوق على إيصال المعرفة المعلوماتية بالشكل المناسب ، فأننا نبتهج ونفرح  حين يدرك القارئ جوهر الترجمة وتفوقها أحياناً على النص الأصلي ما هو إلا ثقابة فكر وأدارك لجوهر اللغة والعالم فأن الترجمة رسالة والرسالة يلزمها رسل بين الأمم  لا مجال مطلقاً لحصر ذلك التأثير. ومما ساعد على سهولة نقل الثقافات والترجمة هو سهولة المواصلات ووسائل الاتصال .

ضرب مثلا لمترجم معاني القرآن الكريم يوسف علي هذا الذي ما ضره أن مات وعاش وحيداً فهو مخلد يذكره الذاكرون في كل حين فقد أتقن عمله تميز في المحافظة على أصالة اللغة وعمق المعنى . ثم ناقش نظريات الترجمة تلك التي لا تفقد من المعنى الأصلي حقه ولا تبعد كل البعد عن معناها الفعال في النص . فالتطابق التام والنقل ليس هو الهدف المنشود إنما الوصول إلى درجة مرضية من الكمال وأن كان عسيرا فواجب المترجم المغامرة في النص والخوض في تفاصيله حتى يترجم بحدود إطار اللغة المنقولة ، كلما كان المترجم متمكنا ومستوعبا ومتبحراً بلغته الأصلية التي يترجم إليها ومتفهما لأصول اللغة التي يترجم عنها ومتفهما لمفرداتها وظلال معاني مفرداتها ومبحراً في أجواء وبحور وعالم وفكر ولغة الكاتب الذي ينقل عنه فيعرف دقائق حياته وتجاربه، ويتأتى هذا من قراءة جل أعماله الأدبية والفكرية، كان مترجماً جيداً لهذا الكاتب أو ذاك فالدراسة المتأنية والدقيقة لأي كاتب تعرفنا به جيداً، فنفهم ما يفكر فيه ونعيش ما عاشه  وعايشه، فنكون خير ناقلين لخير أعماله الكثيرة . وأبدى الأحمري ضرورة مناقشة متابعة الترجمات الجديدة لما فيها من مصطلحات حديثة يمكن معالجتها وتناولها في أصول لغة المصدر ولغة الهدف . علي المترجم في كثير من الأحيان أن يسعى سعي حقيقي لقراءة تاريخ المصطلحات لمتابعة بنيته المعرفية الشاملة للربط في اللغة الهدف الأساسية وذلك لتوسيع مدارك وأفق المصطلحات وإشكاليات المترجمين .

img_3146-1

استضاف المؤتمر هذه السنة مترجمين اللغة الأسبانية منها وإليها وتناول المترجمين نصائحهم و صعوباتهم في تحويل الأسبانية إلى العربية .

(الجلسة الأولى)

أدارت الجلسة الدكتورة حنان الفياض ( تجارب مؤسسية في الترجمة العربية \ الإسلامية )

 

تناول في البداية السيد بيدرو فيلينا ر تجربة في البيت العربي في أسبانيا كونه السفير السابق في إيران ومن هنا بدأت رحلة العربية وتعلم اللغة ، ففي البيت العربي يقام العديد من الفعاليات الثقافية والتي تتناول القضايا المعاصرة في الشرق الأوسط مما تحمله من قضايا عربية، حيث يهتم البيت العربي بالترجمة ونقل المعرفة والثقافة العربية و تاريخ الأندلس ويفخر بيدرو حيث يتجاوز عدد الدارسين للغة العربية من السكان الأصليين إلى 500 طالب ومهتم في تعلمها .

 

ثم ناقش السيد خورخي ليروال استاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة آل ماريا الأسبانية ورئيس الجمعية الإسبانية للدراسات العربية رحلته في التبحر باللغة العربية وتجاربة العديدة في الإنتاج المعرفي الآدبي العربي والإسلامي في مؤسسته حيث ترجمت المؤسسة ما يقارب الأربعين كتابا وأكثر إلى العربية وذلك ساهم في أثراء الفكر الأوروبي والزيادة المعرفية للتاريخ المنطقة الأندلسية .

ثم بدأ لويس ميغيل حديثة عن مدرسة طليطلة للمترجمين والتي تساهم في ترجمة ونفل الأعمال العربية من وإلى الأسبانية  أمام مهمة البحث عن دور ديناميكي فعّال للّغة يوفّر الحماية للوعي القومي، ويصون الشخصية العربية المستقلة من آثار العولمة الشرسة،

img_3143-1

تحدث أخيراً الباحث  المترجم هاني سعدون عن تجربته في ترجمة الأدب الأسباني والذي شدد على ضرورة معرفة المترجم جوانب الترجمة الأولية للغة الأسبانية  ومن ثم الالتزام بمبادئ الترجمة الأساسية الثابتة عند كل لغة القراءة، ثم ترجمة أولية، ثم الشغل على أسلوب اللغة (التي نترجم إليها) وحل الإشكاليات اللغوية وإشكاليات المضمون، ثم توجيه أسئلة للمؤلف أن وجد ، وأخيراً إنجاز الترجمة بشكلها النهائي ، ثم أن الأسبانية تأخذ منحنى مغاير للترجمة يختلف عن البقية ولا يمكن نقل أسلوب لغة إلى أسلوب لغة، بل المفروض أن تحافظ اللغة الاسبانية  في الترجمة على أسلوبها ووضوحها ، وأن يقرأ القارئ الترجمة وكأنّها كتبت في الأصل بلغته، وهذا أقصى ما تصل إليه الترجمة فاللغة التي تأخذ وتعطي لغة قادرة على الحياة والخلود والتجدد . ومن خلال هذا الاطار الثقافي المشترك شدد هاني ضرورة دعم المترجمين والإصدارات المترجمة عربيا ودولياً .

 

جوائز الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي

فاز في فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإسبانية بالمركز الأول السيد سلفادور بينيا مارتين عن ترجمة كتاب “ألف ليلة وليلة” من نشر دار فيربوم في مدريد، وفي فئة الترجمة من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية فاز بالمركز الأول السيد صالح علماني عن ترجمة رواية “عشر نساء” لمارثيلا سيرانو من نشر دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، وفي فئة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية فاز بالمركز الأول السيد مايكل كوبرسون عن ترجمة كتاب “مناقب أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل” لابن الجوزي، من نشر المكتبة العربية — دار نشر جامعة نيويورك.

أما في فئة الترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية فقد فاز بالمركز الأول السيد مراد تدغوت عن ترجمة كتاب “المرجع في علم المخطوط العربي” لآدم جاشيك من نشر معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وفي جائزة الإنجاز فازت مؤسسة البيت العربي في إسبانيا، ومؤسسة بانيبال في المملكة المتحدة، ومؤسسة ابن طفيل للدراسات العربية في إسبانيا.

تابع هنا التوثيق والتغطية الكاملة للمؤتمر

 

Posted in قصة_قصيرة

أحقا مات؟

ترجمة : خلف القرشي
قصة قصيرة للأديب الإيطالي:
Lugi Pirandello
لويجي بيرنديللو 


أضطر الركاب المغادرون روما، في القطار الليلي السريع، للتوقف حتى يبزغ الفجر، في محطة صغيرة في (فابريا نو)، ليواصلوا رحلتهم في قطار محلي صغير، ذي طراز قديم ليقلهم إلى (سيلومونا).

بحلول الفجر، في واحدة من عربات الدرجة الثانية، هواءها فاسد، تعج بالدخان، كان خمسة أشخاص قد أمضوا ليلتهم هناك. انضمت إليهم امرأة ضخمة، مستغرقة في حزن عميق، بدت وكأنها كتلة بلا ملامح ، ومن ورائها زوجها يلهث ويئن، رجل ضئيل الجسم، ذو وجه نحيف، له عينان صغيرتان ومشعتان، بدا خجولا ومضطربا.
ما إن أخذ مقعده، وشكر بلطف الراكب الذي ساعد زوجته، وأفسح لها مكانا، التفت إلى زوجته محاولا إصلاح وضع شالها، وبأدب جم سألها:
– هل أنت على ما يرام عزيزتي؟
لم تجبه، سحبت شالها ثانية نحو عينيها وكأنها تريد إخفاء وجهها.

تمتم الرجل بابتسامة حزينة: – تعب كلها الحياة.

شعر بأهمية توضيح الأمر لبقية المسافرين، فزوجته تستحق الشفقة لأن الحرب أخذت منها ولدها الوحيد. شاب يافع في العشرين من عمره، كرسا له حياتهما تماما، حتى أنهما غادرا منزلهما في (سيلومونا) ليلحقا به في روما إبان دراسته هناك. بعد ذلك سمحا له بالتطوع للحرب، بعد أن أكد لهما بأنه لن يرسل للجبهة على الأقل في الأشهر الستة الأولى من انضمامه، لكنهما وعلى غير توقع، تسلما منه برقية، مفادها أنه يتوجب عليه الذهاب إلى الجبهة في غضون ثلاثة أيام، ويطلب منهما أن يأتيا لوداعه.

كانت المرأة تتململ تحت شالها الكبير، وأحيانا تدمدم مثل حيوان بري، واثقة من شعورها بأن إيضاحات زوجها تلك لن تحظى بأي تعاطف، من قبل هؤلاء الأشخاص الذين هم في الأغلب في نفس محنتها.

قال أحدهم بعد أن استمع لزوجها باهتمام شديد :

– عليك أن تشكر الله، لأن ابنك لن يذهب للجبهة إلا الآن، سيدي. إن ابني قد ذهب إلى هناك منذ أول يوم اندلعت فيه الحرب، عاد إلينا مرتين جريحا، وعاد أدراجه ثانية إلى الجبهة!!!

أضاف أخر:

– وماذا بوسعي أن أقول، لي ولدان في الجبهة الآن ولأخي ثلاثة.

تجرأ الزوج، وقال:

– قد تكون على حق. بالنسبة لنا الوضع مختلف، إنه ابننا الوحيد.

– وما الفرق؟ قد تفسد ابنك الوحيد بالاهتمام المفرط به، لكن يستحيل أن تحبه أكثر لو كان لديك غيره. الحب الأبوي ليس خبزا يمكن تقسيمه إلى قطع توزع بالتساوي بين الأبناء. إن الأب يعطي لكل واحد من أبنائه كل حبه، من غير تفضيل، بغض النظر عما إذا كانوا واحدا أو عشرة. إنني عندما أعاني من أجل أبنائي الاثنين، فأنا لا أعاني نصف المعاناة لكل منهما،بل أعاني الضعف….

تنهد الزوج المحرج وقال:

– حقا، لكن لنفرض – ونتمنى أن لا يحدث هذا لك – أن أبا له ولدان في الجبهة وفقد أحدهما، سيبقى له ولد آخر يعينه ويواسيه، لكن من ليس له إلا ولد وحيد فـــ ……….

– نعم، يتبقى لديه أخر ليعينه ويواسيه،…. لكن ذلك الذي يبقى، يتوجب على والده أن يعاني من أجله أيضا أما في حالة الأب ذي الولد الواحد، فلو مات ذلك الولد، فبوسع الأب أن يموت أيضا، ويضع نهاية لمحنته. فيا ترى أي الحالتين أسوأ ؟ ألا تتفق معي أن حالتي أسوء من حالتك؟

قاطعهما مسافر ثالث، رجل بدين ذو وجه مشوب بحمرة، وعينين محمرتين، كان يلهث ويكاد يتفجر من عينيه المتورمتين’ عنف داخلي، لا يستطع جسده الواهن احتواءه، قائلا:

– هراء.

كرر الكلمة، محاولا تغطية فمه بيده، كما لو كان يريد إخفاء موضع سنيه الأماميتين المفقودتين، وأردف: –

– هل ننجب أبناءنا من أجل مصلحتنا؟

حملق فيه بقية المسافرين بضجر، وأجابه ذلك المسافر – الذي لديه ابن في الجبهة منذ أول يوم نشبت فيه الحرب- قائلا:

– أنت على حق، أطفالنا ليسوا لنا، إنهم للوطن.

وهنا ردٌ عليه الرجل البدين بقوة:

– هراء، وهل نفكر في الوطن عندما ننجبهم، أبناؤنا ولدوا لأنهم ….. حسنا …. لأنهم لا بد وأن يولدوا، وعندما يأتون إلى الحياة، فإنهم يأخذون حياتنا معهم… تلك هي الحقيقة. نحن لهم، لكنهم ليسوا لنا، وعندما يبلغون العشرين، فإنهم يكونون تماما، ما كنا عليه في تلك السن، نحن أيضا كان لكل منا أب وأم، ولكن كانت هناك أشياء أخرى كثيرة: ألأصدقاء، السجائر، الأوهام، العلاقات الجديدة….والوطن. من يا ترى منا عندما كنا في العشرين، كان يسمع لأبيه وأمه عندما يقولان له (لا). الآن وفي سننا هذه، حب الوطن ما زال كبيرا، بالطبع، ولكن أكبر منه، حبنا لأطفالنا، هل يوجد منا من يمانع أن يكون مكان ابنه في الجبهة لو استطاع إلى ذلك سبيلا؟

ساد صمت مطبق، بيد أن كل شخص أومأ برأسه موافقا.

واستطرد الرجل البدين:

– لماذا إذن لا نأخذ بعين الاعتبار مشاعر أطفالنا، عندما يبلغون العشرين؟ أليس من الطبيعي في هذه السن أنهم يعدون حبهم للوطن أعظم من حبهم لنا؟ إنني أتحدث عن الأولاد الصالحين. أليس من الطبيعي أن تكون المسألة على النحو التالي: أبناؤنا ينظرون إلينا على أننا أولاد كبار لم يعد بوسعنا الحراك وعليه لا بد أن نبقى في منازلنا، فطالما أن الوطن حاجة فطرية، مثله مثل الخبز فيجب على كل منا أن يأكل منه كي لا يموت جوعا، فلا بد أن يكون هناك من يدافعون عنه. لقد هبٌ أبناؤنا لذلك عندما بلغوا العشرين، لذا فهم لا يريدون منا دموعا، وإذا ماتوا فسوف يموتون سعداء مبتهجين، إنني أتحدث عن الأولاد الصالحين، وماذا يمكننا أن نرجو أكثر من ذلك لشاب مات سعيدا من غير أن يطوله الجانب القبيح من الحياة،السأم، التفاهة، خيبات الأمل. نعم ما الذي نرجوه له أكثر من ذلك؟ يجب أن يكف كل شخص عن البكاء، ويضحك بملء فيه، كما أفعل أنا، أو على الأقل يشكر الله كما أفعل أنا أيضا لأن ابني قبل أن يموت بعث إلي رسالة يقول فيها بأنه سيموت راضيا لأنه أنهى حياته بأفضل طريقة كان يرغبها، ولهذا السبب، وكما ترون فأنا لم أرتد أي لباس حداد من أجله.

أزاح معطفه الخفيف ليريهم أنه لا يرتدي تحته سترة حداد، كانت شفته المز رقة ترتجف فوق موضع سنيه المفقودتين. عيناه الشاخصتان مغرورقتان، أنهى حديثه بإطلاق ضحكة مدوية بدت كأنها تنهيدة.

ووافقه الآخرون بقولهم :

– حقا..، حقا.

جلست المرأة العجوز تستمع وهي متكومة في زاوية تحت شالها، تستمع، إنها منذ ثلاثة أشهر تحاول أن تجد في كلمات زوجها وأصدقائها شيئا ما فيه مواساة وعزاء عن حزنها العميق، شيئا ما يريها كيف يكون بوسع امرأة أن تذعن لفكرة إرسال ولدها ليس حتى إلى الموت ولكن إلى أي مكان فيه خطر محتمل على حياته. ومع ذلك لم تجد ولو كلمة واحدة من بين كل ما قيل تشفي علتها. وتعاظم حزنها لعدم رؤيتها أحدا كما ظنت يشاركها مشاعرها.

غير أن الوضع تغير الآن، فكلمات هذا الراكب، حيرتها وصدمتها، جعلتها تكتشف فجأة بأن الآخرين ليسوا هم الذين على خطأ، ولم يفهموها، بل هي نفسها التي لم تستطع أن ترقى بنفسها إلى مستوى هؤلاء الآباء والأمهات، الذين لديهم الرغبة ليكيفوا أنفسهم، من غير بكاء، ليس فقط على مغادرة أبنائهم بل حتى على موتهم.

أطلت برأسها، وسحبت نفسها، تحاول الاستماع باهتمام شديد إلى كل التفاصيل التي سيسردها الرجل البدين لمرافقيه عن الطريقة التي سقط بها ابنه بطلا من أجل مليكه ووطنه، سعيدا من غير ندم، بدا لها لحظتها وكأن قدمها زلت بها في عالم لم تحلم به قط، كانت مسرورة جدا لسماعها بقية الركاب، يهنئون ذلك الأب الشجاع الذي استطاع برباطة جأش الحديث عن سقوط ابنه ميتا في سبيل الوطن.

فجأة، كأنها لم تسمع شيئا من كل ما قيل، وكأنما أوقظت من منام، التفتت نحو الرجل البدين سائلة إياه:

– هل حقا مات ابنك؟

حملق فيها الجميع،التفت إليها الرجل العجوز بدوره مثبتا على وجهها نظرة عينيه الكبيرتين المتورمتين الشاخصتين، لوهلة حاول أن يجيبها، لكن الكلمات خذلته، نظر إليها محدقا، وكأنه فقط عند ذلك السؤال الغبي، اكتشف فجأة أن ابنه قد مات فعلا، وذهب إلى الأبد، نعم إلى الأبد، انكمش وجهه، وصار مشوها بشكل مفزع، في عجلة خطف منديلا من جيبه ووسط حيرة الجميع، انخرط في بكاء مرير —————[color=#CC0000]Pirandelloweb

Posted in قصة_قصيرة،مقال

كيف أكتب القصص القصيرة

كيف أكتب القصص القصيرة

 و. سومرست موم

ترجمة: علي الصباح

 

transliting

لحسن حظي أني كنت أتمتع بقدر جيد من الاستقلالية عندما بدأت بكتابة القصص القصيرة, فكنت أكتبها كنوع من الاستراحة عن العمل الذي أظن أنني قضيت وقتا طويلا في الانهماك فيه. أغلب القصص كُتبت كمجموعة من الملاحظات التي دونتها حسبما تواردت إليّ, وكنتُ أرجئ ما بدى لي الأصعب إلى النهاية. تصعب كتابة القصة عندما لا تعرف تفاصيلها منذ البداية, لكن في بعض الجوانب عليك أن تثق بخيالك وتجربتك. أحيانا لا تبدو لك منعطفات القصة بشكل جلي فيجب عليك حينها أن تلجأ إلى هذه الطريقة أو تلك إلى أن تتضح معالمها.

 

أرجو من القارئ أن لا يقع في فخ الانطباع الذي تخلّفه الكثير من قصصي للوهلة الأولى, بأنها تجاربي الشخصية. هذه ليست إلا وسيلة لجعلها تبدو واقعية. وهي وسيلة لها عيوبها, فقد يُصدَم القارئ بجهل الراوي لبعض الأحداث التي يستعرضها; وحين يحكي قصة أخبره بها شخص آخر, قد يكون المتحدث ضابط شرطة أو قبطان على سبيل المثال, لن يتمكن من أن يُعبّر عن نفسه ببراعة ولا بقدر كبير من التفصيل. كل طريقة ولها مساوئها. والتي يجب إخفائها, أما ما لا يمكن إخفائه فيلزم تقبله. وفائدتها في مباشرتها. فهي تتيح للكاتب أن يروي ما يعرفه فقط. بلا إدعاء بكونه راويا عليما, يمكنه أن يعترف بصراحة حينما يكون السبب أو الحدث مجهولا له, وهذا غالبا ما يعطي قصته شيء من المعقولية التي قد تفتقد إليها دون ذلك. وتخلق صلة بين القارئ والكاتب. منذ موباسان وتشيكوڤ Maupassant and Chekhov, اللذان حاولا بشدة أن يكونا موضوعيين, وبالرغم من ذلك كانا يكتبان بشكل شخصي جدا لذلك يترائى لي أحيانا بأن الكاتب إذا لم يستطع بأي وسيلة أن يعزل نفسه عن عمله فقد يكون من الأفضل أن يضع فيه قدر الإمكان من ذاته. الخطورة أن يضع الكثير جدا من ذاته فيصير كالمتحدث الذي يصر على احتكار الكلام. مثل كل الوسائل, هذه الوسيلة يجب أن تستخدم بحذر.

 

في بداية شبابي كتبتُ عددا من القصص القصيرة, لكن لأمد طويل, اثنا عشر أو خمسة عشر سنة على الأقل, انهمكت في الدراما وتوقفت عن ذلك; وبشكل غير متوقع وفرت لي رحلة إلى البحار الجنوبية الكثير من المواضيع التي بدت مناسبة للقصص القصيرة, كنت في بداية الأربعينيات حين كتبت القصة التي أسميتها “مطر”. يجب على قارئ هذه المقالة أن يتحلى بشيء من الصبر إذا ما أمليت مسودات لبعض القصص التي كتبتها سابقا. كُتبت بتعابير مستخدمة بكثرة وغير دقيقة, وبلا طلاوة; لأن الطبيعة لم تمنحني تلك المنحة المبهجة بأن انتقي غريزيا المفردات المناسبة لأشير إلى الموضوع وأستخدم النعوت الغير عادية, لكن الملائمة, لوصفه. أثناء سفري من هونولو إلى پاگو پاگو كنت أدوِّن على عجل انطباعاتي عن الركاب, على أمل أن تكون ذات نفع في يوم ما. هذا ما كتبته عن السيدة تومسون:

 

سمينة, وتبدو جميلة بشكل خشن, ربما لا يتعدى عمرها سبعة وعشرون عاما. ترتدي فستانا أبيض وقبعة بيضاء كبيرة, حذاء طويل حيث تبرز ساقيها في جوارب قطنية.

 

كانت هناك مداهمة لحيّ البغاء في هونولولو قبيل إبحارنا وسرت شائعة في السفينة بأنها في هذه الرحلة هربا من الاعتقال.

 

تستمر ملاحظاتي:

 

السيد و. المبشر الديني. كان رجلا طويلا ونحيلا, بأطراف طويلة ومفاصل متصلة بشكل لين, خدّيه أجوفان وعظمتهما عالية, عيناه الواسعتان والداكنتان والجميلتان غائرتان عميقا في تجويفهما, شفتيه شرهتان بشدة, وشعره طويل نوعا ما. رائحته كالجيفة ومنظره كالنار الخامدة. يداه كبيرتان, وأصابعه طويلة ومنتظمة الشكل نوعا ما. كانت الشمس الاستوائية تحرق جلده الباهت بعمق. السيدة و. زوجته. كانت امرأة قصيرة وشعرها مصفف بعناية شديدة, على الطريقة الإنگليزية; عيون زرقاء غير بارزة وراء نظارة أنفية بإطار ذهبي, وجهها طويل كوجه نعجة, لكنها لا توحي بأي انطباع بالغباء, بل بالعكس تبدو شديدة اليقظة. حركاتها سريعة كطائر. صوتها هو أبرز ما فيها, عالٍ, رنان, وبلا التواءات; يلامس الأذن برتابة قوية, يهيّج الأعصاب كصخب مستمر صادر عن آلة حفر هوائية. كانت ترتدي فستانا أسود وعلى عنقها سلسلة ذهبية يتدلى منها صليب صغير. أخبرتني بأن و. مبشر ديني في جزر گيلبيرت ومنطقته تحتوي على عدد واسع من الجزر التي يحتاج يتنقل بينها في زورق كنو بشكل متكرر. خلال هذا الوقت تظل هي في المقر الرئيس وتدير الإرسالية.

غالبا ما تكون البحار هائجة ولا تخلو الرحلات من مخاطر. كان مبشرا طبيا. كانت تتحدث عن فساد السكان المحليين بصوت لا يكاد يُسمع, لكنها كانت تتحدث بقوة وباشمئزاز مُتَكَلَّف وهي تخبرني عن عادات زيجاتهم التي كان الفحش فيها يفوق الوصف. قالت, عند وصولهم كان من المستحيل إيجاد فتاة واحدة جيدة في أي قرية. هاجمت الرقص بعنف.

 

تحدثتُ لمرة واحدة مع المبشر وزوجته, ولم أتحدث مطلقا مع الآنسة تومسون. هنا مسودة القصة:

 

مومس, تحلّق من هونولولو بعد مداهمة للشرطة, وتصل إلى پاگو پاگو. وصل معها كذلك مبشر وزوجته. كذلك الراوي. الجميع مجبور على الانتظار هناك بسبب تفشي الحصبة. المبشر عرف حقيقة مهنتها وضيّق عليها. أجبرها على البؤس, العار, والتوبة, لا يجد في نفسه رحمة تجاهها. استحث المحافظ بأن يرجعها إلى هونولولو. عُثر عليه في أحد الصباحات ورقبته مقطوعة بيديه وهي بدت أكثر تألقا واتزانا. تنظر إلى الرجال وتصرخ باحتقار: خنازير قذرة.

 

قد يلاحظ القارئ بأن في المسودة الأصلية لـ “مطر” قُدِّم الراوي, لكن أثناء كتابة القصة حُذِف. “مطر” اُختُلِقَت من خلال مصادفتي لأشخاص من هنا وهناك, ممن سمعت منهم مباشرة أو حدثني آخرون عنهم, ظهر نمط بدا مناسبا لقصة قصيرة. هذا يأخذني إلى موضوع لطالما أقلق الكتاب وأحيانا تسبب للجمهور, المادة الخام للكتّاب, ببعض الانزعاج. يصرح بعض الكتاب عن عدم وجود مثال حي في مخيلتهم للشخصيات التي يبتكرونها. أعتقد أنهم مخطئون. لديهم هذا الرأي لأنهم لم يدققوا باهتمام كافٍ في الذكريات والانطباعات التي أسسوا من خلالها الشخص الذي تخيلوه بسذاجة. لو فعلوا ذلك لأدركوا بأنه, إلا إذا كان مستوحى من كتاب قد قرأوه وهي ممارسة ليست شائعة, قد تشكّل في أذهانهم من شخص أو أكثر يعرفونهم أو رأوهم في وقتٍ ما. الكتاب العظماء السابقين لا يخفون حقيقة اختيار شخصياتهم من بين أناس حقيقيين. نحن نعرف أن والتر سكوت Sir Walter Scott, رجل المبادئ العليا, صوّر أباه بشكل حاد أولا ثم, عندما غيّر تعاقب السنين مزاجه, صوّره بشكل حليم; في مخطوطة لرواية واحدة على الأقل لهنري بيل Henri Beyle, دوّن فيها على الهامش الأسماء الحقيقية لشخصياته; وهذا ما قاله تورگينيڤ Turgenev بنفسه: “بالنسبة للجزء الخاص بي, أعترف بأني لم أحاول قط أن أنشئ شخصية بدون امتلاك, ليس فقط فكرة, بل شخص حقيقي حي, تعتمل فيه العناصر المختلفة معا, لأعمل من خلاله. دائما ما أحتاج شيئا أساسيا يمكنني أن أسير عليه برسوخ.”

 

الأمر نفسه مع فلوبير Flaubert; كذلك معروف عن ديكينز Dickens استخدامه لأصدقاءه ولعلاقاته بشكل واسع; ولو قرأت يوميات جول رينان Journal of Jules Renard, الذي يُعَد أكثر كتاب تعليمي لأي شخص يود معرفة كيف يعمل الكتّاب, سترى مدى العناية التي يوليها لكل تفصيلة صغيرة عن العادات, طرق الحديث والمظهر الخارجي للأشخاص الذين يعرفهم. عندما شرع في كتابة روايته استعان بهذا المخزون من المعلومات المنتقاة بعناية. ستجد في يوميات تشيكوڤ ملاحظات يبدو جليا أنها كُتبت لتستخدم في وقت ما من المستقبل, وفي مذكرات أصدقائه ستجد إحالات متكررة للأشخاص الأصليين لشخصيات معينة. يظهر أن هذه الممارسة شائعة جدا. يجب علي أن أقول بأنها كانت ضرورية وحتمية. وملائمتها بدهية. سيسهل عليك جدا تصور شخصية يمكن تمييزها على أنها إنسانية ولها صفات ذاتية خاصة بها عندما يكون لديك مثال حي. الخيال لا يخلق شيئا من العدم. يحتاج إلى بواعث حسية. الملكة الإبداعية للكاتب التي يحركها شيء غير عادي في شخص ما (قد يكون غير عادي للكاتب فقط) تشوه فكرته فيما لو حاول أن يصف شخصا خلاف الذي يراه. الشخصيات يرتبط بعضها ببعض ولو حاولت أن تذكر معلومات كاذبة, بأن تجعل الرجل القصير طويلا على سبيل المثال (مع أن القامة ليس لها تأثير على الشخصية), أو بجعله غضوبا بينما هو يمتلك الصفات المصاحبة للمزاج الرصين, ستدمر بهذا الفعل الانسجام الظاهري plausible harmony (استعير هذا التعبير الجميل من بالتاسار گراثيار Baltasar Gracian) التي تتألف منه القصة. القضية برمتها تصير يسيرة ما لم تكن متعلقة بمشاعر الإنسان المعني. يجب على الكاتب أن يضع بعين الاعتبار خيلاء الجنس البشري وشماتته اللتان تعدان من أبرز مظاهر فشله المقيت. أصدقاء الرجل قد يجدون لذة حين يدركون وجوده في كتاب ما, خاصة إذا لم يكن فيه إطراء, رغم أن الكاتب ربما لم يعرفه أبدا من قبل. غالبا شخص ما سوف ينتبه إلى خصلة يعرفها في نفسه أو وصف لمكان يعيش به وسيتقافز به غروره إلى الانتهاء بأن هذه الشخصية تصوره. وهكذا في قصتي “المحطة الخارجية” كان المندوب السامي شخصا اقترحه عليّ القنصل البريطاني الذي قابلته مرة في مدريد وكُتبت بعد عشر سنوات من وفاته, لكني سمعت أن المندوب السامي في منطقة ساراواك, التي وصفتها في القصة, شعر بالإهانة لأنه ظن أني أعنيه. الشخصان لا يشتركان ولو بصفة واحدة. لا أتوقع من أي كاتب أن يحاول أن يرسم شخصية مطابقة للواقع.

 

لا شيء أكثر طيشا من أن تُضمّن عملا أدبيا شخصا مرسوما من الواقع سطرا بسطر. كل تصرفاته ستبدو خاطئة, وبشكل غريب, هو لا يجعل الشخصيات الأخرى في القصة تبدو مخطئة, بل ينعكس ذلك على شخصيته فقط. لا يكون مقنعا أبدا. لهذا السبب نجد أن الكثير من الكتّاب الذين انجذبوا إلى الشخصية الفردية والقوية في نهاية كتاب لورد نورثكليف Lord Northcliffe لم ينجحوا أبدا في تقديم شخصية ذات مصداقية. المثال الذي يختاره الكاتب تتم رؤيته من خلال مزاجه ولو أنه كان كاتبا لأي شيء أصلي, فما يكتبه يحتاج أن يكون له علاقة بسيطة بالحقائق. قد يرى الطويل قصيرا أو الكريم بخيلا; لكن, أكرر, إذا ما رآه طويلا يجب أن يبقى كذلك. يأخذ فقط ما يلزمه من الإنسان الحي. يستخدمه كوتد يعلق عليه تخيلاته. وليبلغ غايته (الانسجام الظاهري الذي نادرا ما تقدمه الطبيعة) عليه أن يكسيه بصفات لا تتحلى بها الشخصية الحقيقية. يجعله متماسكا ومتينا. الشخصية المختلقة, نتاج خياله المستقى من الحقائق, هي الفن, والحياة هي المادة الخام, كما نعلم, هي مجرد مادة.

 

الأمر الغريب أنه حين تلقى التهم على المؤلف بأنه نسخ هذا الشخص أو ذاك من الحياة, ينصب التركيز فقط على أقل الصفات الجديرة بالثناء الخاصة بالضحية. إذا ما وصفت شخصية رجل بأنه بار بوالدته لكنه يضرب زوجته, الجميع سيصيح: أوه, إنه براون, كم هو لا أخلاقي أن يتم ذكر ضربه لزوجته; ولن يخطر ببال أحد ولو لوهلة عن جونس وروبينسون اللذان يبران والدتهما بشكل معروف جدا. أود أن ألفت الانتباه من هذا إلى الخلاصة التي ننتهي إليها بشكل مدهش, نحن نعرف أصدقائنا من خلال عيوبهم وليس من مناقبهم. ذكرت بأنني لم أتحدث أبدا إلى الآنسة تومسون في قصة “مطر”. هذه الشخصية لا توجد في العالم بشكل واضح. باستثناء عدد ضئيل من الكتّاب, ممارستي بلا شك شائعة للغالبية, لذلك قد أكون مخولا بأن أعطي مثالا آخر عليها. تلقيت دعوة على العشاء لأقابل شخصين, زوج وزوجته, وروي لي عنهما ما سوف يقرأه القارئ بعد قليل. أعتقد أني لم أعرف أسمائهما قط.

 

من المؤكد أنني لن أتعرف عليهما فيما لو التقيت بهما في الشارع. هنا الملاحظات التي دونتها في ذلك الوقت:

 

رجل شجاع, يبدو مغرورا في عمر يقارب الخمسين, يرتدي نظارة أنفية وشعره أشيب, بشرة متوردة وعينان زرقاوان, وشارب رمادي أنيق. يتحدث بثقة. يقطن في مدينة نائية وبشكل ما معجب بمنصبه. يزدري الرجال الذين يسمحون للمناخ وللبيئة المحيطة أن تؤثرا في أنفسهم. سافر كثيرا خلال زياراته القصير إلى الشرق وعرف جاڤا, في الفلبين, الساحل الصيني وشبه الجزيرة الماليزية. هو بريطاني جدا, وشديد الوطنية; يهتم كثيرا للتمارين الرياضية. يكثر من شرب الكحول ودائما ما يأخذ زجاجة ويسكي معه إلى الفراش. عالجته زوجته تماما وهو الآن لا يشرب سوى الماء. هي امرأة متواضعة, ملامحها حادة, نحيلة, جلدها شاحب, وصدرها مستوٍ. ذوقها في الملابس سيء للغاية. تملك كل تحيزات المرأة الإنگليزية. عدة أجيال من عائلتها اعتادت على ارتداء ثياب من الدرجة الثانية. ستظن بأنها عديمة اللون وغير ذات أهمية لولا أنك تعلم أنها نجحت في علاج زوجها من إدمان الكحول بشكل تام.

 

من هذه المواد ابتكرت قصة بعنوان “قبل الحفلة”. لا أعتقد أن أي شخص محايد يمكنه أنه يظن أن هذين الشخصين اشتكيا بدعوى أنه تم استخدامهما. قد يكون صحيحا أنني لم أكن لأفكر بالقصة لو لم ألتقي بهم, لكن أي شخص قرأها سيدرك مدى ضآلة الحدث (أخذ الزجاجة إلى الفراش) وكيف تطورت الشخصيتين الرئيسيتين أثناء الكتابة من مخطط وجيز تأسسا منه.

 

“النقاد يشبهون ذبابة الخيل التي تمنع الفرس من الحراثة.” يقول تشيكوڤ. “قرأت انتقادات لقصصي طوال عشرين سنة, ولا أذكر ولو فائدة واحدة أو كلمة واحدة من نصيحة كانت ذات نفع. باستثناء مرة كتب فيها سكابچيڤيسكي Skabichevsky شيئا ترك فيّ أثرا. قال بأني سألقى حتفي في حفرة, ثملا”. كان يكتب لمدة أربعة وعشرون سنة وطوال هذه المدة كانت كتاباته تُهاجَم. لا أدري ما إذا كان النقاد اليوم لهم أمزجة أقل توحشا; كلما أصدرت مجموعة قصصية يجب علي أن أقبل بشكل عام الأحكام التي ستطلق عليها. لكن أحد النعوت حيرني استخدامه لوصف قصصي; وصفوها بتكرار مقلق بأنها “كفؤة”. يمكنني أن أنظر إلى هذا الوصف باعتباره إطراء, لأن أداء الأشياء بكفاءة يستحق الثناء أكثر من أداءها بلا كفاءة, لكن العبارة استخدمت بصورة انتقاصية, وبدافع التوق لأن أتعلم وأتحسن, سألت نفسي مالذي يمكن أن يكون في أذهان النقاد الذين أطلقوا هذه العبارة. بالطبع لا أحد فينا مرضي عنه من قبل الجميع وبالضرورة ستكون كتاباته, التي هي ظهور حميمي لذاته, منفرة للأشخاص الذين بطبيعتهم يعادونه. هذا يجب أن يبقيه رابط الجأش. لكن حين تكون أعمال المؤلف تحمل بشكل متكرر صفات غير جاذبة لعدد كبير من الناس يجب عليه حينئذ أن يلقي لهذا الأمر انتباهه. هناك بشكل واضح شيء ما يجده عدد من الناس غير محبب في قصصي وهذا ما يحاولون التعبير عنه حين يسلطون عليه لسانهم بمدحهم الخافت حول مدى كفاءته. لدي فرضية بأنها بسبب وضوح صياغته. أجازف بهذا الاقتراح (ربما امتدح نفسي بشكل غير ملائم) لأن هذا النقد بالتحديد لم يأتي من فرنسا أبدا حيث  حققت قصصي قبولا مع النقاد والعامة بشكل أكبر بكثير عما هي عليه في إنگلترا.

 

الفرنسيون بحسهم الكلاسيكي وأذهانهم المنظمة يطلبون صيغة متقنة ويستاءون من عمل تُركت نهايته غامضة, كأن تُعرض المواضيع ولا تُحل ويمكن توقع الذروة لكنها لا تحدث. من جانب آخر, هذه الدقة كانت منفرة للإنگليزيين. فأعظم رواياتنا عديمة الشكل وهذا, حتى لا يزعجون قرائهم, أعطاهم حسًا بالأمان. هذه هي الحياة التي نعرفها, هكذا فكروا, بتعسفها ولا منطقيتها; يمكننا أن نلقي بعيدا عن أذهاننا الفكرة المزعجة بأن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة. إذا كنتُ مصيبا في هذا الظن فلا يمكنني القيام بشيء تجاهه ويجب أن أعهد بنفسي لأكون كفؤا لبقية حياتي. تحيزاتي في الفنون تكون إلى جانب القانون والنظام. أحب القصة المناسبة. لم أزاول كتابة القصص بجدية إلا بعد أن كونت خبرة جيدة ككاتب دراما, وهذه الخبرة علمتني بأن أنحي جانبا كل ما لا يخدم القيمة الدرامية لقصتي. علمتني بأن أنشيء حدثا تلو الآخر بطريقة تؤدي إلى الذروة التي في ذهني. لستُ غافلا عن عيوب هذه الطريقة. قد تعطي تأثيرا ضيقا يكون في بعض الأحيان مزعجا. تشعر أحيانا بأن الحياة لا تترابط في أجزائها المختلفة بكل هذا الاتقان. في الحياة القصص تنمو, تبدأ من لامكان وتخمد بلا وجهة محددة. لعل هذا ما عناه تشيكوڤ عندما قال بأن القصص يجب أن لا تحتوي على بداية ولا نهاية. من المؤكد أنها أحيانا قد تُعطي شعورا بالاختناق حين ترى أشخاصا يتصرفون بشكل مطابق جدا للشخصيات وللأحداث التي تقع في شكل ملائم تماما. الراوي في هذا النوع لا يهدف فقط إلى أن يعرض مشاعره عن الحياة, لكن يعرضها بتجميل شكلي. يعيد ترتيب الحياة لتتناسب وأهدافه. يتبع تصميما في ذهنه, يترك هذا ويغير ذاك; يشوه الحقائق لمصلحته, بما يتوافق وخطته; وعندما يبلغ موضوعه ينتج عملا فنيا. لا يسعى إلى إثبات شيء. يرسم صورة ويضعها أمامك. يمكنك أن تأخذها أو تتركها.

Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

الوتر الرباعي – فيرجينيا وولف

 


cc3ab6dc1ff28a6d11d5bceccf97e3cdالوتر الرباعي
ترجمة : نجوى النابلسي

حسناًً ، ها قد وصلنا. وإذا أجلت بصرك حول المكان فسترى تلك الأنفاق وعربات الترام والحافلات الصغيرة، وأتجرأ على القول أن السيارات الخاصة أيضاً لم تكن بقليل، كذلك عربات محمّلة بأكاليل الغار، شغلوا بها، ينسجون الخيوط من أحد أطراف لندن إلى طرفها الآخر.
ومع ذلك بدأت تتشكل لدي بعض الشكوك ____
إن كان ذلك صحيح فعلاً ، كما يقولون، أن شارع ” ريجنت” مشيد وأن ” ترينتي” قد تعاقد وأن الطقس ليس بارداً لمثل هذا الوقت من العام ، وأنه حتى بمثل هذا القدر من الأجر لا يمكن الحصول على شقة، وأن أسوء ما في الأنفلونزا آثارها التالية، وإذا تذكرتُ أني نسيت أن أكتب عن الإرتشاح في المخزن وتركت قفازي في القطار، وإذا كانت روابط الدم تناديني، أنحني إلى الأمام لأتقبل بمودة اليد التي ربما امتدت بتردد__
” سبع سنوات منذ التقينا!”
” المرة الأخيرة في فينيس.”
” وأين تعيشين الآن؟”
حسناً، المساء المتأخر أفضل ما لائمني، ومع ذلك، لو أنه لم يتطلب كثيراً__”
” لكني عرفتك فوراً!”
” وإنْ. الحرب تركت شرخاً__”
لو أن العقل أصيب بطلقات سهام صغيرة كهذه، – فإن المجتمع البشري يخضعها- ولو لم يدفع أحدهم بالطباعة إلى الأمام أسرع من الآخر، وإذا قاموا بتوليد هذه الحرارة، وبالإضافة إلى ذلك أضاءوا النور الكهربائي، إذا قيل أن أحد الأشياء، في حالات كثيرة، يترك خلفه حاجة للتطوير والتعديل، والتنشيط علاوة على التأسف، والمتع والترهات والرغبات__ أعني إن كان كل ذلك حقائق ، والقبعات ووشاح الفرو، وبذات الرجال المحترمين المشقوقة الذيل، وأزرار ربطات العنق اللؤلئية التي ظهرت على السطح__ فأي فرصة هناك؟
من أي شيء؟ يصبح من الأصعب كل دقيقة أن تقول لماذا، رغم كل شيء، أجلس هنا مقتنعة أني أستطيع الآن أن أقول لماذا، أو حتى أن أتذكر آخر مرة، حدث هذا.
” هل شاهدت الموكب؟”
” بدا الملك بارداً.”
” لا ، لا ، لا. ولكن ما كان ذلك؟”
” لقد اشترت منزلاً في ” مالمسباري” .”
” كم هي محظوظة إن وجدت واحداً!”
على العكس، بدا لي شبه متأكدة، أياً كانت، أنها ملعونة، لأن الأمر كان مسألة شقق وقبعات وزبد بحر، أو هكذا بدا الأمر لمائة من الأشخاص المتأنقين الجالسين هنا، معزولين، مبطنين بالفرو ومتخمين.
ليس لأني قادرة على التباهي، فأنا أيضاً أجلس هامدة على مقعد مذهب، أقلب الأرض فوق ذاكرة مدفونة، كما نفعل جميعاً، لأن هناك إشارات، إن لم أكن مخطئة، بأننا جميعاً نسترجع ذكرى شيء ما، ونبحث بتكتم عن شيء ما. لماذا القلق؟ لماذا أكون قلقة إلى هذا الحد حول جلوس أصحاب العباءات والقفازات_ سواء كانت مزررة أم مفكوكة الأزرار؟ راقب إذاً ذاك الوجه العجوز منعكساً على الكنفا المعتمة، قبل دقيقة مضت كان لطيفاً ومتورداً، والآن صار صامتاً وحزيناً وكأنه في الظل. هل كان ذلك صوت الكمنجا الثانية تدندن في مدخل المكان؟
ها قد أتوا، أربع أشكال سوداء، يحملون الأدوات الموسيقية، أخذوا مجالسهم مقابل المربعات البيضاء تحت مسقط الضوء، أراحوا رؤوس أقواسهم على قوائم الأدوات ثم رفعوها بحركة متزامنة، وازنوها بخفة ثم عدّ العازف الأول ناظراً إلى العازف المقابل: له واحد، اثنان، ثلاثة__
متألقة، مزهرة، مثقلة بحملها، برزت فجأة! شجرة الكمثرى على قمة الجبل. تفجرت الينابيع، هبطت الأمطار. لكن مياه ” الرون” تجري بسرعة وعمق، سباق تحت القناطر، تكنس مخلفات الماء عن الأرض غاسلة الظلال فوق السمكة الفضية ، دُفعت السمكة المرقطة إلى الأسفل بالماء السريع، انزلقت الآن ضمن دوامة حيث _ من الصعب قول هذا- مزيج من السمك جميعهم في حوض، تثب، تنتثر، تكشط زعانفها الحادة، وشيء مثل غليان التيار الذي يحركه الزبد الأصفر جعلها تدور وتدور وتدور وتدور__
حرة الآن، تندفع إلى الأسفل أو بطريقة ما ترتفع في الهواء في حركات لولبية خلابة، ملتفة مثل نخالة ناعمة نتجت من تحت طائرة،أعلى وأعلى… كم هي محببة الطيبة في هؤلاء الذين يخطون بخفة، ويجتازون العالم مبتسمين ! كذلك العجائز المرحات لزوجات الأسماك، رابضات تحت القناطر، آه منظر النساء العجائز، كم يضحكن مهتزات ويمرحن ويترنحن عندما يمشين، من جانب إلى آخر.. هام هاه!
” طبعاً هذه من أولى موزارت ، _”
” لكن اللحن ، مثل كل ألحانه، يشعر المرء باليأس _ أقصد بالأمل.”
” ماذا أعني؟ إنها الموسيقى الأسوأ ! أريد أن أرقص، أن أضحك وآكل كعك القرنفل والكعك المزعفر وأشرب النبيذ الناعم الحاد. أو أسمع قصة فاحشة، الآن _ أستطيع إضافة البهار إليها_ كلما كبر المرء كلما ازداد حباً للبذاءة. ها… إنني أضحك. على ماذا؟ أنت لم تقل شيئاً ولا الرجل المحترم قبالتنا.. ولكن افترض.. افترض.. صه!
يحملنا النهر الكثيب فوقه. وعندما يطل القمر من خلال أغصان الصفصاف المتدلية أرى وجهك، أسمع صوتك، والعصافير تغني ونحن نجتاز أرض صفصاف عمال السلال. أي لحن تصفر؟ حزن ، حزن، مرح، مرح، مغزولين معا ًمثل أعواد القصب قي ضوء القمر، مغزولين معاً، ممتزجين لا يمكن فصلهما، مكبلين بالألم ومبذرين في الحزن – انهيار !
بغوص المركب، يرتفع، ترتفع الأشكال، لكن الورقة الآن ضعيفة، أصبحت فتيلاً لعمود دخان معتم يسحب بنقلات ملتهبة الألم المضاعف من قلبي. أشارت إلي، أطلقت حزني، أذابت ثلوج الحنو، أغرقت بالحب عوالم بلا شمس وبلا انقطاع، ألغت التزاماتها، لكنها برشاقة ورقة شقت طريقها في الداخل والخارج إلى أن اتحد المنشقون ضمن هذا النموذج وهذا الكمال، حلقت، تنهدت، غرقت كي ترتاح وتحزن وتسعد.
لماذا الحزن إذاً؟ ماذا تسأل؟ مازلتِ غير راضية؟ أقول: كل المسائل تم تسويتها. نعم، تمدد لترتاح تحت غطاء من أوراق الورد، المتساقطة. سقوط. آه، لكنهم توقفوا. ورقة ورد واحدة. تسقط من ارتفاع شاهق مثل مظلة صغيرة سقطت من بالون غير مرئي، دارت ثم طافت متموجة، لن تصل إلينا.
” لا ، لا لم ألحظ شيئاً . هذه أسوأ أنواع الموسيقى __ هذه الأحلام السخيفة. هل تقول أن عازف الكمان الثاني كان متأخراً؟”
” ها هي الآنسة مونرو تتحسس طريقها خارجاً __ شقراء أكثر كل عام، مسكينة _ على هذه الأرض المنزلقة”
” سيفنكس” العجوز العمياء ذات الشعر الرمادي.. تقف هناك على الرصيف، تومئ بعبوس شديد للحافلة الحمراء.
” كم هو رائع ! ما أروع عزفهم.. كم.. كم.. كم!
” ليس اللسان إلا مصفقة. السذاجة ذاتها. الريش في القبعة التي قربي مشع ومرح مثل خشخاشة طفل. والورقة على سطح الشجرة تلمع خضراء عبر الشق في الستارة. غريب جداً، مثير جداً.
” كم___ كم__كم!” صه!
هذان هما العاشقان فوق المرج.
“إن أخذتِ بيدي سيدتي__”
” سيدي، سأثق بك من كل قلبي، فضلاً عن ذلك، تركنا أجسادنا في قاعة المأدبة. هذه التي فوق المرج هي ظلال أرواحنا”
” إذاً فهذا عناق أرواحنا” أومأت أشجار الليمون برأسها موافقة. اندفعت البجعة من الجرف وطافت حالمة ضمن مجرى متوسط.
” ولكن ولكي نعود. تبعني هابطة الممر، وبينما كنا نلتف حول الزاوية، داس فوق بريم تنورتي، ما الذي أستطيع أن أفعله سوى الصراخ , آه ! هل أتوقف لأشير إليه؟ حينها سحب سيفه وشق طريقه وكأنه يطعن شيء ما حتى الموت وصرخ” مجنون! مجنون! ، بينما كنت أبكي، خرج الأمير بقبعته الخمرية وممشاته الفروية ، والذي كان يكتب في كتاب مغلف كبير في النافذة البارزة، انتزع سيفاً معلقاً على الجدار_ هدية من ملك أسبانيا، كما تعلم_ حينها هربت ، طارحة عليّ هذه العباءة لأخفي التلف الذي أصاب تنورتي_ لأخفي… ولكن اسمع ! الأبواق!”
رد الرجل المحترم على السيدة بسرعة كبيرة وركضت هي إلى الطابق الأعلى متبادلة مجاملات سريعة وذكية، وقد بلغت ذروة البناء الآن، تنشج بانفعال. لكن الكلمات كانت غير واضحة رغم أن المعنى واضح تماماً_ حب، ضحك، غزل، ملاحقة، النعيم السماوي، جميعها اندفعت خارجة راكبة الموجة المبتهجة للتحبب الرخيص_ إلى أن أصبح صوت الأبواق الفضية، تدريجياً وعلى المدى البعيد المسموع، أكثر وأكثر وضوحاً، وكأن القهرمانات كانوا يرحبون بالفجر أو يعلنون منذرين بالشؤم هروب العاشقين…
الحديقة الخضراء، بركة ضوء القمر، شجر الليمون، والعشاق والأسماك كلها ذابت في سماء الحجر الكريم، التي ارتفعت عبرها، وبينما كانت أصوات الأبواق تذوب بأصوات الترامبيت مدعومة بأصوات الكلاريون، أقواس بيضاء مغروسة بقوة فوق الدعامات الرخامية…المتسولون وأصوات الأبواق، الإوز والضجيج الصاخب، إنشاء المعامل، مؤسسات سريعة، مسيرة الأعداد الكبيرة، التشوش ، تلف الشكل الهيولي للأرض . لكن هذه المدينة التي سافرنا إليها ليس فيها أحجار ولا رخام، تتدلى بثبات، تقف دون اهتزاز، لم يحيينا ولم يرحب بنا أي وجه أو أي علم، ارحل إذاً لتدفن أملك، وأرمي في الصحراء سعادتي، تقدم عاري. الدعامات مكشوفة، غير مثيرة لشك أحد، غير لاغية لأي ظل، متألقة، قاسية. سقطت إلى الوراء، لا أطلب المزيد. راغبةً فقط بالرحيل، وجدت الطريق، رمزّت الأبنية، ألقيت التحية على المرأة التفاحة، قلت للفتاة التي فتحت الأبواب: ليلة مرصعة بالنجوم.
” تصبحين على خير، تصبحين على خير. هل تذهبين في هذا الاتجاه؟”
” وا حسرتاه، أنا أسلك ذاك!”

Posted in قصة_قصيرة،غير مصنف

سر المرأة المتوفاة قصة قصيرة لموباسان ترجمة خلف سرحان

storyid
A Dead Woman’s Secret

 

Guy de Maupassant

 

سر المتوفاة !

 

قصة قصيرة للأديب الفرنسي:- جي. دي. موبسان.

 

ترجمها عن الإنجليزية :- خلف سرحان القرشي.

 

 

 
 
 
كما ينبغي لامرأة عاشت طيلة حياتها طاهرة بريئة، قُبِضت روح العجوز قبضا يسيرا، وتوفيت بهدوء دونما ألم. هاهي الآن ترقد بسلام في سريرها ممددة على ظهرها، مغمضة عينيها، قسمات وجهها ساكنة، خصلات شعرها الأبيض الطويل مرتبة بعناية كأنها أتمت تسريحه قبيل دقائق من موتها.
ملامحها الشاحبة ساكنة تماما الآن، كلها إذعان وتسليم؛ الأمر الذي يجعل أي إنسان قادرا على أن يستشعر أي روح شفافة حلت في ذلك الجسد، وأي جسد مطمئن قادته تلك الروح، وكذلك أي خاتمة حسنة نالتها هذه الوالدة!

 

ابنها القاضي المعهود باستقامته الدائمة، يجثو الآن بجانب سريرها، وكذلك ابنتها (مارجريت) الملقبة بــ (الأخت أيولالي).

 

إنهما يبكيان بمرارة، كأن قلبيهما على وشك الانفطار حزنا وكمدا. منذ طفولتهما سلحتهما بمجموعة من المبادئ الأخلاقية والقيم الصارمة. ربّتهما على التمسك بالدين بلا هوادة وعلى الالتزام بالواجبات دون مساومة. فهاهو (الشاب) قد أصبح قاضيا يشار له بالبنان، وعرف عنه تمسكه بالقانون سلاحا به يضرب ذوي النفوس الرديئة بلا شفقة. أما (الفتاة) – بتأثير من قيم الفضيلة التي تشبعت بها في هذه العائلة الصارمة – فقد وهبت حياتها عروسا للكنيسة، واستعاضت بها عن الرجال، لدرجة أنها تمقت الارتباط بأي منهم.

 

إنهما بالكاد يعرفان والدهما، كل ما يعرفانه عنه أنه السبب الذي جعل من أمهما المرأة الأكثر شقاء، ولكن دون تفاصيل.

 

كانت الراهبة تُقبِّل على نحو مطرد يد المرأة العجوز، تلك اليد العاجية البيضاء، مثلها مثل صليب كبير ممدد على السرير الذي ترقد عليه الآن، وعلى الجانب الآخر من الجثة الممددة كانت اليد الأخرى تبدو ثابتة كأنها ممسكة بملاءة السرير بقبضتها المستمدة قوتها من الموت. إن تلك الملاءة يجب أن تحفظ من التجعد مثلها مثل ذكرى هذه اللحظات الأخيرة التي تسبق المثوى الأبدي.

 

بضع نقرات خفيفة على الباب، جعلت الاثنين يحركان رأسيهما لينظرا باتجاهه. إنه الكاهن الذي اضطر لترك طعام العشاء، جاء محمّر الوجه، متقطع الأنفاس من جراء مقاطعة لم يتهيأ لها ذهنيا، حيث كان قد أعد لنفسه كوبا من مخلوط القهوة القوية مع شيء من (البراندي)؛ من أجل أن يقاوم الإعياء الذي أصابه في الليالي الأخيرة، بالإضافة إلى المهمة الجديدة التي بدأت للتو.

 

بدا حزينا، ذلك الحزن المتكلف لكاهن يُعَدُّ الموتُ بالنسبة له مصدر رزق. أدى حركة الصليب واقترب بإيماءته المحترفة قائلا: ” حسنا، أبنيِّ المسكينين، لقد أتيت لتتجاوزا هذه اللحظات الحزينة. لكن الفتاة رفعت رأسها فجأة وقالت: ” شكرا أيها الوالد، لكني وأخي نؤثر أن نظل وحيدين معها. هذه أخر فرصة لنا لنراها، ونرغب أن نبقى معا ثلاثتنا كما اعتدنا ذلك عندما كنا صغارا مع أمنا المسكينة، أمنا الــ ………”. حالت دموعها بينها وبين إتمام كلامها. وبهدوء أكثر، ركع الكاهن وهو يفكر في فراشه: “كما تريدان ابنيّ العزيزين”. مرة ثانية، وبهدوء أكثر أدى الكاهن بضع صلوات، نهض، خرج بهدوء وهو يتمتم :”كانت قديسة!”.

 

ظل الثلاثة معا؛ المرأة المتوفاة وابنها وابنتها. تكات الساعة المختفية في الظل، يمكن سماعها بوضوح تام. من خلال النافذة المفتوحة تهب رائحة منعشة لطيفة للعشب والغابات. ويتسلل شيء من ضوء القمر الخفيف. لا صوت يمكن أن يسمع على البسيطة الآن سوى نقيق بعض الضفادع بين حين وآخر وأيضا سقسقة بعض الحشرات المتأخرة في الهجوع. صفاء تام يحيط بهذه المرأة العجوز، يبدو كأنها تزفره من أعماقها لتشبع به الطبيعة من حولها.

 

صاح القاضي الذي ما يزال جاثيا ورأسه مدفون في فراش السرير، بكى في صوت تبدل إثر ما غمره من أسى وحزن وحاول أن يخبئه في الملاءات والبطاطين: “ماما، ماما، ماما”. أما أخته فقد أخذت تضرب بجبهتها في السرير بشكل محموم كأنها في نوبة صرع، وظلت تئن وهي ترتجف “يا إلهي ….ماما! يا إلهي…ماما”

 

ما لبثت عاصفة الحزن تلك إلا أن هدأت تدريجيا. بدأ الأخ وأخته ينتحبان بصوت خافت، كما يحدث عندما يهدأ البحر بعد موج عاصف.

 

بعد مضي وقت طويل نسبيا رفعا رأسيهما ونظرا إلى ميتتهما، واسترجعا شيئا من الذكريات؛ ذكريات الأمس العزيز ، ذكريات الزمن القديم التي هبت الآن، وصعدت إلى ذهنيهما بكل تفاصيلها الصغيرة المنسية، تلك التفاصيل العميقة المألوفة، التي تعيد شيئا من الحياة إلى حياة الفقيد. تلك الذكريات البعيدة التي كانت بالأمس عزيزة غالية، وهاهي اليوم مؤلمة حارقة. استعادا مع كل ذكرى من تلك الذكريات؛ الظروف، الكلمات، الابتسامات وترنيمات الأم التي لن تكلم بعد اليوم إنسيا. ألقيا نظرة ثانية على جسدها المسجى، وجدَاها سعيدة هادئة. تذكرا كثيرا مما كانت تقوله لهما، تذكرا تلك الحركة المميزة ليدها الصغيرة التي كثيرا ما كانت تستعملها، عندما تريد التأكيد على شيء ما، كأنها تريد الإمساك بالوقت . إنهما يحبانها الآن أكثر من ذي قبل. لقد أدركا الآن عمق حزنهما وكم سيكونان وحيدين من دونها!

 

كانت بالنسبة لهما السند والمرشد، كانت كل شبابهما، وأجمل جزء في حياتهما وقد اختفى الآن والى الأبد. كانت أمهما الرابطة الموصلة بينهما وبين أسلافهما وفقدّاها للتو. أصبحا الآن كائنين معزولين ومقطوعين يصعب عليهما بعد الآن التفكير في ماضيهما.

 

قالت الراهبة لأخيها: ” أتتذكر كيف اعتادت ماما أن تقرأ رسائلها القديمة؟ كل رسائلها هناك في ذلك الدرج. دعنا الليلة نقرأها بدورنا، ونحن بجوارها، لنعيش شيئا من حياتها عبر الرسائل. سيكون الأمر أشبه بطريق نعبره، لنتعرف على أمها، وعلى أجدادنا الذين لم نعرفهم، وتوجد رسائلهم هنا، وعنهم طالما حدثتنا. ألا تتذكر؟”

 

وأخذا من الدرج بضع رزم صغيرة من الورق الأصفر، حُزِمت بعناية، ورتبت واحدة بجانب الأخرى. ألقيا بهذه الآثار على السرير، واختارا واحدة منها كتبت عليها كلمة (أب). فتحاها وشرعا يقرآن فيها. كانت من تلك الرسائل ذات النمط القديم التي قد يجدها الشخص في بعض أدراج الطاولات القديمة لبعض العائلات، تلك الرسائل التي تفوح منها رائحة قرن آخر، وتعبق بشذى الماضي العتيق. بدأت الأولى منها بعبارة “عزيزتي” والثانية بـ “ابنتي الصغيرة الجميلة”، وثمة أخرى بدأت بـ ” عزيزتي الابنة:”.

 

فجأة بدأت الراهبة تقرأ بصوت عال، تقرأ على المرأة العجوز الميتة كل تاريخها، كل ذكرياتها الحنون قراءة جهرية. كان القاضي واضعا مرفقه على السرير يستمع وعيناه مثبتتان، لا يكاد يرفعهما عن أمه، تلك الجثة التي بدت سعيدة رغم أنه لا حراك بها. فجأة توقفت الأخت (أيللولي) عن القراءة قائلة: “هذه الرسائل يجب أن تدفن معها في قبرها. يجب أن يوضع لها كفن خاص بها، يرافق جثتها في لحدها”.

 

تناولت رزمة أخرى لم تكن تحمل اسما. أخذت تقرأ بصوت ثابت:-

 

” عشيقتي الوحيدة: أحبك أقوى ما يكون الحب. منذ أمس أعاني من عذابات بعدِك اللعينة. ذكرياتنا تستحوذ علي. أشعر بشفتيك اللذيذتين تطبقان على شفتي وعينيك في عينَّي وصدرك ملاصق لصدري. آه، كم أحبك، لقد جعلتِنِي مجنونا. هاهما ذراعاي مفتوحتان، أتأوه مدفوعا بالرغبة لاحتوائك. روحي وجسدي يناديان بأعلى صوت. إنهما يريدانك. ما زلت أحتفظ بطعم قبلاتك الحالي في فمي…..”.

 

اعتدل القاضي في جلسته، توقفت الراهبة عن القراءة، اختطف منها الرسالة. نظر في المكان الذي تُوَقَعُ فيه الرسالة عادة، لم يكن ثمة أي توقيع، فقط تحت تلك الكلمات عبارة “المغرم بك…. هنري”! والدهما كان اسمه (رينييه). الرسالة بالتأكيد ليست منه. فتَّش الابن بسرعة في رزمة الرسائل تلك، وتناول واحدة وقرأ فيها: “لم يعد بوسعي العيش دون مداعباتك لي”!

 

فجأة انتصب القاضي، مثلما يفعل تماما عندما يكون في مكتبه بالمحكمة، ألقى نظرة جامدة على المرأة الميتة، بينما كانت أخته الراهبة كانت منتصبة مثل التمثال، الدموع ترتجف في عينيها، ترقب أخاها تنتظر ما سوف يفعله. عَبَرَ القاضي الغرفة ببطء واتجه نحو النافذة، ومنها ظل يحدق في الخارج في ذلك الليل البهيم، وعندما أرجع البصر نحو أخته وجد عينيها قد جفت الآن، ما زالت واقفة بالقرب من السرير، مطرقة رأسها. تقدم قليلا وبسرعة التقط الرسائل، وألقى بها كيفما اتفق في الدرج، وأغلق الستائر المحيطة بالسرير. أشرق نور الصباح… شحُبَ ضوء الشموع التي على الطاولة… ترك الابن مقعده، دون أن ينظر ثانية إلى أمه … أصدر من أعماقه حكما يقضي بقطع أي صلة تربطهما بها… قال ببطء: ” لنخرج الآن يا أختي!”

 

——————————————————————–

 

نبذة موجزة عن كاتب القصة:

 

جي دو موباسان

 

من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة))

 

جي دو موباسان (Guy de Maupassant) (1850- 1893)

 

كاتب وروائي فرنسي وأحد آباء القصة القصيرة الحديثة. وكان عضوا في ندوة (إميل زولا).

 

ولد موباسان بقصر (ميرونمسنل بنورمانديا) عام 1850 م وكان له أب من سلالة أرستقراطية تدهورت إلى حد الإفلاس وكان أبوه اباحيا يخالط سامي النساء ودانيهن. أما أمه من سلالة من العامة سمت إلى الخلق الفني وكانت ترثى دوما ذكرى أخيها الشاعر وتطمح في أن ينشأ ابنها كرجل سوي.

 

درس موباسان القانون، والتحق بالجيش الفرنسي ثم عمل كاتبا في البحرية. وقابل (جوستاف فلوبير) عن طريق صلات أسرته ليصبح فيما بعد تلميذه المخلص، وقد قدم (فلوبير) لتلميذه نظرية للنجاح الأدبي تتكون من ثلاثة أجزاء : لاحظ، لاحظ، ثم لاحظ.

 

من أشهر قصصه : “كرة الشحم”، “بيير وجان” ومن أهم قصصه القصيرة: ” العقد”، “الآنسة فيفي”.

 

و قد كان يقول : ” إن هناك من الحقائق ما يساوي الناس عداً.فكل منا يكون لنفسه صورة خادعة عن العالم. وهو خداع شعري أو عاطفي أو بهيج أو مقبض أو قذر أو كئيب حسبما تكون طبيعته.. كخداع الجمال وهو تقليد إنساني.. وخداع الدمامة وهو فكرة متغيرة.. وخداع النذالة الذي يستهوي الكثيرين. وكبار الفنانين هم أولئك الذين يستطيعون حمل الإنسانية على قبول انخداعاتهم الخاصة”

 

كان (موباسان) الرسام الأكبر للعبوس البشري ودوما ما كان يصاب بصداع وكان يتلوى ساعات من الألم حتى أصيب بالجنون سنة 1891 ومات في إحدى المصحات عام 1893م .

 

(العقد) واحدة من أشهر قصصه، إن لم تكن من أشهر القصص عالميا، وقد اجتمعت آراء كثير من النقاد في العالم علي أن هذه القصة هي الأنموذج الكامل للقصة القصيرة ذات النهاية المفاجئة، التي تتوافر فيها العناصر الأساسية للقصة القصيرة : الشخوص، والمكان والزمان، والمسوغات المنطقية للأحداث، والنهاية، كما تتوافر فيها عناصر أخرى مثل : التشويق، والمصادفة المعقولة، والتصوير الدرامي، والتدرج لبلوغ النهاية.