Posted in مقال

رهاب الدين

حول جوانب من اللاعقلانية اللادينية، يفيدنا البروفيسور توماس نيجل، أستاذ الفلسفة العريق في جامعة نيويورك، بأن “رهاب الدين” يشكّل إطارا منغلقا لبعض عقول زملائه المفكرين العلمانيين. و هذا الشيء كان له عواقب وخيمة مستترة واسعة الإنتشار في الحياة الفكرية الحديثة. يضيف نيجل قائلا عن هذا الرهاب:

” أتحدث من واقع خبرتي، فأنا أيضا وقعت بمرحلة تحت تأثير هذا الخوف: أريد بشدة الإلحاد أن يكون حقيقة لا ريب فيها، و ينتابني إحساس بعدم الإرتياح كلّلما تذكّرت أن بعض ألمع المفكّرين و أفضلهم علما من معارفي هم مؤمنون دينيون. الأمر ليس أني فقط لا أؤمن بالله، و بطبيعة الحال، مطمئن بهذا الإعتقاد؛ بل أنا آمل بكل جوارحي بعدم وجود الله! لا أريد أن يكون هناك خالقا لهذا الكون؛ لا أريد للكون أن يكون هكذا. أظن أن معضلة الخوف من السلطة العلوية في الكون مسؤولة عن الكثير من النزعات الإختزالية و العلموية المتفشية بيننا في زماننا المعاصر هذا. هذه النزعات تخلق قابلية داعمة للإستخدام السخيف المبالغ فيه لنظرية البيولوجيا التطورية في تفسير كل مناحي الحياة البشرية، بما فيها عقل الإنسان….

الرغبة القهرية بنفي الألوهية عن كل شيء مساوية في عدم منطقيّتها لتأثير الإعتقادات الدينية البالية على نظرتنا للكون.

Thomas Nagel

 

ترجمة : محمد باقر

Advertisements
Posted in مقال

عالم الأمس’ ذكريات ستيفان زفايغ الأوروبي الخائب تمسرح في باريس

في كتاب “عالم الأمس” للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ يتحدث ستيفان زفايغ (1881 /1941) عما عاشه وما شاهده منذ طفولته السعيدة وشبابه التائق إلى مستقبل أجمل في بلد كان القلب النابض لأوروبا الوسطى مدينته فيينا، إلى أن عصفت به رياح التطرف ممثلة في تنامي القوميات وصعود الفاشية والنازية، وكان من أثرهما اندلاع حربين مدمرتين آلت الأولى إلى تفكك الامبراطورية النمساوية المجرية، وانتهت الثانية إلى جعل النمسا محمية نازية، فنابت عن السلم مجزرة مروّعة، وحلّ الميز العرقي محل التعدد والاختلاف، وعبادة الشخصية محلّ حرية الفكر، وهتلر وغوبلز وهيملر مكان ريلكه وبتهوفن وبراهمس.

يروي ذلك ليس من باب الحنين إلى ماض تولّى، بل بهدف ترك أثر لمن يأتي بعده، لعله يتعظ بما جرى ويعيد إلى أوروبا أنوارها. أوروبا التي قال عنها عام 1941 في مقدمة كتابه “الوطن الحق الذي اصطفاه قلبي، أوروبا، ضاع مني منذ أن استبدت به للمرة الثانية حمّى الانتحار، ومزّقته حرب أهلية. ضدّ إرادتي، كنت شاهدا على أفظع هزيمة للعقل، وأكبر انتصار همجيّ للعنف. لم يوجد قطّ – ولا أقولها بفخر، بل بشعور بالخجل- جيل كجيلنا هَوى من تلك القوة الفكرية إلى هذا الانحطاط الأخلاقي”.

في هذا الكتاب يتنقل زفايغ بين الخاص والعام، فيذكر مسيرته الدراسية التي بدأها بالفلسفة قبل أن يفضل عليها الفنون، ويعدد أسفاره عبر أوروبا وأميركا والهند، حيث التقى كل مرة بفنانين وكتاب وموسيقيين استنجد بهم عند اندلاع الحرب الأولى وحثهم على التضامن ضدّها والتنديد بها.

ومع ذلك انتهت بسقوط الإمبراطورية ودخول مرحلة من البؤس المعيشي والثقافي، لم تحل دون بروزه بكتابات جلبت له اهتمام القراء والنقاد بداية من 1923، ليعيش مما تدره عليه من عائدات عيشة مرفّهة، حتى وصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا، وقرار النازيين بمصادرة مؤلفاته، ومطاردة اليهود عامة، مما اضطره إلى مغادرة فيينا نهائيا باتجاه لندن عام 1934، لكي يواصل النضال كما قال “لأجل حريته الداخلية والخارجية”، ومنها إلى أميركا ثم إلى البرازيل، حيث انتحر عام 1942، تاركا هذا الكتاب كوصية.

ستيفان زفايغ: من عرف الضوء والظلام، العظمة والانحطاط هو وحده من عاش حقا

يقول في خاتمة كتابه “ظِلّ الحرب لم يفارقني، فقد غلّف بالحداد كل فكرة من أفكاري، إن بليل أو نهار. لعلّ ظلها المظلم يتبدّى أيضا في صفحات هذا الكتاب. ولكن كل ظل، هو في النهاية سليل النور، ومن عرف الضوء والظلام، الحر ب والسلم، العظمة والانحطاط هو وحده من عاش حقا”.

فكيف يمكن إعداد نص كهذا للمسرح؟ في ديكور خلاصته ستار وكرسيّ وإكسسوار لا يتعدى كتابا وقبّعة، يعتلي الركح شخص وحيد لا ليقلد الكاتب، بل ليروي على لسانه نصف قرن عاشه مثقف رأى مدينته وقارته وحياته تتفتت بفعل التعصب الأعمى، ذلك أن المخرج باتريك بينو اختار التركيز على كلمات زفايغ وأداء جيروم كيرشر، الممثل الوحيد الذي يظهر على الخشبة ليسرد على امتداد ساعة أهم ما جاء في “عالم الأمس”، حسب النص الذي استخلصه الكاتب لوران سكسيك مؤلف رواية “آخر أيام زفايغ”.

وقد التقى النص المقتبس بالأداء البسيط في ظاهره البليغ في جوهره ليضفيا على المشهد راهنية مرعبة. ذلك أن صعود القوميات الذي يتحدث عنه زفايغ، وانتصار الشعبوية، ومجيء هتلر الذي وعد الجميع بكل شيء قبل أن يكشف عن وجهه المرعب، وانفجار الحلم الأوروبي وجعل الثقافة في المقام الأدنى، تنطبق تقريبا على عالمنا اليوم.

ننجذب منذ البداية إلى المصير التراجيدي لهذا الكاتب الكبير الذي يسرد في لغة أنيقة صافية انقلاب عالم، من الجمال إلى الفظاعة، ويصف الفردوس المفقود بأسلوبه المميز، حين كان كبار الكتاب والفنانين منشغلين بالآداب والفنون ولم يتنبهوا إلى أن العالم يتغير، وأن فردوسهم لن يلبث أن يتحوّل إلى جحيم، وتندفع آلة الدمار تحطم بلا هوادة الجميع.

والممثل ينجح في نقل تلك الخلجات التي تنتاب كاتبا مرهف الحس مثل ستيفان زفايغ، هذا الكاتب الذي يذكّر في وجه من الوجوه بسليم النية أحد أبطال فولتير، ذلك الذي لا ينفك يبحث عبر ترحاله عن شيء ما، فيظل في تيه دائم. وهو حال زفايغ الذي لم يكن منفيّا بما تحمله كلمة النفي من إحالات، بل كان يبحث بكيفية تكاد تكون طوباوية عن مجتمع فاضل يمكن أن يعيش فيه سعيدا، تحدوه روح إنسانية عالية، تكاد تكون أنانية.

وظل منذ مطلع ثلاثينات القرن الماضي يتنقل عبر المدن كمن يبحث عن شيء ضيّعه ولم يعد يدري كيف يمكن العثور عليه؟ كالباحث عن فردوس الطفولة المفقود، حتى انتهى به البحث إلى الانتحار في منفاه البرازيلي.

Posted in مقال

حوار : ميلان كونديرا و فيليب روث حول ” كتاب الضحك والنسيان “

Image result for ‫كونديرا‬‎

كتابي الأخير “الضحك والنسيان” والذي يدور حول تجربة وجودي في فرنسا، يكشف في مساحة جغرافية خاصة، تلك الأحداث التي تدور في براغ بعيون أوروبية، والتي تدور في فرنسا بعيون براغ. إنها مواجهة العالمين. من ناحية، بلدي الأصلي: في مسيرة نصف قرن مجرد كانت قد جرّبت الديمقراطية، الفاشية، الثورة، مخاوف الستالينية، فضلاً عن تفكك الستالينية، الاحتلال الألماني و الروسي، نفي الجماهير وموت الغرب علي أرضه. إنه الغرق تحت أطنان التاريخ والنظر للعالم بتشكك بالغ. من ناحية أخري، فرنسا: ظلت لقرون مركز العالم، والتي تعاني الآن من نقصان الأحداث التاريخية الكبري، لذا فهي تراقب المواقف الفكرية الراديكالية بشغف. إنها التوقع الغنائي والعُصابي لفعل عظيم ما من تلقاء نفسه، والذي لا يأتي، ولن يأتي أبدا.


روث: كتاب “الضحك والنسيان” لا يتم تعريفه كرواية، ثم تعلن أنت داخل النص: هذا الكتاب رواية في قالب المنوعات. إذن، هل هو رواية أم لا؟


كونديرا: فيما يخص الحكم الجمالي الخاص بي، فهو بالفعل رواية، لكني لا أجد مبرراً أن أفرض هذا الحكم على الآخرين. هناك حرية واسعة كامنة في القالب الروائي ومن الخطأ أن نعتبر شكلاً نمطياً ما هو التعريف الأمثل للرواية.


روث: لكن هناك شيئاً ما بالتأكيد يجعل الرواية رواية ويحد من هذه الحرية؟


كونديرا: الرواية قطعة طويلة من النثر التركيبي مبنية علي أحداث وشخصيات مُخترعة. هذه هي الحدود الوحيدة. أقصد بكلمة “تركيبي” رغبة الروائي في معالجة موضوعه من كافة الجوانب وبأكثر صورة محتملة اكتمالاً. المقال الساخر باستخدام المفارقة، السرد الروائي، تطاير الخيالات -الطاقة التركيبية للرواية قادرة على تجميع كل شيء في وحدة متماسكة مثل الأصوات المختلفة في الموسيقي البوليفونية. ولا تنبع وحدة الكتاب بالضرورة من الحبكة لكن أيضاً من الموضوع والتيمة المطروحة. في كتابي الأخير هناك تيمتان أساسيتان، الضحك والنسيان.


روث: طالما كان الضحك قريباً منك. تثير كتبك الضحك من خلال السخرية أو المفارقة. عندما تشعر شخصياتك بالحزن فإن هذا ينبع من ارتطامها بعالم فقد إحساسه بالسخرية.


كونديرا: تعلمت السخرية أثناء فترة الإرهاب الستاليني. كنت في العشرين وقتها، كان يمكنني أن أتعرف على الشخص الذي ليس ستالينياً، والذي لا ينبغي أن أخاف منه، من خلال الطريقة التي يبتسم بها. كان الإحساس بالسخرية علامة تعريف جديرة بالثقة. من وقتها وأنا خائف من العالم الذي يفقد إحساسه بالسخرية.


روث: في كتابك، يحلق الشاعر بول إيلوار فوق الفردوس وأسواره، وهو يغني. هل هذا الجزء من التاريخ الذي تورده في كتابك حقيقي؟


كونديرا: بعد الحرب، يترك إيلوار السوريالية ويصبح واحداً من أكبر المؤيدين لما أسميه “قصيدة الشمولية”. تغني بالإخوة، السلام، الغد الأفضل، تغني بالرفقاء ضد العزلة، وبالبهجة ضد الكآبة، وبالبراءة ضد السخرية. عندما حكم قادة الفردوس بالإعدام شنقاً على صديقه في براغ، الشاعر السوريالي زافس كالاندرا، كبت إيلوار مشاعر صداقتهما الشخصية من أجل المثل العليا وأعلن موافقته على تنفيذ حكم الإعدام في صديقه. كان رجال المشانق يقتلون بينما الشاعر يغني. وليس الشاعر فحسب. كانت فترة الإرهاب الستاليني فترة أوهام غنائية. وهذا ما ننساه الآن تماماً، بينما هو جوهر الأمر. يحب الناس أن يرددوا، الثورة رائعة؛ إن الإرهاب الذي يصدر عنها هو شرورها فحسب. لكن هذا ليس صحيحاً. الشر كامن في الجميل، الجحيم يحتويه حلم الفردوس، وإذا كنا نريد أن نفهم كينونة الجحيم لا بد أن ندرك كينونة الفردوس الذي نبع منه. أن تدين معسكرات الاعتقال هو أمر شديد السهولة، لكن أن ترفض شعرية الاستبداد التي تؤدي لمعسكرات الاعتقال في الطريق نحو الفردوس، فهذا أمر أصعب من أي شيء آخر. الآن، يرفض الجميع بشكل واضح فكرة معسكرات الاعتقال، بينما لا يزالون مستعدين لأن تقوم شعرية الاستبداد بتنويمهم مغناطيسياً سائرين نحو معسكرات اعتقال جديدة ولحن جديد للغنائية التي عزفها إيلوار وهو يحلق فوق براغ مثل ملاك يحمل قيثارة، بينما الدخان يتصاعد من جسد كالاندرا من المحرقة نحو السماء.


روث: أغلب رواياتك، تحديدا كل الأجزاء الفردية في كتبك الأخيرة، تجد حل عقدة الرواية في مشاهد المضاجعة. حتي ذلك الجزء الذي يدور تحت الاسم البريء “الأم” هو عبارة عن مشهد جنس ثلاثي طويل له برولوج وخاتمة. ما الذي يعنيه لك الجنس الآن كروائي؟


كونديرا: هذه الأيام، حيث لم يعد الجنس تابو كما كان في الماضي. الوصف المجرد للاعترافات الجنسية أصبح مملاً. كما يبدو د. ه. لورنس أو حتى هنري جيمس عتيقين بغنائيتهما الفاحشة. ولا تزال بعض مقاطع جورج باتاي الإيروتيكية تؤثر فيّ بشكل دائم، ربما لأنها فلسفية أكثر منها غنائية. ملاحظتك صحيحة فيما يخص أن كل شيء عندي ينتهي بمشاهد إيروتيكية كبرى. لدي هذا الشعور أن مشاهد الحب تولد ضوءاً حاداً يكشف بشكل فجائي عن كينونة الشخصيات ويلخص موقفها من الحياة. المشهد الإيروتيكي بؤرة تتجمع فيها كل ثيمات القصة وتتحدد فيها أعمق أسرارها.


روث: الجزء الأخير، السابع، لا يتعامل مع شيء فعلياً خلاف الجنس. لماذا اختتمت الكتاب بهذا الجزء بدلا من أي شيء آخر، الجزء السادس مثلاً مع موت البطلة الأكثر درامية؟


كونديرا: تموت تامينا، وهي تتحدث فيما يشبه الاستعارة، بين ضحكات الملائكة. في ختام الكتاب، وعلى الناحية الأخري، تبدو الضحكات من النوع المناقض، نوع الضحك الذي نسمعه عندما يكون كل شيء بلا معني. هناك بالتأكيد خط متخيل للتقسيم حيث تبدو الأشياء من ورائه سخيفة و عديمة الدلالة. يسأل المرء نفسه: ألا يبدو عبثياً أن أستيقظ في الصباح؟ أن أذهب للعمل؟ أن أكافح من أجل أي شيء؟ أن أنتمي لوطن لمجرد أنني ولدت فيه. يعيش المرء على مقربة من هذا الحد المتخيل ويمكن أن يجد نفسه بسهولة في الضفة الأخرى. هذا الحد الذي يوجد طوال الوقت، في كل مساحات الحياة الإنسانية وحتى في الجنس، الجانب الأعمق، والأكثر حيوية فينا جميعاً. ولأنه، تحديداً، الجزء الأعمق من الحياة، فالسؤال الموجه للجنس هو السؤال الأعمق على الإطلاق. لهذا السبب لم يكن من الممكن أن ينتهي كتابي بنهاية غير هذه النهاية.

Posted in مقال،إنطباعات،شعر

بورخيس متناولا الأدب الأنجليزي

 

هناء عليان

 

خل خورخي لويس بورخيس طوال حياته في حوار مفتوح مع العنف، وطالما كانت للسيوف والخناجر والشفرات علاقة مبهمة مع مفهوم الشرف والرجولة بالنسبة إليه. تلقى بورخيس، وفقاً لكاتب سيرته إدوين وليامسون، خنجراً من والده عندما كان صبياً صغيراً. الخنجر لم يكن للذكرى، بل أوصاه والده باستخدامه ضدّ أولاد الحي المتنمرين عليه بسبب ضعف بصره. كان يجب أن يظهر لهم «أنه رجل»، وإلا أصبح منبوذاً.

في عشرينات القرن الماضي، طاف بورخيس الأحياء الغامضة لبوينس آيرس، باحثاً عن رفقة الـ» cuchilleros»، وتعني بالإسبانية المقاتلين بالسكاكين. بنظره، شكل هؤلاء صورة معاصرة عن شعوب الكريول الأصلية التي استوطنت إسبانيا ومن ثم الأرجنتين. كان لديه حافزاً غريباً للتعرف عليهم والاندماج معهم.

ومن شدة تعلقه بالمدينة، قضى بورخيس نحو عقد كامل في محاولة كتابة قصيدة ملحمية من شأنها أن تقدم صورة بانورامية عن «بوينس آيرس التي عرفها والتي لا حدود لها». على غرار علاقة جيمس جويس الأدبية مع دبلن، كان للعاصمة الأرجنتينية حضور طاغٍ في أعمال بورخيس. أراد الكاتب الشاب أن يلقي الضوء على سلالة الكريول في العاصمة، بخناجرها وسكاكينها، وطرقها الخارجة على القانون لتكريس الشرف والرجولة. مع الوقت، تخلى بورخيس عن هذا الهوس، لكنّ تعلقه بالكريول واصل تحريك مخيلته، وتجلى في أبرز الروايات التي كتبها مثل «الجنوب»، «رجل ميت»، «الدخيل».

حاول بورخيس غالباً تمويه الطبيعة الأرجنتينية الحاضرة بقوة في أعماله من خلال طروحاته الميتافيزيقية والمراجع الأدبية المتعددة التي يشير إليها. لكن انغماسه في التاريخ والسياسة والثقافة الأرجنتينية، واعتقاده بأن قدر بلاده متشابك إلى حد كبير مع قدره، استمرا تقريباً حتى نهاية حياته.

كان للسياسة بعد عاطفي لديه. لم تكن عائلته ثرية، لكنه كان من سلالة مرموقة. سميت بعض أبرز الشوارع في بوينس آيرس تيمناً بأجداده، أبرزهم إيزيدورو سواريز، جده الأكبر لوالدته، وهو بطل معركة جونين 1824 التي كان لها دور كبير في حرب أميركا اللاتينية واستقلالها عن إسبانيا. المفارقة أن جدّه خاض المعركة في جبال الأنديز البيروفية، بالسيوف والرماح، فلا عجب أن تكون علاقة بورخيس الحفيد بالسكاكين والخناجر قوية إلى هذا الحد، وجلية في أعماله الشعرية والنثرية.

في إحدى قصائده كتب يقول «أخيراً دوى الانفجار، أخيراً الشفرة القاسية تمزق صدري، الخنجر الحميم يحز على حنجرتي». لم يكن بورخيس يحتفل بالموت العنيف، إنما يعلّق بألم على انقلاب عام 1943 في الأرجنتين المتعاطف مع النازيين. كان بورخيس مناهضاً صريحاً للفاشية في تلك السنوات الحرجة. وخلال الحرب العالمية الثانية، أبدى انحيازه التام إلى الكتّاب الاشتراكيين. في عهد حكومة خوان دومينغو بيرون ونهجها القمعي في أوائل الخمسينات، كانت تحركاته ومحاضراته مراقبة تماماً كونه كان يسخر على الدوام من بيرون. مع ذلك، كانت مواقفه السياسية متضاربة في بعض الأحيان.

من حيث المبدأ، قال بورخيس إنه يفضل الديموقراطية لكنه اشترط ألا تكون «تلك الديمقراطية المشابهة للنمط الأوروبي»، إذ كان قلقاً من أن يؤدي ذلك إلى تغيير الهوية السياسية للأرجنتين لتصبح أكثر تشبهاً بالأميركيين أو الأوروبيين، وهو ما يهدد، برأيه، طبيعة بلاده. اعتقد بشكل مضلل أن ما يلزم الأرجنتين هو حكم ديكتاتوري مستنير من شأنه تدريب المواطنين وتعريفهم على سبل الديموقراطية الحقيقية، ومن ثم الإشراف على انتخابات حرة في مرحلة لاحقة بعد إعداد الشعب لذلك، وبالتالي ترسيخ الديموقراطية.

تأييده العلني لأعمال القمع التي مارسها خورخي رفائيل فيديلا في الأرجنتين وأوغستو بينوشيه في تشيلي في السبعينات ترك وصمة عار دائمة على سمعته. في وقت لاحق، بعد انكشاف الأمور، عاد بورخيس وأبدى ندمه على دعم حكومة فيديلا العسكرية، واصفاً أعضاء المجلس العسكري بـ «أفراد العصابات» و»المجانين» الذين يجب محاكمتهم على جرائمهم.

رغم مواقفه السياسية، حققت كتاباته نجاحاً ساحقاً، ولا تزال دور النشر حتى اليوم مهتمة بإعادة نشرها. وفي هذا الإطار، صدر حديثاً كتاب «البروفيسور بورخيس» (دار نيو دايركشن)، الذي يشمل النص الحرفي لمحاضرات بورخيس الكاملة في الأدب الإنكليزي عندما كان يدرّس في جامعة بوينس آيرس في عام 1966.

في ذلك العام، دعي بورخيس (ولم يكن قد حقق شهرة أدبية عالمية بعد) إلى بوينس آيرس لإعطاء سلسلة من المحاضرات عن تاريخ الأدب الإنكليزي. أعطى البروفيسور بورخيس خمس وعشرين محاضرة في الشعر والأدب بدءاً من الأنغلو ساكسونية وانتهاء بالعصر الفيكتوري. تمّ تسجيل هذه المحاضرات صوتياً ومن ثم تفريغها لكي يتمكن الطلاب الآخرون من الاطلاع عليها. فقدت التسجيلات الأصلية للمحاضرات، لكنّ النسخ الورقية بقيت وتم جمعها في هذا الكتاب.

يبدأ الكتاب مع بيوولف وينتهي مع روبرت لويس ستيفنسون وأوسكار وايلد. وليس من المستغرب أن تكون مناقشة بورخيس للملاحم الأنغلوسكسونية القديمة، الأهم في الكتاب. كان بورخيس قرأ الترجمات الإنكليزية للملاحم، وعندما بلغ التاسعة والخمسين من عمره، قرر التعمق بالأنغلوسكسونية الأدبية، وهذا ما وصفه بأنه «تأمّل نقيّ بفجر اللغة». أبدى إعجابه بـ «مقطع فينسبيرغ»، رغم أنه يتضمن ستين بيتاً فقط، تم العثور عليها من أصل قصيدة طويلة، كتبت في مطلع القرن السابع عشر. وهي تتحدث عن أميرة دنماركية تم تزويجها إلى فين، ملك فيريزيا، بغية تجنب الحرب، لتحدث بعد ذلك مأساة عائلية.

برأيه، قبل القرن التاسع، برع الشعراء في وصف المعارك، والشجاعة، والإخلاص بلغة قاسية. «بيوولف»، على سبيل المثل، «لم تكن مجرد قصيدة بل قدمت لمحة عن الناس الذين عاشوا في تلك الحقبة». ولكن بدءاً من القرن التاسع بدأت القصائد تتخذ شكل المراثي، وهو ما يسميه البروفيسور بورخيس «القصائد الشخصية ذات اللهجة السوداوية» كقصيدة «البحارة»، مشيراً إلى أن من كتب هذه القصائد ليسوا الإنغلو ساكسون بل ربما الناجين من غزواتهم.

Posted in مقال،إنطباعات

الأميركي جاك كيرواك و هوس الكتابة

أنطوان جوكي

لفترة طويلة، نظر قرّاء الأدب في العالم إلى جاك كيرواك (1922 – 1969) ككاتب رواية وحيدة، «على الطريق»، وكشخص جسّد عصراً ذهبياً في بلده، زمن جيل الـ «بيت» وأدبه. ولكن تدريجاً تعدّلت صورته واكتملت، فتبيّن أن هذا العملاق لم يسعَ فقط إلى ابتكار لغة أميركية جديدة في كتبه – الغزيرة – بل كرّس أيضاً وقتاً طويلاً لوضع سيرة ذاتية شاملة لا يعادلها، في طبيعتها وحجمها وغناها، سوى تلك التي أنجزها كلّ من مواطنه توماس وُلف، ونموذجه مارسيل بروست، ومعلّمه لوي فردينان سيلين.

سيرة كيرواك الذاتية سديمٌ يشمل معظم أعماله الأدبية، بما في ذلك رواياته الثلاث عشرة (ما خلا روايته الأخيرة «صورة» التي سرد فيها قصة فتى أسوَد)، أي منذ «البلدة والمدينة» (1950) حتى «غرور دوليوز» (1968). «على الطريق» التي كتبها بين عامَي 1947 و1951 هي العمل الثاني من هذه السيرة، ويمكن حتى اعتبارها العمل الأول نظراً إلى أن «البلدة والمدينة»، على رغم تضمّنها كل المواضيع التي قاربها الشاعر لاحقاً، جاءت قبل ابتكاره أسلوبه المميّز.

لكن مشروع السيرة الذاتية لدى كيرواك لا ينحصر في أعماله الروائية، بل يشمل أيضاً الرسائل الغزيرة التي تبادلها مع صديقيه نيل كاسادي وألان غينسبرغ، وتشكّل مادّة جوهرية لفهم مسيرته وأدب جيل الـ «بيت» عموماً. ويشمل أيضاً المدوّنات اليومية التي ثابر على كتابتها حتى وفاته وصدرت أخيراً الترجمة الفرنسية للجزء الأول منها في مجلد ضخم عن دار «غاليمار» الباريسية، بعد عشر سنوات على صدوره في نيويورك داخل صمتٍ مطبق!

ما نعرفه عن هذه المدوّنات هو أنها تملأ 52 دفتراً وتشكّل مختبراً لعمل كيرواك الأدبي. ونظراً إلى مادتها الهجينة، وبالتالي صعوبة العثور على قالب أدبي لنشرها بالكامل، اختار الناشر الأميركي (دوغلاس برينكلي) لإصدار المجلد المذكور الغرف من الدفاتر الأولى (1947 – 1954) التي يظهر كيرواك فيها كشاب كان لا يزال يحلم بعمله الأدبي ويبحث عن الأسلوب الأكثر ملاءمة لترجمة رؤاه، شابٌ كان يعرف جيداً أيّ موسيقى يريد إسماعها في كتابه الأول، لكنه لم يكن يتحكّم بعد بالـ «آلة» المناسبة لعزفها.

 

هوس الكتابة

وبسرعة، يتبيّن لنا أيضاً أن هذا الشاعر الذي لطالما تخيّلناه كشخصٍ انشغل بعيش حياته أكثر منه بتشييد صرحه الأدبي، كان في الواقع مهووساً بعمله الكتابي ومدركاً لما يريد إنجازه، يعيش الكتابة كحالة تزهّدٍ، ويحصي عدد الكلمات التي كان يكتبها كل يوم، ويشعر بالذنب حين كان يمضي يوماً من دون أن يكتب. وبالتالي، نشاهد في هذا المجلّد عملية ولادة صوته الفريد الذي مدح النقاد حرّيته من دون أن يدركوا بأنه نتج من عملٍ دؤوب ومُضنٍ تخلله تشطيبٌ كثير وعودة متكرّرة إلى الوراء، وتشكّل مدوّنات كيرواك اليومية مرآةً له ونواته الحميمة.

مضمون هذا المجلد، الذي يقع في نحو 600 صفحة، قسّمه الناشر الأميركي إلى جزءين. في الجزء الأول (حزيران- يونيو 1947 – نيسان- أبريل 1950)، نطّلع على حياة كيرواك في نيويورك في شكلٍ يومي، وعلى سيرورة كتابته «البلدة والمدينة» وانطلاقه في كتابة «على الطريق»، ونقرأ ملاحظات شخصية لا تحصى حول مراجع أدبية كثيرة (دوستويفسكي، جويس، كونراد، مارك تواين، سيلين، زولا…)، وتأملات في الوضع الصعب للفنان أو الكاتب في عالمنا، وبالتالي في فائدة العيش داخل هذا العالم أو الانسحاب منه، وذلك ضمن لغة مباشَرة وصريحة لا تخلو من الفظاظة والعنف والشتائم.

وقد نشعر أحياناً بثقلٍ في هذا الجزء نظراً إلى هاجس كيرواك الثابت ربط قدَره بالأسماء الأدبية الكبرى، وإلى هذيانه الصوفي وعذاباته، لكن ما أن نستسلم لإيقاع نصوصه المحموم حتى يتجلى لنا جانباً آخر فيها يجعل منها شهادة يومية على صراعه الحاد مع ذاته والعالم.

 

محاسبة الذات

وفعلاً، حين لم يكن كيرواك جالساً خلف الطاولة للكتابة وإحصاء كلماته، كان يتردد على نوادي الجاز ويمضي لياليه مع أصدقائه في الشرب والنقاش ومحاسبة الذات لقله إنتاجه: «ما زلتُ مريضاً، لكني كتبتُ 500 كلمة، كلمات نهائية، وفي أحد الأيام سأغادر عالم أصدقائي التعيس والكابوسي الذي يجعلني مريضاً أكثر فأكثر. قرفٌ، قرفٌ ثابت حين أراهم، وسعادة حين لا أراهم» (التاسع من آذار – مارس 1948). ومنذ تلك الفترة، كان قارئاً نهماً يضع لنفسه برنامجاً صارماً للقراءة: «أخذتُ كتباً من المكتبة – تولستوي، تواين، زاين غراي ومجلداً يتضمن كتابات في السيرة الذاتية، من سان أوغستان إلى روسو، مروراً بهنري أدامس» (31 آب – أغسطس 1948).

ومن هذه القراءات، يتّضح لنا أن إعجابه كان يذهب إلى الكتّاب الأجانب أكثر منه إلى الكتّاب الأميركيين، وفي مقدّمهم دوستويفسكي: «أعتقد بأن عظمة دوستويفسكي تكمن في اعترافه بالحب البشري. (…) دوستويفسكي، بالنسبة إليّ، سفير المسيح، والإنجيل الحديث» (آذار 1950). أما سيلين فكان يرى فيه معلّماً في كتابة السيرة الذاتية روائياً ومبتكِر لغة: «كنت أقرأ رواية «النصّاب الكبير» لميلفيل حين خسفتها فجأةً وكلياً من ذهني رواية سيلين «موتٌ بالاقتراض». أتذكّر الآن أنني كنتُ في منتصف «النصّاب الكبير». لا أحتاج إلى برهان آخر لمعرفة أن سيلين يظلّل ميلفيل، بكل علوّه. سيلين ليس الفنان والشاعر الذي هو ميلفيل، لكنه يغرقه بالفيض الصافي لحَمِيّته المأسوية» (30 تشرين الثاني – نوفمبر 1948).

في الجزء الثاني من المجلد الذي يحمل عنوان «مطرٌ وأنهار» (1949 – 1954)، نرافق كيرواك في ترحاله داخل أميركا ونتآلف مع التجارب التي اكتنزها ومنحته مادة «على الطريق». وبالتالي، نقرأ هذا الجزء كيوميات سفرٍ، أو كقصيدة طويلة موضوعها الطريق والمناظر الطبيعية وتنوّع أميركا، فنرى فيه مسودّةً أولى للرواية التي منحت كيرواك شهرته، وفضاءً اختبر فيه تلك الكتابة الفريدة بإيقاعها وتنفّسها وترقيمها، وبالتالي دليلاً على أن «على الطريق» لم تحلّ عليه فجأة فكتبها في شكلٍ آلي، بل جاءت نتيجة تحضير وتأمّل كبيرين.

وتحضر في هذا الجزء كل المواضيع الكبرى لرواياته: شبح والده، أميركا، الليل، وخصوصاً الآخر الذي يتجلى في رغبته، على مرّ لقاءاته، في أن يكون مكسيكياً، كوبياً، مومساً أو قديساً، أسوَد مستوهَماً تسيل إيقاعات موسيقى الجاز في عروقه، باختصار، في أن يكون أي شخص إلا جاك كيرواك. وتحضر أيضاً كتابته بكل مميزاتها، أي بصراخها وتكرار كلماتها والتلاعب في إيقاع الأفعال والجُمل الصاعقة. كتابة مارسها بشغفٍ أكيد، وسمحت له بتجنّب الاكتئاب الذي عاني منه («مللٌ/ الحياة لا تكفي»)، وأيضاً برسم توبوغرافيا وطنه الذهنية والمشهدية وبسرد قصة هذا الوطن الحديثة وخرافته.

باختصار، مجلّد في غاية الأهمية يجعلنا نأمل بأن لا يلقى ما تبقّى من مدوّنات كيرواك اليومية مصير يوميات مواطنه مارك تواين التي لا تختلف عنها كثيراً، بطبيعتها الهجينة ومضمونها، والتي لم تصدر إلا بعد نحو قرنٍ من وفاته.

إعداد :

أنطوان جوكي

Posted in مقال،إنطباعات

ألبرتو مانغويل عن المكتبة كسلطة وميثولوجيا ووطن ونسيان

إعداد : ولي راشد

 

ألبرتو مانغويل المقيم بين رتل كتبه الآيلة إلى الإزدياد بإطراد، وألبرتو مانغويل الشغوف والمتمتّع بتبديد نفسه وسط الأكداس الكثيفة، وألبرتو مانغويل جامع العناوين المختلفة منذ نصف قرن. يطلّ الكاتب والمترجم الأرجنتيني – الكندي مانغويل في سماته الجامعة تلك في مؤلف يستعيده غارقا في حبّ المكتبات على مرّ العصور، كأحد صنوف الحب المُكتسبة.

في مقدمة “المكتبة في الليل” الصادر لدى “دار الساقي” منقولا إلى العربية عن الإنكليزية، يقرّ مانغويل بأنه وفي شبابه وبينما حلم أصدقاؤه بالهندسة والحقوق وسواهما حلم هو بأن يصبح موظّفا في مكتبة. وفي حين منعه التراخي والشغف بالسفر من تحقيق ذلك على ما يضيف، ها هو وفي عامه السادس بعد الخمسين – “السن التي يقال عندها بزهوّ ان الحياة الحقيقة ستبدأ”، وفق دوستويفسكي في “الأبله”- يعود أدراجه إلى مثاله الأعلى القديم.
وإذا كان مانغويل جمع في سن السابعة أو الثامنة وفي غرفته “مكتبة اسكندرية” صغيرة حوت ما يقرب مائة عنوان، فهو واصل في سنين رشده تجواله في فلك الكتب، قادماً الى مطارح التجارب الحسيّة حيث يتبدى الملموس في علاقة الكاتب- الكتاب، محوريّاً. يتحدث مانغويل عن قراءات تتغلغل في كل عضلة منه لحدّ انه يحمل الى نومه، حين يقرر إطفاء ضوء المكتبة، أصوات وخلجات الكِتاب الذي يكون أطبقه للتو.
يجعل مانغويل من المكتبة مملكته الخاصة البعيدة عن تلك العمومية والإلكترونية، وفي مسار تلقف بيئة مرصوفة بالعناوين، يعود مانغويل الى “مكتبة الإسكندرية” التي بناها ملوك البطالمة في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد لكي يتاح إتّباع تعاليم أرسطو على نحو أفضل. يتمهّل عند مكتبة كانت مجمعاً للكلّ وكشفت “عن خيال جديد فاق بالطموح والإمكانات كل المكتبات القائمة آنذاك”. مكتبة على حدة نقش فوق رفوفها “انه مكان شفاء الروح”. فأي تعبير أجمل أو أكثر صدقا؟

لا يخفي مانغويل تشكيكه بمنجزات زمننا الفاقد في رأيه للأحلام الملحمية – الأحلام التي استعضنا عنها بالأحلام السلبية بوهمُ الخلود الذي ابتدعته التكنولوجيا. يصف المكتبة الإلكترونية بالوهميّة ولا يبدي رأفة حيالها مُشككاً في عالميتها. يشير إلى الشبكة العنكوبتية المدّعية انها صوت للجميع في حين انها بحر مجهول (يستعير تعبير Mare Incognitum اللاتيني من رسّامي الخرائط في إِشارتهم إلى المناطق غير المعروفة) يَخدعُ المسافرين بإغواء الإكتشاف.

يمرّ مانغويل بالحُجة الزائفة التي تدعو إلى الاستنساخ الالكتروني بسبب الانقراض الحتمي للورق، ويكتب في هذا الصدد “كل من استخدم كمبيوترا يعلم كم هو سهل أن يفقد المرء نصا على الشاشة، أن يصادف قرصا تقليديا أو آخر ليزريّا تالفا. أن يحدث دمار في القرص الصلب هو الجانب الآخر لكل الإغواء”. يعللّ كلامه باقتباس كلام مدير برنامج محفوظات السجلات الاكترونية في ادارة السجلات والأرشيف القومي للولايات المتحدة الأميركية، حول ان ديمومة المواد الالكترونية “مشكلة عالمية لأكبر الحكومات وأكبر الوكالات وصولا إلى الأفراد”. في عرف مانغويل ان مجتمعنا اللاورقيّ كما يعرفُه بيل غيتس، هو مجتمع بلا تاريخ، من حيث أن كل ما على الشبكة العنكوبتية “هو معاصر بصورة لحظيّة”.
في النصّ نحن في محاذاة المكتبة في تصوراتها المختلفة، كميثولوجيا أو مكان أو ظلّ أو شكل، أو المكتبة كمصادفة انطلاقا من كلام امبرتو إيكو الراغب في مكتبة تغدو كمثل أكشاك الكتب المستعملة، مكانا للعثور على اللقى. هناك المكتبة كجزيرة أيضا في الإستناد إلى كلام فرنسوا مورياك بأن “كل طاعن في السنّ هو كروزو”.

في فصل المكتبة كترتيب يورد مانغويل ان كل تنظيم هو اعتباطي في المحصلة وان المكتبات العامة تتّبع أساليب تتراءى غريبة أحيانا، كأن يجري ادراج اسم الكاتب ستاندال تحت حرف “ب” الذي يدل على إسمه الحقيقي بايل، أو أن يجري تصنيف النساء تحت “شؤون علميّة متنوعة”، بعد السحر وقبل المصارعة. ونجد في السياق عينه في مكتبة الكونغرس فئات طريفة من قبيل “أبحاث الموز” و”الأبواط والأحذية” و”المجارير: أعمال متنوعة”.
يستبقي مانغويل أيضا “المكتبة كسلطة” ليجزم انه يستحيل إنكار كل ما يرد في الكتب التي تضفي هيبة موحية بالإلهام المكلّل بالخشية. نمرّ على هذا النحو بالرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان الذي طلب عضوية الأكاديمية الفرنسية ونالها من طريق رواية رومنسية يصفها مانغويل بالهزيلة وجاءت بعنوان “الممر”.

في زمن التحوّلات العربية المُفزعة حيث التحامل على الإرث بات عملة سائدة وسائغة أيضا، نرصد مانغويل يكتب وكأنه يصف حالنا عن أدب الأميركيتين الأصلييين الذي بالكاد وصلنا منه شيء، وعن المكسيك وأميركا الوسطى حيث تم تدمير المكتبات العظيمة ودور التوثيق لشعوب ما قبل كولومبوس بشكل منهجي “بغية تجريد تلك الشعوب من الهوية”.
في “المكتبة في الليل”، صورٌ كثيرة توثّق بصرياً مآل النص على نسق كليشيه لإحدى “المكتبات المحمولة على الحمير” في المناطق القروية الكولومبية، أو بطاقة بريدية تظهر مكتبة كوزيت في ممفيس، او صورة لنهب المكتبة الوطنية والوثائق الحكومية في بغداد فضلا عن أخرى لبورخيس تظهره في مكتبة بوينوس آيرس الوطنية حيث عمل مديرا خلال ثمانية عشر عاما وحيث احتفل بجميع أعياد ميلاده تقريبا.
والحال ان المراهق مانغويل شكل عينيّ الكاتب الأرجنتيني الضرير، خلال أربع سنوات. إنضم مانغويل على ما يروي في كتابه المحتفي بجودة الأدب الحي “في رفقة بورخيس”، الى مجموعة نالت شرف القراءة والتدوين لأحد اكثر قارئي العالم نهماً. تقاسم مانغويل مع آخرين قطعاً من ذاكرة فرغت عيناها من الضوء لتلتمع أدباً.

في منطق ألبرتو مانغول المكتبة هي عالم الفرص وهي الوطن والبقاء والنسيان حتى. يذكُر ان مكتبته حوت على نصف يتذكّره من الكتب ونصف آخر منها نسيه. وحين يسأله الزوار إذا كان طالع كل المحتويات، يأتي جوابه انه بالتأكيد فتح كلّ كِتاب منها. ليزيد انه ليس من الضروري قراءة المكتبة بكلّيتها لكي تكون مفيدة ذلك ان “القارىء ينتفع من التوازن العادل بين المعرفة والجهل وبين التذكّر والنسيان”.
لا يمكن شخصا يعيش في صحبة الكتب أن لا يجد ضالته في نص مانغويل. لا يمكن قارئاّ حَقاً أن يتجنّب التورط في المغامرة وأن يحصّن نفسه ضد الشعور بمتعة الرحلة.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

Posted in مقال،إنطباعات

الناجي من مذبحة الحرب العالمية الثانية

ربيع جابر

هذا كاتب لا نجد اسمه في قوائم مكاتب المراهنات· لا تذكر وكالات الأنباء اسم الكاتب التشيكي إيفان كليما عند ذكر المرشحين لنوبل الآداب· كليما ليس حصاناً· الناجي من مذبحة الحرب العالمية الثانية اكتشف قوّة الأدب وهو يقرأ ديكنز وتولستوي في معسكر اعتقال· هذه الولادة الثانية يسجلها خيالياً في أكثر من رواية· حتى الساعة لم تدخل روايات كليما إلى المكتبة العربية· إذا تذكرته الأكاديمية السويدية ستكون مفاجأة·

صاحب ”حب وقاذورات” و”القاضي يُحاكم” لا يعرف شهرة مواطنه ميلان كونديرا في الغرب· لكنه مثله شاهد على أزمنة صعبة وعلى أنظمة قاسية تخنق الإنسان· لعل أدبه أبلغ أثراً في النفس· وصفه لعلاقات الحب لا يشبه أحداً· حواره الدائم مع أدب كافكا دليل آخر على كلاسيكيته· النزعة الإنسانية العميقة تحكم رؤيته إلى العالم· في ”حب وقاذورات” يمنحنا رواية غير عادية· كان يكتب لئلا يموت وهو قاعد وحيداً وكان ممنوعاً من النشر وبينما يكتب في براغ اكتشف مرة أخرى ما عرفه تولستوي وهو يكتب: قوّة الأدب لا نهائية· وسرّها في روح الإنسان التي تقاوم· الإنسان ضعيف وهشّ لكنه يريد أن يبقى· كيف ظلّ بريمو ليفي حيّاً؟ كيف لم يقتله الجوع والذلّ وتوحش جلاده؟ العالم مملوء أماكن جميلة وأماكن قاتلة· الجنّة تجاور جهنم وأحياناً نحيا في المكانين معاً بانقلاب الدقائق أو الأمزجة· ماذا يصنع كاتب مُنع من الكتابة وعُزل في بيته؟ هل يواصل الكتابة سرّاً؟ أي أهمية لهذه المأساة الصغيرة بين مآسٍ أخرى كثيرة؟ ما قيمة هذه الحياة الواحدة المفردة في بلد مضروب بالاستبداد؟
هناك توازٍ بين سيرة إيفان كليما وسيرة غاو كسينغيان· ”حب وقاذورات” (1986) ليست ”جبل الروح” (1990)، لكن هناك مقاطع في الكتابين تتشابه أسلوبياً على نحو غريب· كأن نبرة واحدة تروي ما يُروى في المقاطع المذكورة· كيف حدث هذا؟ صعب الحديث عن أثر لأحد الكاتبين في الآخر· يجوز التفكير في احتمال أبسط (أبسط؟) وأقرب إلى المنطق: أنتجت ظروف تاريخية محددة في مكانين متباعدين على الأطلس صوتين يتشابهان في لحظات محددة· كأن نظرة واحدة تغلف الأشياء في تلك الساعة· كليما (في براغ) وكسينغيان (في بكين ثم هارباً إلى باريس) يتشابهان ولا يتشابهان· هل قرأ كسينغيان ”حب وقاذورات”’ بينما يكتب ”جبل الروح”؟ هذا السؤال غير مهمّ وغير ضروري· لا قيمة له· يشبه أن نسأل أغوتا كريستوفف (لكنها ماتت) هل قرأت ”نهاية العالم وبلاد العجائب”، أو أن نسأل هاروكي موراكامي هل قرأ ”الدفتر” أو ”الدليل” أو ”الكذبة الثالثة”؟ يتحوّل كليما إلى كانس طرقات لئلا يبقى محجوزاً في البيت ومحاصراً بصمت كامل يهدد سلامته النفسية· مثل تشايكوفسكي تغلب على أحزانه بقوة إرادته وحسب· يحوي العالم زوايا مرعبة· أبناء العالم الثالث لا تعطى لهم فرصة لنسيان ذلك· أوروبا الشرقية كانت (على نحو ما) عالماً ثالثاً·· أين هي الآن؟ في هذا الجانب من الكوكب دول كثيرة ورثت أوروبا الشرقية· رمزياً· مع اختلاف التجربة·· الأمكنة المقفلة· المساحة المعزولة· السور المسحور الذي يلف الدولة· آلة الدعاية الرسمية التي تكذبب بلا توقف وتصنع للمواطن عالمه الفظيع الخانق: ”أنت في أفضل مكان في العالم (تقريباً، وأخلاقياً على الأقل)، ولا تصدق أي شيء آخر غير هذا”· الفقر والأمية والتخلف· احتقار من هم تحتك· هل يمكن تبسيط الحياة إلى هذه الدرجة؟ هل تتحوّل دول كاملة إلى معتقلات؟ هذا غير ممكن· وأقرب إلى الخيال العلمي· لعله استعارة· العمل يحرر؟ الثورات تفضي إلى حياة أفضل؟ هل الأسوأ خلفنا أم أمامنا؟ لا يريد الإنسان أن يقضي تحت الدعس· ليس بهيمة· يطلب حياة أفضل· كرامته ولقمة العيش وما هو أحسن لأولاده· أحياناً يمكن أن يهدر دمه في سبيل عالم خيالي ينتظره (أو لا ينتظره) في المستقبل· يهدر أثمن ما يملك: حياته· وجوده في هذا العالم· هل يهم موته أحداً في تلك البلاد البعيدة؟ بلاد تشبه الخيال· وبلاد حقيقية· جثث تملأ شوارع· برادات تتبقع بالدم· في هذه الأثناء يتسلى العالم بأخبار القتلى· الأرقام والبيانات· جحيم دانتي· ماذا يفعل إنسان أمام وحش يسحقه وهو يبتسم؟ ماذا يكون هذا الجهاز الجهنمي الذي يقبل القتل (التدمير) كأنه شربة ماء؟ لا يحلل كليما آلة القتل ولا يشرّح هيكل السلطة وعمى السلطة وجنون السلطة· يبدأ من قصص شخصية· من ناس عرضة للتحطم· عرضة للعقاب· وجريمتهم عدم القبول بما كتبت الدولة لهم· ناس عرضة للنفي خارج الوجود· للرمي في الأقبية أو خارج الحياة· لم تعد أوروبا الشرقية مسألة الآن· جدار برلين إشارة إلى عالم قديم· خيالي· هل فقدت روايات كليما قيمتها؟ زال العالمم حيث كُتبت· خسرت قيمتها؟ الأدب الحقيقي يستمد طاقته من الأعماق· مرور الزمن لا يسرق جوهره· ولاا اندثار البلدان· براغ ما زالت براغ· حتى إذا زالت تبقى محفوظة في كتاب· أين نحيا الآن؟ داخل أي جدار؟ يحوي العالم زوايا مرعبة· في زاوية مظلمة في براغ جلس كليما على مرّ سنوات وكتب من أجل أن يبقى (من أجل أن يتأكد أنه موجود) رواياته· ماذا يعني أن يكون أحدنا موجوداً؟

هي رواية عن النصف الثاني من القرن العشرين في براغ. نصف قرن من السنين، في حوادثها الكبرى ونظام العيش والقيم والتربية الاخلاقية والعاطفية والعائلية، تحضر حضوراً روائياً في حياة الشخصيات وعلاقاتها وتكوينها ومصائرها الدرامية، عبر مونولوغات داخلية تطلقها الشخصيات الثلاث الأساسية في صيغة المتكلم المفرد، كأنها في محاكمة شخصية منفردة، شاقة وقاسية لنفسها وافعالها وسيرتها، وللعالم والوجود.

ثلاث شخصيات اساسية تحاول كل منها، فيما هي تروي حوادث حياتها وعلاقاتها الراهنة، الجواب عن سؤال وجودي دائم: لماذا انا هكذا؟ لماذا اعيش حياتي على هذا النحو؟ ما الذي ادى الى ان اعيشها على هذه الصورة؟ هل أستمر في عيشها هكذا، ولماذا؟ مادة الجواب هي الوقائع اليومية الحية، السير الشخصية والعائلية، مرويّة على نحو متقطع في مونولوغات متشعبة كمتاهة. لكن ليس هدف الروائي من هذا كله الوصول الى اجوبة، بل على العكس تماما: عدم الوصول، واستغراق الشخصيات في اكتشاف ذواتها وسبر اغوارها الخفية أو المظلمة، واستنطاق العوامل التكوينية التي تصدر عنها افعالها ومشاعرها وعواطفها وقيمها الاخلاقية، اي كينونتها الشخصية ومصيرها. في هذا المعنى ليست “لا قديسون ولا ملائكة” رواية حوادث خارجية، بل هي رواية حوادث مسرحها الزمن الوجودي والوقائع في حياة الأشخاص وعلاقاتهم. اي التاريخ الشخصي، بل الميكرو تاريخ في حياتهم الشخصية. فكل منهم ينكبُّ انكباباً مضنياً على التأريخ النفسي، وشبه الفلسفي لحياته الشخصية وكينونته. مادة هذا التأريخ الحياة العائلية وحوادثها ومنعطفاتها، الزمن الاجتماعي العام وحوادثه الكبرى: النازية، الستالينية، الشيوعية، ومآسيها المروّعة المطمورة في حيوات الافراد وعائلاتهم وعلاقاتهم.
هذا ما يحمل القارئ على التأني في قراءته الرواية، لأنها ليست من الروايات القابلة لقراءة تقوم على تتبع الحوادث وتسلسلها وتوالدها على نحو خيطي. انها رواية داخلية، كلما تقدمت فيها تباطأت في القراءة، متمنياً أن تطول، فلا تبلغ نهايتها. لذا تجد نفسك راغبا في اعادة القراءة والتمهل والتمعن في ما تقرأ، بل التوقف المفاجئ عن القراءة، لتسرح ساهماً متأملاً مفكراً، كما في أحلام يقظةٍ ذهنية، مستعيداً لحظات ومواقف وحوادث من حياتك الشخصية، ومن حياة اشخاص تعرفهم، مفكراً في مصائرهم ومصائر المجتمعات التي صدروا عنها.
تحضر الأزمنة الاجتماعية التاريخية في الرواية (النازية والستالينية)، بوصفها عوامل تكوينية في الشخصيات الروائية وعلاقاتها وسيرها ومصائرها الشخصية. وهي غالبا ما تحيل على أزمنة اجتماعية تاريخية عربية ولبنانية ماضية وحاضرة. كأن تفكر وتحدس مثلاً، في أثر الحروب في لبنان، في مصائر اجيال واشخاص عاشوها، وفي مصائر اجيال اخرى واشخاص آخرين ورثوا آثارها عن اهلهم. او ان تفكر تفكيراً حدسياً في آثار الحرب السورية الراهنة في تكوين أجيال سورية بعد عقد أو عقدين من السنين.
ليست الإحالات والمحاكاة الخارجية او البرانية للاجتماع والتاريخ ما يشكل الحقيقة الروائية وعصب الفن الروائي في عمل كليما الروائي الذي لا يكفّ القص فيه عن ارغامنا على تعليق القراءة، كي نستغرق في تأمل ذهني حدسي بالمصير الانساني، بمصائرنا الشخصية، بمآسي مجتمعاتنا وتواريخها، بما تركته المآسي التاريخية في التكوين والمصائر الفردية والجماعية من آثار لا تمحى، او يصعب محوها في اعمارنا وفي اعمار اجيال قادمة. في هذا المعنى يروي كليما الميكرو تاريخ، كما يتجلى في حياة الافراد، لتكون روايته هذه سجلاً لتأريخ حيّ طويل الأمد للاجتماع في بلده، أو سجلاً لتاريخ الحقب الطويلة المترسب في حيوات الأفراد وعلائقهم ومصائرهم الوجودية، على غرار ما ارّخ كبير المؤرخين الفرنسيين الراحل فرنان بروديل، للبنى العميقة شبه الثابتة او الساكنة للحضارات والمجتمعات في اعماله الرائدة.

الوقائع وسؤالها الفلسفي
كريستيانا، الشخصية الرئيسية أو المحورية، تفتح الرواية على النحو الآتي: “قتلتُ زوجي الليلة الماضية. استخدمتُ مثقبَ أسنان لثقب جمجمته. انتظرتُ لأرى حمامة تخرج من رأسه، لكن خرج بدلاً منها غراب أسود كبير. استيقظتُ مرهقة، أو على نحو أكثر دقة بلا شهية للحياة. (…) هل شعرت للحظة بشهية مفعمة للحياة؟ لا أظن، (…) تعيش طويلاً جداً كأنك تتوقع شيئاً ما. اليوم السبت، لديّ متسع من الوقت لكي احلم واحزن. ازحف خارج سريري المفرد. (…) وضعتُ نباتاً مطاطاً مكان نصف الفراش الآخر. لا يسعك عناق نبات مطاط، ولا يسعه ملاطفتك. لكنه لن يصاحب احداً غيرك”.
عن كارل الذي تصرّ طوال الرواية على تسميته “زوجي الاول والسابق والأخير”، تقول: “لا أكرهه، بل ارثي له. فهو أكثر وحدة مني، وبداخل جسده مرض مميت يقرضه (في مصح لمرضى السرطان). لكن أليس في دواخلنا جميعاً شيء ما يقرضنا. (…) كنت دائما أتساءل لماذا أحيا؟ لم يعطني والداي إجابة واضحة أبداً. خمّنت أنهما أيضاً لا يعرفان. لكن من الذي يعرف؟ ما إن تولد، عليك أن تعيش. لا، هذا ليس حقيقياً. في امكانك الانتحار في أي وقت، مثل جدي انطونين، أو عمتي فيندا، أو فرجينيا وولف (…). كنت لأود الانتحار لولا كرهي للجثث (…) لماذا يجب على من يحبونني أن يتعاملوا مع جثتي؟ سيضطرون لذلك يوماً على أية حال”.
هذه الأسطر من مطلع الرواية، ليست سوى عينة نموذجية تتكرر في رواية الحوادث المتناسلة على النحو نفسه، كلما تقدمنا في قراءة الفصول والصفحات. وهي تبيّن كيف يبني كليما جملته الروائية على نحو أخاذ: الواقعة واستنطاقها والتأمل فيها، ووصلها مباشرة بالزمن الوجودي والكينوني للشخصية، وصلاً محكماً ودقيقاً، حسيّاً وبسيطاً في ظاهره، لكنه شديد التركيب في حقيقته، وفي تنقيبه المستمر في الوعي واللاوعي عن ركائز التربية الأخلاقية والعاطفية للراوي بضمير المتكلم المفرد. من كل حادثة تُروى يولد سؤال فلسفي مداره حياة الكائن البشري. وهو سؤال مرتد، يولد عضوياً من الوقائع الحية المعيشة، من دون إقحام خارجي. كأننا إزاء فلسفة حسيّة للوجود الشخصي أو الفردي: لماذا أتألم، لماذا تألمت، ولماذا يتألم البشر؟
حين تستنتج كريستيانا، في خضم تمرد ابنتها المراهقة المشاكسة عليها، أن الإبنة، جانا، “تريد أن تعيش حياتها بطريقتها” أو على هواها، سرعان ما تتساءل: “ماذا يعني أن تعيش بطريقتك في عالم يغصُّ بمليارات من البشر؟”، ومليارات من طرائق العيش. تقرر مرة ان البشر يؤذون، لأنهم “يرغبون في تركِ شيء ما خلفهم”. لهذا “يمكننا أن نقتل أيضاَ (…) أو على الأقل هذا ما يفعله الرجال في جميع أنحاء العالم (…) بابا (مثلا) ظن أنه يزرع جنَّة عدن جديدة (الاشتراكية الشيوعية)، مع ذلك نسي أن الحب هو التربة التي تنمو فيها الحياة. لكن البستاني الرئيس (ستالين وحزبه) أوصى بالكراهية، لذلك ساهم أبي في تمهيد ساحة إعدام بدلاً من زرع جنينة”. في المقبرة بعد دفن والدها، تقرر: “على كل منا أن يتكيَّف مع قدره (…) وفي هذا قدرٌ من العدل، وليس لنا أن نتدخل فيه”.

اللامبالاة هي الحل
تبلغ الرواية ذروتها في محاكمة الماضي، حين يتسلم الشاب جان دور الراوي. فهو يعمل في مؤسسة أبحاث تعنى بتسجيل جرائم النظام الشيوعي وتوثيقها. النظام نفسه “دمّر شباب” والده، إذ سجنه 9 سنوات. يذهب جان لاستجواب رجل في الثمانين يقيم في دار للعجزة، وعمل في نهاية اربعينات القرن العشرين، محققاً في جهاز امن الدولة الستاليني. في أثناء الاستجواب لا ينكر العجوز أنه عمل محققاً. يسأله جان عن أسماء الذين حقق معهم، فيجيب: “أتظن أنك بعد مرور 50 عاماً من الآن، ستتذكر ما تفعله الآن معي؟ أنك مثلا جئت لترى رجلا عجوزاً في دار قديمة للمسنين” لتحقق معه وتسأله عن أسماء أشخاص حقق معهم قبل 50 سنة؟! يتلو عليه جان أسماء من أدينوا بسبب تهم لفّقها العجوز حين كان شاباً، لكن العجوز يجيب: “هؤلاء”، لا أتذكر حتى أسماءهم، ثم يتابع: “من المؤسف أنني لن أكون هنا بعد مرور 50 عاما لأرى إن كنتَ ستتذكر اسمي بعد كل هذا الوقت؟”.
بعد مدة يذهب جان في رحلة إلى مخيم جبلي مع أصدقائه. هناك “مع مرور كل دقيقة – يقول – أشعر انني أبتعد شيئاً فشيئاً عن الحياة التي كنت أعيشها. (…) ذهني صفا، وصار بامكاني أن أرى الخطوط العريضة لكل ما مضى من حياتي (…): عملي (في توثيق الجرائم الماضية) يسمِّم نفسيَّتي. يجبرني على الاهتمام بالتعاملات الخسيسة للماضي. (…) ينتابني شعور بأنه – مثلما في سدوم – لن يوجد في المدينة عشرة رجال عادلين”. أخيراً يقرر: “الحقيقة ان الطريقة الوحيدة للبقاء هي اللامبالاة بالأشياء التي نكرهها والتي تزعجنا في البشر والعالم”. هكذا وصل جان إلى النتيجة نفسها التي وصلت إليها كريستيانا في المقبرة بعد دفن والدها. هنا يلتقي كليما مع مواطنه القديم الروائي ميلان كونديرا الذي “أنكر” تشيكيته أو تخلّى عنها، تخليه عن الكتابة بلغته الأم، وتبنى الجنسية الفرنسية والكتابة بالفرنسية، بعدما كان كتب إحدى أجمل رواياته بالتشيكية، “كتاب الضحك والنسيان”. هذان الضحك والنسيان رأى أنهما الدواء الشافي من الماضي ومآسيه. كأن الروائيين يعلنان بعبثية: ما لنا والماضي ومآسيه، ما دمنا لا نقوى على تغيير واقعة واحدة من وقائعه ووقائعها.
ملاحظة أخيرة: على رغم الأخطاء اللغوية والنحوية، يبدو أن إيمان حرز الله بذلت جهداً استثنائياً في ترجمة الرواية، في زمن ندرة الترجمات الجيدة.

Posted in مقال،إنطباعات

هل تعرف الأدب العَبَثي؟ رواية “مالون يموت” تشرح لك!

هل تعرف الأدب العَبَثي؟ رواية "مالون يموت" تشرح لك! 4

 

يبدأ الكاتب القصة بهذه العبارات: “سيدركني الموت قريباً بصرف النظر عن أي شيء”، لترى نفسك أمام شخصية غريبة عليك وعلى نفسها، تحاول أن تقص القصص منتظرة الموت.. قصصاً ليست جميلة أو قبيحة ولا يوجد فيها أي انفعال، قصص بلا حياة مثل راويها.

هنا أنت تقرأ للكاتب الأيرلندي صاحب الضحكة العدمية صموئيل بيكيت الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1969، الكاتب العبثي الذي رمى كل أنواع السرد المتعارف عليها ليكتب بأسلوبه الخاص ويسمعنا الأصوات الداخلية في أعماق الإنسان.

يعتبر بيكيت من أكثر الكتاب تأثيراً في القرن العشرين، وكان مصدر إلهام للكثير من الكتاب، اشتهر بعمله المسرحي الذي صنع ضجة كبيرة “في انتظار غودو”، وهو عمل يتحدث عن رجلين مشردين ينتظران شخصاً ما أو شيئاً اسمه غودو. ما يميز هذه المسرحية أن لغة بيكيت كانت بسيطة والحوارات عميقة، لن نتحدث عن هذه المسرحية لكنها لا تزال حتى الآن واحدة من الرموز الأكثر سحراً وجمالاً، ومن المحتمل أن هذا العمل جذب العديد من القراء لروايات صموئيل بيكيت، بالإضافة إلى عدد لا بأس به أصابته خيبة أمل كبيرة بسبب تدميره للشكل الأدبي المعتاد.

malone dies

“مالون يموت” هي رواية بيكيت الثانية، وإذا كانت هذه المرة الأولى التي تقرأ فيها لبيكيت ربما سوف تشعر بالملل كثيراً وترمي هذا الكتاب بعيداً عنك، أو ربما تستمتع بقصصه غير المترابطة مع بعضها والتي لا تحتوي أي أحداث مهمة، لذا حاول أن تبدأ بعمله المسرحي انتظار غودو.

في هذه الرواية لا تنتظر من الكاتب أن تصل في النهاية إلى شيء ولا تتوقع منه شيئاً أيضاً، هذا هو الأدب العبثي وهو أدب صعب، لذا لا تحاول أن تجهد عقلك لفهم ماذا يحدث بل استمتع بالكلمات التي يقولها وتخيل نفسك تجلس أمام تلك الشخصية لتحاول سماع القصص وتفهم ماذا يحدث على أرض الواقع، حاول أن تكون هذا الإنسان الذي وجد نفسه في غرفة لا يعرف كيف أو متى أو ربما لا يتذكر أي شيء.

هذا الشخص الذي يحاول أن يسرد لنا عن نفسه وعن ماضيه ويحاول أن يقص بعض القصص من أجل أن يسلي نفسه وهو ينتظر الموت، يحكي ثلاث قصص؛ قصة عن رجل وقصة عن امرأة وقصة عن شيء ما ربما يكون هذا الشيء حجر، وهي قصص عادية جداً، قصص لا تشعرك بشيء لكن كلماتها قوية ورصينة، وربما ستشعر بالممل لأنه كما ذكرنا أن قصصه لن تعطينا أي انطباع أو أي نوع من أنواع الانفعال.

مالون يموت

عندما تستمع لمالون وهو الشخص الذي يحكي القصص منتظراً الموت تصل إلى مرحلة تجد فيها أن القصة التي يرويها لا مغزى لها، يضعك أمام متاهة غريبة يتحدث قليلاً عن نفسه، لينتقل إلى قصة سامبو الذي لا يعرف من أين أتى هذا الشخص، ومن ثم يترك هذه القصة وينتقل إلى القصة الثانية التي قرر أن يقصها لنا أو ربما يريد أن يقص لنا القصة الثالثة التي تتحدث عن الحجر، جميع القصص التي يرويها يختلقها من عقله ويشعرك أن تلك القصص لا معنى لها حتى هو نفسه لا معنى له.

يجب على القارئ أن يعرف قبل أن يبدأ أنه يقرأ أدب العبث، حيث يخرج فيها هنا بيكيت عن المألوف في الكتابة، فلن تجد الحبكة ولن تجد السرد الروائي المعتاد، بل ينتقل بك من قصة إلى أخرى ومن ثم يتحدث عن نفسه ليعود إلى قصة أخرى. سوف ترى ثلاث شخصيات لا تعرف إن كانوا نفس الشخص أم هم شخصيات مختلفة، ومن ثم سوف تتفاجأ في نهاية القصة لأنك لم تفهم ما هي النهاية أو تحاول أن تقنع نفسك أنك فهمت النهاية.

الخلاصة أنك هنا أمام كابوس حقيقي! أنت أمام رجل يختلق القصص والحكاية لكيلا يشعر بالملل وهو في انتظار الموت. وأثناء رواية القصص الأسماء تتغير، الأرقام تطمس، ربما يتكلم عن نفس الشخص أو أنهم أشخاص مختلفين، أو هو يتحدث عن نفسه. وفي النهاية يصبح في قصصه أكثر عنفاً، مزدحماً، يشعر بالهلوسة، فتخيل معي عن ماذا سيحدثك هذا الشخص وحاول أن تستمع إلى قصص مالون التي لا تملك أي حياة.

1964, New York, New York, USA --- Samuel Beckett on the set of his movie, , looking at a fish through a magnifying glass. --- Image by © Steve Schapiro/Corbis

اقتباسات

# لقد ولدت جاداً كما يولد البعض مصاباً بالسفلس، وبجدية كافحت لأن أكون جاداً أكثر. أن أعيش وأبدع. أعرف ما أعنيه، ولكن عند كل محاولة جديدة أفقد عقلي، أهرب إلى ظلالي كما يهرب المرء إلى معبد، أو إلى معمله حيث لا يستطيع أن يعيش ويقاسي رؤية الآخرين يعيشون.

# أرى الحياة دون أن أعرف ما هي. حاولت أن أعيش دون أن أعرف ما أفعله أو أحاول أن أفعله. وعشت على الرغم من ذلك، دون أن أعرف.

أنا مدفون في العالم، أعرف أنني سأجد مكاني يوماً ما هناك، فالعالم القديم يعزلني منتصراً، أنا سعيد بذلك، عرفت أنني سأكون سعيداً يوماً ما. لكني لست حكيماً، فالحكمة تتطلب أن أنطلق الآن. في هذه اللحظة من السعادة، لكن ما الذي أفعله بدل ذلك؟ أعود ثانية إلى الضوء والحقول، وأتشوق إلي الحب وإلى سماء تموج بسحب صغيرة بيضاء خفيفة كشرائح الثلج، إلى حياة لم أستطع أن أعيشها، بسبب أخطائي طبعاً، وكبريائي وتفاهتي. لا أعتقد ذلك. الوحوش في المرعى، والشمس تدفئ الصخور وتلمعها، أترك سعادتي وأعود إلى جنس البشر الذين يجيئون ويروحون بأوزارهم.

أستطيع أن أميز بين الأصوات الخارجية. أوراق الشجر، تأوه الجذوع، الأغصان، حتى الأعشاب، كل شجرة لها صيحتها الخاصة، ولا تتشابه شجرتان همسهما.

الكلمات والصور تعربد مسرعة في رأسي وتندمج فتختلط مع أنفاسي، وحين أخرج أنفاسي تملأ الغرفة بضجيجها، مع أن صدري لا يتحرك إلا كطفل نائم.

Posted in مقال،إنطباعات

وودي ألن والحياة

مقابلة مع وودي الن

SACVEIT

– السيد “ألن “، هل تؤمن بأن السّعادة في الحَياة مُمِكنة؟
– هذِه نظرتِي، وكانت دَائَماً نظرتِي للحَيَاة، نَظَرة مُحبَطَة جِدًا. لقد كانَت دائِمًا هَكذا مُنذ أنّْ كُنت صَغِير؛ ولم تَتَغير للأسوأ بِسَبَب تقدم العُمر أو أي شيء اخَرَ. اشعرُ بأنهَا مُحبطة، قَاسِيـة، كابوسية، تَجَربة لا مَعَنى لَهَا. والطريقة الوَحِيدة لتكون سَعِيد هِي أن تكذب وتخدع نفسك!
– أعتقد أنه من المُمكن القول، أن أغلبَ النّاس لنْ تُخَالِف الرأي؟
.
-لكنْ أنا لستُ أول شَخَص يَقول هَذا حَتّى الأشخاص الأكثر فَطَانة. لقد قَالَهَا نِيتشيه، وقالها فرُويد. وقالها يُوجِين أونيٌل. الشَّخَص يَجب أنّْ يَخَدع نَفَسه ليَعِيش. إذا نَظرتّ للحّياة بِصدق ووضوح، سَوَف لن تُطِيقها، إنها مُغَامَرة مُحَبطة للغاية، وسوف تَعَترف بِذلك فِي النِهَاية.
– من الصّعب تَخيّـل “وودي ألن “ يَعِيشُ حَيَاة صَعَبة …
– لقد كنتُ مَحَظُوظ جِدًا، جَعَلتُ من مَوهِبتي حَيَاة انتاجِية مُثمرة، ولكنِ لستُ جَيدَ فِي أيّ شيء أخر، لستُ جَيَد في تَخَطِي الحَيَاة، حتى ابَسَط الأمور. هُناك أشياء تبدو كلعب العِيال للناس ويَصَعبُ عَليَ القِيام بها
– هل تَسَتطِيع إعطائي مِثال؟
– مثل تفّقد حَجّز طائِرة او فُندق، عَلَاقاتِي مَع الناس الأخُرى، الذهّاب للمشِي، تَبَديل الاشياء في متجر…إنني اعمل على نَفَس الألة الكاتبة مُند أنّ كنتُ في السَادِسة عَشر مِن عُمري-ولا تزال تبدو جديدة. كل أفلامي كتبتُها على تِلك الألة، لكنِ حَتىّ الآنّ لا أزال عَاجز عن تغيير شريط الألوان بنفسي، احيانًا. يأتي وقت حِين أدعو الناس للعشاء فقّط حتى يُستبدلوا شريط الالوان، هذا مأسّاوي!
– ألا تثق بوجود أشياء جَيَدة فِي الحياة؟
– الحَيَاة مَليئة باللحظات الجَيَدة، الفوز في اليَانَصِيب، رؤية امرأة جَمِيـلة، عَشاء رائع-ولكن الأمَر كله مَأساوي. أنِها واحَــة غَنِية، خُذ على سَبِيل المِثال فيلم برغمان، (الخاتم السابع). هذا الفيلم مأساوي جدًا، ولكن هُناك لحظة عِندما يَجَلسُ البَطل مَع الأطفال ويشربُ الحَلِيب ويأكل الفراولة البِرية. ولكن تِلك اللحظة تَخَتفِي بِسرعة ويَعُود للوجود كما كان عليه.
– هل انت مُتشائم بِنفس هذا القدر مَعَ ” الحُب “؟
– هذا الامر يَعَتمدُ عَلى الحَظ أكثر مِمَا تتخيل، الناسّ يقولون لو أردَتَ الحُصّول عَلىَ عَلاقة جَيدة، عَليك العَمَل عَلى هَذا. ولكنك لا تَسَمع هذا الكلام على شيء اخر تُحبه، مِثل الإبِحَار أو كرة القدم، لن تقول: عَليّ العَمَل عَلىّ هَذا. فقط تحبُ ذلك الشيء. لا تَسَّتطيع العَمَل على علاقة؛ لمْ تُسيطر عليها. يَجَبُ عليك أن تكون مَحَظوظ وأن تَعِيش حَيَاتك. وإذا لم تكنّ مَحظوظ عَليك الاستعداد لمراحل مِن التعذيب. لهذا كل العلاقات تبدو صّعبة وفِيها مراحل مِن الألم. النَّاس تبقى مَعًا مِن أجَلَ الحِفَاظ على الوجّود، لا يَملِكون الطَاقة الكافِية. لأنهم يَخَافُون من البَقَاء وحِيدين، أو مِن إنِجاب الصِغار.
– هل يستطيع الرجل أن يُحب امرأتان فِي نَفَس الوقت؟
– أكثر مِن اثنين (ضحكات) اعتقدُ انَه يَستطِيع! لهَذَا فالرومانسية صَعبة ومُؤلِمة جِداً، ومُعقدة أيضًا. يُمكن أن تكون مَعَ زوجتِك، زَوَاجَ سَعَيد جدًا، تم تَلتقِي بامرأة اخرى وتُحبها، ولكِنَك تُحب زوجتك، أيضًا… وتُحب الأخرى في ذات الوقت… أو مِن المُمكن أن تلتقِي الامرأة الأخرى التي أحببتها برجل أخر فتُحبه وتُحبك أنت أيضًا. وبَعَد ذلِك تلتقي بشخص اخر، ويُصبح هُناك ثلاثة اشخاص في حَيَاتِك. (ضحكات) لِمَاذا إذًا نُحِب شَخَصًا واحدًا؟
– الأمور تبدو شائِكة بالإنصاتَ إلى نَصائِحك.
– من المُهم أن تُسيطر على نَفَسك لانّ الحَيَاة تُصّبحُ أكثر تَعَقِيداً إذًا لمْ تَفَعل، لكن الدوافع غالبًا مَا تكونُ عِند الناس. البَعَض يَقول انّ المُجتمع يَجَب أن يكون أكثر انفتاحاً. وهذا لا يَعَمل أيضًا. انه مَوقِف خَسَّاران فِي الحَالتِين، إذا اتبعتّ المَرأة الأخُرى أنه مَوقف خَاسَر ايضًا وهَذا ليس جَيَد لعلاقتك ولا حتى لزواجك. حتى لو كان زواجك مُنفتِح ومَسَمُوح لك بهذا، هذا ليس جَيَد ايضًا. لا توجد طريقة، فِي النهاية حقًا، لن تكون سعيدًا إلا إذا كُنت مَحَظوظ!
– هل سَبَق لكّ ان بَكِيت؟
– ابكِي فِي السينما دائمًا. تقريبًا هو المَكان الوَحِيد الذي أبكِي فيه باستمرار، لأني اعُانِي من مشكلة في البُكاء. أثَنَاء عَمَلي فِي “ هانا وأخواتها Hannah and her sisters ” كان هُناك مَشَهد حيث كان يفترض أن أبكِي، وقد جربوا كل شيء، ولكنه كان مستحيل. رشوا أشياءً عليّ عيناي ولكنِ لم أبكِى، لكن في السينما أذرف الدموع. مِثل السحــر، شهدتُ نِهاية “ سارق الدرجات ” او “ اضواء المدينة ”. انه المكان الوحِيد، ليس حتى في المَسَارح وتقريبًا ليس حَتى فِي الحياة!
– كُنت تمثل في اغلب أفلامك، ولكن في السنوات الأخيرة أصبحتّ لا تظهر إلا نادرًا، لِماذا؟
– فقط لأنه لا يُوجد جُزء جيَّد، لِسّنَواتَ لعبتُ دَوَر البُطولة فِي الافلام الرومانسِية وبَعَدها لم يَعد بإمكاني القِيام بذلك. لأنني صِرت كبيـر. ولا اجّد مُتعة في لعبّ دَوَر الرَّجل الذي لا يَحصلُ على فتاة جَمِيلة. انه مُحبط تَخَّيل القِيام بِصُنع أفلام من بطولة “ سكارلت جوهانسن” أو “ ناوومي واتز” والرجَال الاخرين يحصُلون عليهنّْ وانَا فَقط المُخرج. أنا ذلك الرَجَل الكبير الذي يكون مُخرج العمل. لا أحبُ هَدَا. أحبُ ان أكون الشخص الذي يجلس معهنّ على طاولة المطعم، انظر لأعينهن وأكذب عليهن. إذا لم أستطع فعل هذا لنّ يكون منّ المُسلي ان أمثل في اي فيلم.
– ما هو رأيك حَوَل التقدم في السن؟
– أجَدهُ صَفقة خَسِيسة، لا يوجد ايّ مُميزات بأن تَكون كبِير. لا تَصَّبح أكثر ذكاء، ولا أكثر حِكمة، ولا أكثر نُضِج، ولا تُصِبح ألطف، لا شيء جَيَد يَحَدثّ. ظَهرك يُؤلمك، يُصِيبَك عُسرٌ في الهَضَم، والبَصّر لا يعود جَيَد، وتحتاجُ لجِهَاز يُسَاعِدك علىّ السَّمع. انه أمَرَ سيء أنّ تُصِبح كبير وسَوَف أنصَّحك بأنّ لا تَفَعل إذا كان بِإمَكِانك الابتَعَاد عنه. فليس هُنَاك أيّ خَاصِيات رومانسية.
– هل سوف تَتَوقف عن صُنع الافلام؟
– بكِل بَسَاطَة أنَا أحبُ العمَّل. أين يُمكنني تَطَوير طُموحاتِي؟ كـفنان، تَسَعى دائمًا نَحَو إنجَاز عَمَل عَظِيم ولكنِ يبدو كأنك لن تَصَل لِذلك أبدًا. تُصَّور الفِيلم، والنتِيجة مِن المُمكِن دائمًا ان تكونّ افضـل. وتجرب مَرَة اخرى، تفشل مَرة أخرى، بطريقة ما أجَدَ هذا مُمتِع للغاية. لن تخسر تَركِيزك عن هَدَفك ابدًا. أنا لا أقوم بعملي مِن أجَلَ الحصُول عَلىَ النُقود أو لتَحطِيم أرَقَام فِي شُباك التذاكر. بِكل بَسَاطة انا أجرب الأشياء. مَاذَا سَيَحصّل لو حَقَقتُ الكَمَال فِي عَمَلِي، مَاذَا سوف أفعل بعد ذلك؟
اجريت هذه المقابلة بتاريخ 20 يوليو 2012 و نشرت علي موقع the talks.
لقراءة النص الأصلي:http://the-talks.com/interview/woody-allen
Posted in مقال،إنطباعات،غير مصنف

نوافذ الحب لجون شتاينبك

هالة أسامة

ربما يشتهر جون شتاينبك الحاصل على جائزة نوبل بكتبه شرق عدن وعناقيد الغضب وفئران ورجال، ولكنه كان كذلك كاتبًا ذا إنتاجٍ غزيرٍ من الرسائل. يُعدّ كتاب ‹‹حياة شتاينبك من خلال رسائله›› سيرةً ذاتيةً بديلةً له تعرِض لحوالي 850 رسالة من رسائله الصادقة العاطفية لأسرته وأصدقائه ومحرره ومجموعةٍ من الشخصيات العامة المؤثرة.

من بين هذه المراسلات رسالة رائعة كتبها لابنه الأكبر توم عام 1958 ردًا على خطابه الأخير الذي يعترف فيه بوقوعه في غرام فتاةٍ تُدعَى سوزان في المدرسة الداخلية. تتسم كلمات شتاينبك بالحكمة والحنان والتفاؤل والذكاء بما يجعلها تُحفَر في قلب وعقل كل إنسان. وإليكم نص الرسالة:

نيويورك

10 نوفمبر 1958م

عزيزي توم

لقد تلقينا خطابك صباحًا، سأرد عليك من وجهة نظري وسترد إيلين بالطبع من وجهة نظرها.

أولًا: إذا كنت واقعًا في الغرام؛ فهذا أمر جيد، بل هو أفضل ما يمكن أن يحدث لأي شخصٍ، لا تسمح لأحد بالتقليل من شأنه.

ثانيًا: هناك عدة أنواع من الحب؛ أحدها أناني ولئيم وجشع ومغرور يستغل شعور الحب للإحساس بأهمية الذات، وهذا هو النوع القبيح المُحبِط. والآخر يفيض بكل ما هو جيد؛ يفيض بالطيبة والتفهم والاحترام؛ لا أعني فقط الآداب الاجتماعية ولكن الاحترام الأعمّ وهو الاعتراف بتفرُّد الشخص الآخر وقيمته. قد يجعلك النوع الأول من الحب مريضًا وضعيفًا، أما الثاني فسيمدّك بالقوة والشجاعة والخير والحكمة التي لم تعرف أنك تتمتع بها.

تقول أنه ليس حبًا طفوليًا، إذا كانت مشاعرك عميقةً للغاية فهو بالطبع ليس حبًا طفوليًا. ولكني لا أعتقد أنك كنت تسألني عن مشاعرك، لكنك أردت أن أساعدك لمعرفة ما عليك فعله، ويمكنني أن أقوم بذلك.

افتخر بمشاعرك وكن سعيدًا وممتنًا لها. ستكون موضوع حُبِّك الأفضل والأجمل، فحاول أن تكون مثلها.

إذا أحببت شخصًا ما فليس هناك ضرر من التصريح بذلك، ولكن عليك أن تتذكر أن بعض الناس يخجلون للغاية وأحيانًا عليك وضع ذلك في الاعتبار.

للفتيات طرقهنّ في معرفة شعورك أو الإحساس به، ولكنهنّ عادةً ما يحببن أن يسمعن تعبيرك عنه أيضًا.

قد يحدث في بعض الأحيان ألَّا يكون شعورك مُتبادلًا لسببٍ أو لآخر، ولكن هذا لا يجعل شعورك أقل قيمةً.

وأخيرًا، أعلم شعورك لأنني أشعر به، وأنا سعيد لشعورك به. سيُسعدنا لقاء سوزان، فهي مُرحَّبٌ بها جدًا، ولكن ستقوم إيلين بالترتيبات اللازمة لأن هذا تخصصها وستسعد بذلك، فهي تعرف الحُب أيضًا وربما قد تساعدك أكثر مما أفعل.

ولا تقلق بشأن الخسارة، إذا كان الأمر مناسبًا سيحدث، ولكن عليك ألّا تتسرع، والأمور الجيّدة لا تختفي.

مع حبي.